اغتيال بيتر باركر

السبت، 07 أبريل 2018 07:05 م
اغتيال بيتر باركر
إيهاب عمر يكتب

عام 2002 طرح فيلم سبايدر مان من انتاج شركة سوني بيكشرز، وذلك بعد سنوات من غياب شخصيات الأدب المصور الأمريكي عن الشاشات، رغم البطولة الجماعية للرجال اكس عام 2000، ولكن يمكن القول ان سبايدر مان نسخة 2002 كان العودة الحقيقية للسوبر هيروز للشاشة بعد فشل فيلم باتمان وروبين أواخر التسعينات.

قدم توبي ماجوير أداء رائع، كلما عدت اليه اعدت تقييمه بما هو أعمق، ولعل هذا هو موضوعنا اليوم، كذلك كرستين دانست في دور مارى جين، وأصبحت الثلاثية التي ابصرت الأضواء أعوام 2002 و2004 و2007 من أبرز علامات نقل الادب المصور الى شاشات السينما، وقد حاولت شركة سوني استكمالها عبر مفاوضات استمرت ثلاث سنوات حتى أعلنت عام 2010 فشل الاتفاق على الجزء الرابع رغم انه خلال المفاوضات جرى تقديم عقود خاصة بثلاثة أفلام جديدة دفعة واحدة بعناوين: Spider-Man 4, Spider-Man 5 and Spider-Man 6.

والاتفاق مع جون ماكلوفيتش على دور رئيسي كشرير بالإضافة الى تجسيد آن هاثاواي لدور بلاك كات، والمشروع انهار ولاحقاً جسدت هاثاواي قطة اخري في ثلاثية باتمان.

لاحقاً تم انتاج ثنائية اخري، عامي 2012 و2014، ولكن لم تضيف لبيتر باركر جديد، لم يكن أداء اندرو جارفيلد أفضل من أداء الرائع توبي ماجوير في الثلاثية الاولي، يمكن القول انه الإضافة الفنية الوحيدة في الثنائية كان أداء ايما ستون لشخصية جوان ستاسي، ولا عجب ان لم يجد المنتجون الدافع الكافي لإنتاج جزء ثالث لانه بوفاة ستاسي في نسخة 2014 لم يعد هنالك جديد يمكن ان يقدم في جزء ثالث وفى عام 2015 أعلنت سوني فشلها في الاتفاق حول جزء ثالث.

شركة ديزني مع ستديوهات مارفيل التي تمتلك اليوم كافة شخصيات وسلاسل مارفيل وتوجت هذا النشاط السينمائي الخلاب بسلسلة افينجرز سارعت للاتفاق على استغلال سبايدر مان سينمائياً، والحقته بفيلم "كابتن أمريكا: الحرب الاهلية" عام 2016، ثم انتجت فيلماً مستقلاً لسبايدر مان عام 2017.

ان أبرز ملاحظات عالم سبايدر مان سينمائي ان كل سلسلة منهم تعود اى ماضي بيتر باركر، فاذا كانت الثلاثية الاولي ذهبت الى بيتر باركر عقب تخرجه من الجامعة مع نبذة صغيرة عن سنوات الجامعة، فأن الثنائية تناولت بيتر باركر في الجامعة، اما نسخة ديزني فهي بيتر باركر التلميذ، حتى ان بعض المنتقدين لهذا التناول السينمائي يتهكمون بالقول ان النسخة الرابعة من بيتر باركر سوف تكون العنكبوت الرضيع.

اوئل القرن الحادي والعشرين وعلى ضوء زحف التكنولوجيا بشكل غير مسبوق على صناعة السينما ظهرت الحاجة الى "أنسنة" الابطال، وقد بدأها كريستوفر نولان مع باتمان، ثم اخرجوا نسخة خلابة من جيمس بوند في كازينو رويال قبل ان نصل الى الذروة في فيلم لوجان عام 2017، ولكن في تقديري ان فيلم سبايدر مان – 2 عام 2004 تحديداً كان واحدة من اهم خطوات انسنة السوبر هيروز سينمائياً.

يعتبر سبايدر مان ضيف شرف في هذا الفيلم، بينما الشخصية الرئيسية هي بيتر باركر، المصور الصحفي الشاب الذي يعيش في أجواء فقيرة بأحدي ازقة نيويورك، غير قادر على العيش بمستوي لائق على ضوء قلة المال، وقلة التقدير، بينما حبيبته مارى جين تنتظر منه كلمة واحدة فلا يقدر على التفوه بها، ليس لقلة الحيلة والمال فحسب ولكن خوفاً من ان تصبح شوكة في ظهره يستغلها اعدائه حينما يرغبون بالنيل منه.

هكذا يراقب باركر انخراط ماري في علاقة حب سوف تتوج بالزواج قريباً جداً، بينما يحاول انقاذ حياته ومهنته من وطأة الحياة الصعبة القاسية في مدينة مثل نيويورك، إضافة الى الظروف المعيشية الصعبة لعمته الوحيدة واخر من يعرف على وجه الأرض من آل باركر.

هذا الفتى الفقير، المحطم عاطفياً هو المطلوب منه ان يسارع الى الشوارع ليلاً لإنقاذ النيويوركيين من اللصوص، وترك وظيفته صباحاً لمطاردة مهاوييس السيطرة على عاصمة المال الامريكية، وكأنما الاقدار لم تكتفى بفقره وبؤس حياته العملية والعاطفية ولكن وضعت في عروقه قدرات العنكبوت في عذاب سيزيفي، ما يجعله في مرحلة ما يفكر في العزوف عن الاستمرار ، ويخلع بذلة العنكبوت ويلقى بها في صناديق القمامة ويقرر ان يخلص لعمله حتى يجد كسرة خبز لائقة بدلاً من تلك الفرحة التي شعر بها حينما قدمت ابنة مالك العقار الذى يقيم فيه طبق طعام من خلف ظهر والدها.

قدم توبي ماجوير اداءاً يليق بتفاصيل التركيبة النفسية لبيتر باركر البطل الذي ينقذ نيويورك مراراً دون ان يلقى ولو التقدير الصحفي المناسب، وان كان شعب نيويورك ينتصر له لاحقاً في النصف الثاني من الفيلم، وكان مقرراً ان تظهر جوان ستاسي في الفيلم باعتبارها حب باركر السابق قبل ان يوطد علاقته بمارى جين، ولكنه في المشاهد الأخيرة يتركها ويفضل ان يبقى وفياً لذكري حبه لمارى جين قبل ان تقوم مارى بدورها بترك زوجها يوم عرسهم وتذهب الى شقة باركر الفقيرة وتخبره بانها تفضله هو.

وبالفعل أدت النجمة إلين بومبيو بعض تلك المشاهد في دور جوان ستاسي ولكن لاحقاً تم حذفها لتصبح برايس دالاس هوارد هي اول من يجسد ستاسي في سبايدر مان – 3 عام 2007.

هذا السيناريو المعقد لم يكن سوى رواية Spider-Man No More الصادرة عام 1967، بقلم ستان لى مبتكر سبايدر مان، وقد نقلت ببراعة الى شاشات السينما، ليصبح فيلم سبايدر مان – 2 من اهم محاولات انسنة البطل الخارق ان لم تكن تلك المحاولة تسبق وطواط نولان وجيمس بوند نسخة دانيال جريج.

حينما ترى هذا المجهود، الذي يتحول لاحقاً الى مهرج مراهق في نسخة ديزني، وتحديداً فيلم Spider-Man: Homecoming عام 2017، ونبدأ في الكوتة النيوليبرالية – التي تدعم اجندة سياسية يطول شرحها – التي افسدت الأفلام السينمائية عبر تسطيح كل ما هو قيم، بعد ان كان هنالك تسييس مقبول لبعض الاعمال السينمائية في اطار حقيقة انه السينما مثلها مثل اى أداة إبداعية هي جزء من مشروع القوة الناعمة للمنتجين قبل ان تكون لصالح الدولة الأم ولكن اليوم اصبح التسيس فجاً وكأنه يدعو لدين اجباري علينا جميعاً ان نسلكه.

في النسخة الجديدة من بيتر باركر يصبح صديق البطل الأول شخص ذو ملامح آسيوية، والثاني بدين، وتتحول مارى جين الشقراء ذات الشعر الأحمر الى فتاة سمراء، تماماً كما فعلت شركة دى سي كوميكس في فيلم ووندر وومان حينما كونت فرقة حلفاء بدون داعي من عدة اعراق على ان تتضمن شخص عربي، والمشكلة ليست في هذه الكوتة ولكن في عدم وجود اى حبكة درامية لازمة لتصنع هذه المجموعة، او وجود مبرر لتحول مارى جين الصهباء ذات الشعر الأحمر الى فتاة سمراء، ونظراً لعدم وجود حبكة او مبرر درامي تجد نفسك امام شخصيات لو حذفت من النص لما شعرت باى فارق.

وحتى تيمة انه سبايدر مان هو "الجار الودود لكل سكان نيويورك" التي كانت تعني طابعاً انسانياً حولتها ديزني الى خطاب يساري امام رجل الاعمال (ممثل الرأسمالية في هذا المشهد) تونى ستارك في المشهد الأخير!، افساد ممنهج لعمل ادبي بديع بل وعالم سينمائي خلاب لمجرد تلاوة ديباجات سياسية مباشرة مهما حاولت ان تتوارى خلف مشاهد كوميدية!، ولا عجب ان نرى عموماً التناقض الأمريكي التاريخي في أفلام تناهض الأثرياء بشكل فج بينما نحن نتحدث لا عن اعتي دولة رأسمالية في التاريخ بل صناعة قائم عليها تيار سياسي وثقافى نيوليبرالى بامتياز، ولكنه يستخدم شعبوية ويسارية ينتقدها في منافسيه من اجل إيصال أفكاره في تناقض يجعل من اتباعه اشخاص غير اسوياء.

ولاحقاً في صناديق الاقتراع وميادين الثورة والفوضى تدفع الشعوب من مقدراتها ثمن كل هذا الهراء النيوليبرالي المقدم عبر وجبة سينمائية وادبية خلابة للأجيال الجديدة ومملة للغاية لمن رأى بيتر باركر حقاً يوماً ما في عالم ادبي وسينمائي قبل حقبة التطرف النيوليبرالي الفج التي نعيشها.

 
لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق