الثابت والمتغير في القرآن الكريم

الثلاثاء، 15 مايو 2018 03:55 م
الثابت والمتغير في القرآن الكريم
د. مهند خورشيد يكتب:

توقفت في المقالة السابقة عند السؤال عن ذلك المعيار الذي سوف يهدينا لترجمة لغة القرآن إلى لغة عصرنا الحضارية والفكرية والذي سوف يضمن لنا المحافظة على ثوابت كتاب الله، إذ كما رأينا، فإن الوقوف عند حرفية النص سوف يؤدي بلا محالة إلى تضييع مقاصده.
لقد أعطانا القرآن الكريم نفسه ذلك المعيار ووضحه بشكل لا يقبل الجدل، فهو ثابتُ كل الثوابت وقاعدةٌ لكل فهم صحيح للقرآن، بل وللإسلام، فلقد قال الله سبحانه وتعالى في سورة الأنبياء مبيناً هذا الثابت: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"، فرسالة محمد عليه الصلاة والسلام تدور حول الرحمة، فالرحمة أساسها ومقصدها وهي البداية وهي النهاية، وهي رحمة للعالمين، أي للخلق كله. لذا ابتدأت كل سورة في القرآن الكريم باستثناء سورة واحدة باسم الله الرحمن الرحيم، لأن القرآن يدعو قارئه أن يضع نظارة الرحمة على عينيه ليقرأ القرآن من خلالها، فيبحث في قراءته للقرآن عن تلك الرحمة الإلهية التي تتجلى في كل آية من القرآن. فكل قراءة للقرآن فاتها هذا البحث عن تجليات الرحمة الإلهية في كل آية من آياته هي قراءة ناقصة قد ضيعت المقصد القرآني. 
 
لقد تعودنا أن نقرأ القرآن على أنه كتاب قانون وكأن كل آية منه هي مادة قانونية، فنقر ؤه لمجرد البحث عن تلك اللوائح القانونية سواء كانت تتعلق بالعقائد أم بالعبادات أو المعاملات. بلا شك أن القرآن يمدنا بتعاليم وثوابت دينية تتعلق بهذه القضايا، ولكن فرقاً بين أن نتعامل مع القرآن على أنه مجرد مجموعة من اللوائح القانونية وبين أن نتعامل معه على أنه رحمة للعالمين وأن رحمة الله تتجلى فيه وتحاكينا من خلاله وتطلب منا أن نجعل منها واقعاً في حياتنا كأفراد وجماعات. 
 
لكن مع ذلك يبقى التحدي أمامنا اليوم هو سؤال التعامل مع لغة القرآن الحضارية والفكرية والتي كما وضّحتُ في المقالة السابقة هي لغة تحاكي في الدرجة الأولى الأفق الحضاري والفكري للمتلقين الأوائل للقرآن، ولكن لإيماني كمسلم أن القرآن رسالة الله لكل الناس وليس فقط للمتلقين الأوائل، فيكون عليّ اليوم أن أترجم لغة القرآن للغة تراعي سياقي الحضاري والفكري ولكن دون التفريط بذلك الثابت القرآني: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين". قد تتغير القوالب اللغوية والفكرية والحضارية اليوم، لكن الثابت الذي كتبه الله على نفسه لا بد من أن يبقى ثابتاً، إنه الرحمة الإلهية. إذن العملية التأويلية للقرآن هي بحث مستمر لا ينقطع عن تجليات هذه الرحمة الإلهية في كتاب الله. فكما تجلى الله سبحانه وتعالى برحمته على المتلقين الأوائل للقرآن، فإنه يتجلى لي ولَك ولكل قارئ أو مستمع للقرآن اليوم وغداً، وبما أن موضع هذا التجلي هي القلوب الزكية، فإذن لا يمكن فصل عملية فهم القرآن عن العمل الجاد على تزكية النفس كي تكون متهيئة لتجليات رحمة الله ولتحولها إلى واقع عملي ملموس من خلال تصرفاتنا وتعاملنا مع أنفسنا ومع غيرنا. 
 
وطالما تماشى هذا أو ذلك التفسير مع مفهوم الرحمة فهو يَصب في هذا المقصد الأسمى للقرآن الكريم. فأُذكِّر القارئ بالمثال الذي ضربته في المقالة السابقة والمتعلق بأمر الله سبحانه وتعالى بإعداد رباط الخيل لإرهاب العدو. فالمقصد هو إرهاب الظالم لصد ظلمه والوقوف مع المظلوم ومساندته بكل ما هو متاح. وهذا من تجليات رحمة الله، لأن الله مع المظلوم، لا يكتفي بمجرد التفرج على ألم المظلوم، بل إن ألمه مدعاة لأن يُسخر الله سبحانه وتعالى له من يعمل على إزالة هذا الظلم. فإذا انقطعت الأسباب السلمية ولم تبق إلا الحرب كوسيلة لردع الظلم فلا بد من إعداد العدة لصده. إذا قلت لي أنه علينا أن نقف مع حرفية النص، فسوف أسألك: هل في إعداد رباط الخيل اليوم إرهاب للعدو الظالم؟ هل حقاً سيحقق ذلك المقصد القرآني وهو ردع ظلم الظالم تحقيقاً لرحمة الله، أم سيكون ذلك تعطيلاً لرحمة الله لأن رباط الخيل اليوم لن ترهب عدواً وبالتالي سوف تبقيه على ظلمه؟ ولكن حتى وإن ترجمنا رباط الخيل مستخدمين ما نعرفه اليوم من أدوات الردع الحديثة، سواء الاقتصادية أو السياسية أو الحربية، فلا يمكننا أن نُلزم بفهمنا هذا أجيالاً سوف تأتي بعدنا وسوف ربما تملك أدوات أخرى لردع الظلم أو صدّ الظالم أكثر قدرة على تحقيق مقصد الآية من قدراتنا اليوم، ففهْمُنا للقرآن اليوم والذي  من خلاله تتجلى رحمة الله لنا قد يكون هو ذاته تعطيلاً لهذه الرحمة في حق سياقات أخرى اختلفت آفاقها الفكرية والحضارية. إذن فالرحمة الإلهية التي تتجلى في القرآن بحاجة إلى ترجمة مستمرة كي لا تتعطل، لذلك لا تكفي قراءة القرآن مرة ومرتين، ولا حتى مئات المرات، لأن تجليات الرحمة فيه ليس لها حدود: "قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا". وبما أن فهم الإنسان محدود وقدراته محدودة وسياقه يُحتِّم عليه فهوماً معينة، فلا يجوز لأحد أن يدعي أنه فهم القرآن فهماً نهائياً أو استوعبه على تمامه، فكيف لرحمة الله التي وسعت كل شيء أن يحتويها شيء أو إنسان؟ كيف لرحمة الله أن تنتهي عند فهمي أو فهمك؟ بأي حق يدعي أحدهم أن فهمه احتوى رحمة الله؟ 
 
لذا لا يُزايدَنّ أحد على أحد، واتركنا نحاكم أي فهم للقرآن وفق معيار الرحمة، دون أن يدعي أحدنا أن الله نصبه محام عنه سبحانه. 
سوف يسألني أحدهم عن مفهوم الرحمة والتي هي معيار لفهم القرآن، فأقول باختصار: الرحمة في اللغة هي تعبير عن الرقة في القلب والعطف والرأفة والحنان في التعامل. أما في القرآن الكريم فلها معانٍ كثيرة يدور جلها على إرادة الله الخير والسعادة والعناية بالإنسان في الدنيا والآخرة وأن الله مرافق للإنسان برعايته وحبه. فالرحمة الإلهية تعبيرٌ عن إرادة الله للإنسان أن يكون قريباً منه سبحانه في جوار الحضرة الإلهية كما عبر عن ذلك العلامة أبو حامد الغزالي.    
 
وها نحن اليوم نقف على باب رمضان، شهر القرآن، شهر الرحمة، فتعالوا نبحث خلال هذا الشهر الفضيل وبعده عن تجليات رحمة الله في كتابه العزيز  سائلين أنفسنا كيف يمكننا أن نترجمها لواقع ملموس في حياتنا.

تعليقات (1)
نتفق فى الجزء النظرى كليا والعبرة فى التطبيق
بواسطة: اسامة احمد سيد احمد
بتاريخ: الأربعاء، 09 مايو 2018 12:00 م

كلام جميل

اضف تعليق