مسلسل عقوبات ضد روسيا بلا أسباب

الجمعة، 20 أبريل 2018 04:17 م
مسلسل عقوبات ضد روسيا بلا أسباب
د. مغازي البدراوي يكتب:

لقد بات الأمريكيون على يقين من أن العقوبات على روسيا لا تغير شيء ولا تؤتي ثمارها، بل أحيانا كثيرة تضر جهات أمريكية وأوروبية تتعامل اقتصادياً مع جهات روسية، ناهيك عن أن تكرار هذه العقوبات كثيراً أدى إلى هروب رأس المال والاستثمارات الروسية بنسبة كبيرة من السوق الأمريكية والأوروبية خشية العقوبات والمصادرة، وحتى دول أخرى كثيرة باتت تخشى على أموالها واستثماراتها في الولايات المتحدة، خاصة دولة كبيرة مثل الصين تتجاوز حجم ودائعها واستثماراتها في الولايات المتحدة التريليون دولار.

المثير للدهشة، وربما للضحك، أن الأمريكيين باتوا يعلنون عن العقوبات قبل أن يعدوا لها أسباب ومبررات، وقد أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية، الجمعة 6 أبريل، إضافة 24 شخصا و14 مؤسسة إلى قائمة العقوبات المفروضة على روسيا من قبل واشنطن. وفي ردها على الصحفيين حول أسباب هذه العقوبات قالت مسؤولة أمريكية رفيعة المستوى إن القرارات الأخيرة ليست "ردا على حدث منفرد أو مسألة معينة، إن الولايات المتحدة تتخذ هذه الإجراءات ردا على مجمل النشاطات الشريرة للحكومة الروسية عبر العالم، وهي نشاطات تتواصل وتزداد تحديا"، كلام المسئولة الأمريكية الذي يصور روسيا كالوحش الشرير الذي يعيث شراً وفساداً في العالم، هذا الكلام يذكرنا بكلام الرئيس الأمريكي السابق أوباما عندما قال أن "روسيا أكثر شراً وتهديداً من داعش ومن وباء إيبولا"، من الواضح أن المسألة باتت: "عقوبات من أجل العقوبات"، وكأنه استعراض لقوة كاذبة لم يثبت وجودها ميدانيا ولا في أي مكان في العالم.

لقد فشلت القوة الأمريكية والبريطانية في إثبات وجودها ميدانياً، وفشلت فشلا ذريعاً في حربها على الإرهاب لسنوات طويلة، بينما جاءت روسيا في مدة محددة وأنجزت أصعب المهام العسكرية، وأبهرت الجميع، وأنقذت سوريا الدولة من الدمار والتفتت، وباتت واشنطن ولندن في حرج كبير، خاصة وأن إنفاقهم على الحروب في الشرق الأوسط يفوق عشرات أضعاف الإنفاق الروسي، الأمر الذي يجعل واشنطن ولندن يجن جنونهما فيتخذان قرارات عشوائية بلا أسباب أو مبررات، سوى أنها تعكس غيظاً وحقداً على روسيا وعلى رئيسها بوتين الذي باتوا يصفونه في كل الدول بالرجل الأقوى في العالم، ومن هنا تأتي العقوبات الأمريكية الأخيرة وما قبلها، وتأتي أيضا هستيريا "سكريبال" البريطانية التي انطلقت أيضاً بلا أية أسباب أو أدلة تحت غطاء حادث تسمم لعميل روسي قديم منتهية صلاحيته منذ زمان، ولم يثبت حتى الأن أي شيء، بينما العميل وابنته تعافا من التسمم المزعوم.

ولو نظرنا إلى الأشخاص الروس الذين فرضت عليهم العقوبات الأمريكية الأخيرة سنجد أنهم قادة الأمن الروسي ونجوم العمل الحكومي الاقتصادي وأشهر الأثرياء ورجال الأعمال، ويبدو أن واشنطن باتت تبحث عمن لم تطبق عليه العقوبات بعد، لتضعه في القائمة، وقد شملت القائمة الأخيرة 17 مسؤولا و7 من رجال الأعمال، ومن المسؤولين في أجهزة السلطة والشركات والمؤسسات الحكومية الروسية منهم شخصيات من أعلى مستوى في الدولة مثل:

قد يرى الكثيرون أنه لا يوجد رابط بين كل هذه الشخصيات الروسية المفروضة عليها العقوبات، لكن بالتدقيق في هذه الأسماء والشخصيات سنجد أنهم جميعاً من المقربين للرئيس بوتين، أي أنهم كما يقولون "رجال بوتين"، وهذا يكشف عن مدى الإزعاج والحقد الذي يثيره الرئيس الروسي بوتين لدى الغرب، خاصة في واشنطن ولندن، والذي يشيرون إليه بأصابع الاتهام في كل شيء، ويتهمونه أيضاً في لندن بأنه هو الذي أمر بتسميم العميل المزدوج سكريبال وابنته في سالزبوري.

مسلسل العقوبات ضد روسيا تتواصل حلقاته، ورغم أن هذه العقوبات ليس تأثير فعال على الاقتصاد الروسي، وذلك بشهادة الخبراء الأمريكيين والأوروبيين أنفسهم، وليس لها أدنى تأثير على الأشخاص المفروضة عليهم، والذين ليس لهم أرصدة مالية في واشنطن، ولا يتوقون لزيارة الولايات المتحدة كثيراً، إلا أنها في النهاية عقوبات مفروضة من دولة على دولة أخرى، وتعكس حالة عداء وخصام وعدم احترام، الأمر الذي يستوجب من روسيا كالعادة رداً مساوياً أو حتى أقسى، مثلما فعلت في الرد على طرد دبلوماسييها من الولايات المتحدة و23 دولة أوروبية، ولهذا أعلنت روسيا أنها لن تبقي أي خطوات معادية ضدها من دون رد.

وقالت الخارجية الروسية، في بيان أصدرته مساء الجمعة 6 أبريل، إن "عدد المحاولات التي قامت بها الولايات المتحدة منذ العام 2011 للضغط على روسيا من خلال العقوبات تجاوز يوم 6 أبريل الجاري الرقم 50، وبعد فشلها في تحقيق أي نتيجة خلال الجولات الـ50 السابقة، تواصل واشنطن تخويف موسكو برفض تقديم تأشيرات الدخول إلى الولايات المتحدة، وتهديد قطاع الأعمال الروسي بتجميد الأصول المالية، وتنسى مع ذلك أن الاستيلاء على ممتلكات خاصة وأموال تابعة للآخرين يعتبر نهبا".

ولفتت الوزارة في بيانها إلى أن "السياسيين في واشنطن، بعد فشل عقوباتهم السابقة، وصلت بهم الحماقة إلى محاولة ضرب شركات روسية تقيم منذ وقت طويل اتصالات عملية مع الولايات المتحدة وتخلق هناك آلاف فرص العمل، وقصارى القول، يوجهون ضربة إلى الأمريكيين العاديين والناخبين ويدمرون التعاون الاقتصادي في خطوة تلحق أضرارا بهم بالذات".     

وأكدت الخارجية الروسية في بيانها على أن أي إجراءات للضغط على روسيا لن تحولها عن توجهاتها السياسية وأنها تظهر فقط عجز الولايات المتحدة عن تحقيق أهدافها وتدعم في نفس الوقت توحد المجتمع الروسي".

ومن المضحكات أيضاً في مسلسل العقوبات الأمريكية والأوروبية ضد روسيا، تأكيد الجهات التي تفرض العقوبات على حرصها على توطيد العلاقات مع روسيا والحوار معها، بل ويطمحون أيضاً للقاء الرئيس بوتين، وقد أكد البيت الأبيض في يوم فرض العقوبات أنه يواصل التحضير للقاء المرتقب بين الرئيسين الأمريكي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين، على الرغم من توسيع العقوبات الأمريكية ضد روسيا. وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض سارة ساندرز، ردا على سؤال ما إذا كانت العقوبات الجديدة ضد روسيا تدل على تخلي ترامب عن نيته لقاء بوتين: "لا، على الإطلاق". وأكدت أن ترامب لا يزال يأمل بلقاء بوتين.

ويذكر أيضاً أن رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي بعد توليها منصبها وتوجهها لقمة مجموعة العشرين في الصين في سبتمبر عام 2016، أرسلت للكرملين طلب للقاء خاص مع الرئيس بوتين على هامش القمة، رغم سوء العلاقات بين البلدين، لكنها على ما يبدو كانت تطمح للظهور بجانب هذا الرجل الأقوى في العالم الآن.

حجم العقوبات وعدد الجهات والشخصيات الروسية المفروضة عليها العقوبات، والتي لم تستثني أحداً حتى الآن، سوى الرئيس بوتين، حتى رئيس الوزراء ميدفيدف ووزير الخارجية لافروف طالتهم العقوبات، هذا الحجم يثير بالفعل التساؤل حول مدى قدرة وإمكانيات الولايات المتحدة وبريطانيا، الأن، على فرض إرادتهم وهيمنتهم بهذه الأساليب التي كانت من قبل لها تأثير كبير، أم أن النفوذ الغربي تراجع بشكل كبير، بينما نهضت الدول الكبرى الجديدة مثل روسيا والصين والهند، ولم تعد واشنطن والغرب قادرين على الحد من انطلاقهم ونهوضهم، كل المؤشرات تؤكد أن الاقتصاد الروسي، رغم محدوديته بالمقارنة بالاقتصادات الأمريكية والصينية واليابانية والألمانية مثلاً، إلا أنه يملك أدواته الخاصة التي يصعب اختراقها، وقد أكدت رئيسة البنك المركزي الروسي ألفيرا نابيؤلينا إنها لا ترى خطورة على استقرار النظام المالي الروسي في ظل العقوبات الأمريكية الأخيرة، أن البنك المركزي يملك مجموعة كبيرة من الأدوات التي يمكن استخدامها في مختلف الحالات، إذا ما حاقت خطورة باستقرار النظام المالي للبلاد، وأن هذه الأدوات ستحد من تأثير العقوبات الأمريكية على التضخم.

* متخصص في الشأن الروسي ووسط أسيا

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق