س و ج.. كل ما تريد معرفته عن التفريد العقابي وأنواعه

الخميس، 10 مايو 2018 01:00 م
س و ج.. كل ما تريد معرفته عن التفريد العقابي وأنواعه
صورة أرشيفية
علاء رضوان

 

كشف التطور الحديث الذي لحق بالسياسة الجنائية حديثا عن مبدأ هام هو مبدأ التناسب، ويتوجه مضمون هذا المبدأ إلى المشرع، وينبه إلى ضرورة مراعاة التناسب بين إيلام العقوبة الجنائية والجريمة التي تقررت لها هذه العقوبة وظهر بموازاته مبدأ المساواة في العقاب كرد فعل ضد نظام عدم المساواة الذي اتسمت به الإدارة الجنائية في النظم القديمة، لكن المساواة في القانون الجنائي أدت إلى عدم المساواة بين أناس مختلفين، لأن العقاب وإن كان واحداً في الاسم، فإنه يختلف في الحقيقة باختلاف النوع والسن والظروف؛ وغير ذلك من الأحوال، فالشكلية التي اتسم بها الاتجاه المحافظ كادت تقضي على المبررات التي من أجلها نودي بمبدأ الشرعية؛ وذلك بالهبوط بالقاضي إلى مستوى الآلة في تطبيقه للقانون بحرمانه من أي سلطة تقديرية، وهذا بطبيعة الحال، يضر بمبدأ المساواة أمام القانون الذي يتطلب بالضرورة أن يؤخذ في الاعتبار التغيرات الاجتماعية للمصالح، وأيضا الظروف الواقعية التي أحاطت بارتكاب الجريمة ومن ثم فإن المساواة الحقيقية هي المساواة بين جميع الجناة في الألم.

ومن هنا ظهر «التفريد» للتعبير عن هذا المنطق الذي هو في الحقيقة عصب السياسة الجنائية، فالمعنى الحقيقي للمساواة هو تماثل العقوبة كلما تماثلت الظروف والأوضاع، ومن ثم فلا تعارض بين مبدأ المساواة في العقوبة ومبدأ تفريدها، ولما كان تفريد العقوبة يحقق العدالة والمساواة، فقد أخذت به النظم الجنائية الحديثة على ثلاث مستويات: ابتداء من المرحلة التشريعية إلى المرحلة القضائية، ثم إلى مرحلة تنفيذ العقوبة.

وفى هذا الشأن، تقول المحامية والخبير القانوني، سماح الشيخ، أن «التفريد» بأنواعه بمعنى التدرج العقابي هو الجانب العملي لمبدأ «حرية القاضي في تكوين عقيدته» كما انه أهم مبادئ التشريع الإسلامي وهو ما يفهم من قوله تعالى «وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ أيه 179 / البقرة وأيضا قول الرسول الأكرم  روى ابن ماجه عن أبي هريرة أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال : « ادفَعوا الحدود ما وجدْتم لها مدفعًا » وروى الترمذي عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «ادْرَءُوا الْحُدُودَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَخْرَجٌ، فَخَلُّوا سَبِيلَهُ، فَإِنَّ الْإِمَامَ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعَفْوِ، خَيْرٌ من أن يخطيء في العقوبة».

وأضاف «سماح» في تصريح لـ«صوت الأمة» أن «تفريد الجزاء الجنائى»  يُعد عدالة العقوبة الجنائية من أهم خصائصها، وتتحقق تلك العدالة بمراعاة «تفريد العقاب» عند التطبيق، ويعد «تفريد» العقوبة هو ثمرة من ثمار العدالة في تطبيق القانون، يتمثل «التفريد» عند تسليط العقاب في إعطاء القاضي سلطة تقديرية واسعة لاختيار العقوبة المناسبة في نوعها ومقدارها للحالة الماثلة أمامه، وهو ما يعرف بـ«التفريد القضائي»، إذ على خلاف التفريد القانوني أو التشريعي الذي يراعيه المشرع عندما يشرع الجزاء الذي يقره في النص الجزائي.  

وأكدت «سماح» أن «التفريد» يكون قضائياً حين يقوم القاضي على تطبيقه عند تقدير العقوبة بناء على السلطة التي منحه إياها المشرع، فرغم الجسامة الذاتية للجريمة الواحدة أياً كان سبب وقوعها وزمانها، إلا أن المشرع بعد أن يقدر جسامتها في صورة حد أقصى وحد أدنى للعقاب يترك للقاضي أن يختار بين هذين الحدين أو حتى دون الحد الأدنى حسب جسامة الجريمة وظروف وقوعها وخطورة المجرم، بالإضافة إلي ذلك فهناك تفريد تنفيذي يخول لسلطة التنفيذ المناط بها تنفيذ العقوبة

وعلى ذلك ينقسم التفريد العقابي إلى ثلاث أنواع:

1- التفريد التشريعي:

يكون «التفريد» تشريعياً حين يراعي المشرع في إنشاءه للعقوبة تدريجها بحسب ظروف كل مجرم، فيفرض على القاضي تطبيق نص معين عقوبته أشد أو أخف من العقوبة العادية المقررة لنفس الفعل إذا وقع في ظروف معينة أو من جناه محددين.

و مثال ذلك وجوب تشديد العقوبة متى اتصل الفعل الاجرامي بواقعة القوة أو التهديد

(المادة 268 من قانون العقوبات المصري)

2 - التفريد القضائي:

ويمثل أهم مرحلة يمكن أن تتجسد فيها العدالة بين الجناة، إذ ينال كل منهم من العقاب جرعه تتناسب مع دوره في الجريمة وظروفه الخاصة، وتكفي في الوقت ذاته لإصلاحه وتأهيله وهو الذي يتولاه القاضي باختيار العقوبة المناسبة للجاني وتطبيقها عليه في حدود السلطات أو الصلاحيات التي يعترف بها المشرع للقاضي في هذا المجال. ومن صور التفريد القضائي أن يترك المشرع للقاضي سلطة اختيار القدر الملائم من العقوبة بين حديها الأدنى والأقصى، كالاختيار بين الإعدام والسجن المؤبد في الجنايات، أو بين الحبس والغرامة في الجنح؛ أو إمكانية النزول بالعقاب درجة أو درجتين وفقا لما تقتضيه ظروف الجريمة (المادة 17 من قانون العقوبات المصري) أو تخفيفها أو تشديدها باستعمال الظروف المخففة أو المشددة، وصورة ذلك أيضاً الحكم بالعقوبة مع إيقاف تنفيذها أو بنفادها حسب الأحوال.

والتطبيق القضائي للعقوبة هو من جنس التحديد التشريعي لها فهو في الحالين سعى إلى تحقيق الاهداف المرجوة من العقوبة والملائمة بين نوعها ومقدارها وبين الاعتبارات العامة والخاصة التي تحدد جسامة الجريمة وإثم المجرم من جهة أخرى.

فالمشرع يمنح القضاة قدراً من السلطة التقديرية التي يستعملونها وهم بصدد تقدير العقوبة المناسبة للحالة المعروضة عليهم.

ومن أمثلة التفريد القضائي للعقوبة في التشريعات الجنائية:

قيام المشرع بوضع حد أدنى وأقصى للعقوبة يتيح للقاضي ممارسة سلطته التقديرية في اختيار العقوبة المناسبة لكل حالة تعرض عليه فيما بين هذين الحدين.

ترك الحرية للقاضي أن يختار إحدى عقوبتين للجريمة في بعض الاحيان أو أن يجمع بينهم في أحيان أخرى.

الرخصة التي منحها القانون للقاضي والتي تجيز له أن يأمر في حكمة بإيقاف التنفيذ.

نظرية الظروف التقديرية أو القضائية المخففة والتي تسمح للمحكمة بالنزول بالعقوبة درجة أو أكثر عندما ترى أن ظروف الجريمة أو المجرم تستدعى الرأفة به.

وقد قضت المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم 88 – لسنة 36 ق – تاريخ الجلسة 14 / 2 / 2015 “ حيث إنه من المقرر قانوناً أن العقوبة التخييرية، أو استبدال عقوبة أخف أو تدبير احترازي بعقوبة أصلية أشد – عند توافر عذر قانوني جوازي مخفف للعقوبة – أو إجازة استعمال الرأفة في مواد الجنايات بالنزول بعقوبتها درجة واحدة أو درجتين إذا اقتضت أحوال الجريمة ذلك عملاً بنص المادة (17) من قانون العقوبات، أو إيقاف تنفيذ عقوبتي الغرامة أو الحبس الذي لا تزيد مدته على سنة إذا رأت المحكمة من الظروف الشخصية للمحكوم عليه أو الظروف العينية التي لابست الجريمة ما يبعث على الاعتقاد بعدم العودة إلى مخالفة القانون على ما جرى به نص المادة (55) من قانون العقوبات، إنما هي أدوات تشريعية يتساند إليها القاضي – بحسب ظروف كل دعوى – لتطبيق مبدأ تفريد العقوبة، ومن ثم ففي الأحوال التي يمتنع عليه إعمال إحدى هذه الأدوات، فإن الاختصاص المنوط به في تفريد العقوبة يكون قد انتقص منه، بما يفتئت على استقلاله وحريته في تقدير العقوبة، وينطوي على تدخل محظور في شئون العدالة والقضايا.

كما قضت ذات المحكمة في القضية رقم 37 – لسنة 15 ق – تاريخ الجلسة 3 / 8 / 1996 – مكتب فني 8 بأنه “ سواء أكانت العقوبة التي فرضها المشرع ــ وبالنظر إلى أهدافها الاجتماعية ــ غايتها تحقيق ردع خاص ، أم كانت تعبيراً عن مفهوم متطور للجزاء باعتباره عقاباً منصفاً لأشخاص أتوا أفعالاً جرمها المشرع ، فإن تقديرها من خلال تفريدها يتعلق بعوامل موضوعية تتصل بالجريمة في ذاتها ، وبعناصر شخصية تعود إلى مرتكبها ، بما مؤداه قيام علاقة حتمية بين سلطة القاضي في تفريد العقوبة وتناسبها مع الجريمة ، وارتباطهما معاً بمباشرة الوظيفة القضائية اتصالا بجوهر خصائصها . ولا يجوز بالتالي أن يقيد المشرع من نطاق هذه الوظيفة عن طريق التدخل في مكوناتها، تقديراً بأن الجرائم لا تتحد في خطورتها، ولأن المتهمين لا تتجانس خصائص تكوينهم ولا تتحدد بيئتهم، بل يتمايزون على الأخص من حيث تعليمهم وثقافتهم، وقدر ذكائهم واستقلالهم، وتدرج نزعتهم الإجرامية بين لينها أو اعتدالها أو غلوها أو إيغالها

 

3 - التفريد التنفيذي:

يتحقق هذا النوع من التفريد إذا خولت لسلطة التنفيذ الوسائل التي تتمكن بها من جعل كيفية تنفيذ العقوبة ملائمة لظروف كل محكوم عليه، فيسمح لها بتصنيف المحكوم عليهم، وإخضاع كل طائفة لإجراءات تنفيذ تصلح أفرادها، وأعطيت حق العفو عن العقوبة أو تخفيضها، واعترف المشرع لها بالحق في وقف الحكم النافذ، والإفراج عن المحكوم عليهم شرطيا متى كان سلوك المحكوم عليه ينبئ عن عدم العودة إلى طريق الجريمة مرة أخرى.

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق