منظمة التجارة العالمية و الحروب التجارية

الثلاثاء، 15 مايو 2018 06:33 م
منظمة التجارة العالمية و الحروب التجارية
دكتور رشدى عبد القادر يكتب :

منذ إقامة النظام التجاري متعدد الأطراف عام ١٩٤٨ على أنقاض السياسات التجارية الفردية والثنائية التي كانت على راس مقدمات الحرب العالمية الثانية المدمرة، التزمت القوى الاقتصادية الكبرى في العالم وغيرها من الدًول النامية التزاما صارما بقواعد الجات ومبادئها التي عادت على تلك الدول بالتوسع والتقدم الانتاجي والتصديري وتحقيق طفرات متزايدة لإجمالي نواتجها القومية ومستويات الرفاهية المعيشية والاستهلاكية لمواطنيها.

 

ومع إطلاق مشروع مارشال الامريكي عام ١٩٤٩ لتنمية أوربا المدمرة  ودعم مبادرات التكامل الاقتصادي الأوربي في الخمسينات تسارعت معدلات التبادل التجاري ثنائيا واقليميا ودوليا وتزايد الاعتراف والإشادة عالميا ووطنيا بان التجارة الخارجية هي قاطرة التنمية الاقتصادية.

 

ومع بداية الستينات من القرن الماضي بدأت حركات التحرر الوطني التي ساهمت مصر في دعمها وتعزيزها تؤتي ثمارها بتنامي حصول عدد كبير من الدول النامية على اعلان استقلالها وحصولها على عضوية الامم المتحدة.

 

وعلى الرغم من تزايد عدد الدول الأعضاء في الجات وتوسيع اختصاصاتها وعضوياتها في إطار منظمة التجارة العالمية الا ان الالتزام بتحرير التجارة العالمية ظل ركن العماد وقدس الأقداس، وخاصة بعد تأسيس جهاز فُض المنازعات التجاريةDS B ونجاحه في البت بحياد وشفافية فيما يربو على خمسمائة من الشكاوي التجارية المتبادلة. 

 

ومع ذلك فلم تخلوا السنوات  السبعين الماضية من عمر النظام التجاري متعدد الأطراف من تسجيل الخلافات التجارية الثنائية والإقليمية المحدودة، والتي لقبت بالحروب التجارية.  

وقد دارت رحى بعض هذه الحروب لسنوات طويلة مثل حرب الموز التي نشبت بين الاتحاد الأوربي وعدد من الدول اللاتينية استمرت عشرون عاما بالتوازي مع تبادل إقامة تسعة قضايا حولها في جهاز فُض المنازعات التجارية  DS B لحين تسويتها الكاملة وإسقاط جميع قضاياها بالتراضي بين الجانبين في عام ٢٠٠٩. وقس على ذلك  حرب الفراولة - حرب الدواجن - حرب  منتجات الألبان ..... الخ.وقد مرت تلك الحروب الصغيرة مرور الكرام على هامش النظام التجاري متعدد الأطراف ولَم تفل من عضده قيد انملة.

 

وتذكيرا بحكمة ان "معظم النار من مستصغر الشرر" وان "الحروب الكبرى قد تبدأ برصاصة واحدة"، فان مبادرات التلويح  الحالية بزيادة الرسوم الجمركية أو حتى مضاعفة نسبها لا تتعدى ان تكون اضعف الأسلحة تأثيرا على مسارات ومعدلات التبادل التجاري الدولي، بل وأقلها فاعلية ضمن ترسانة الحروب التجارية التي قد ينزلق العالم تدريجيا لحتمية خوضها.

 

حيث ان بنود ومفردات درجات التقييد التجاري واجراءاتها الحمائية تنطوي على ترسانة متنامية التعقيد من الإجراءات والتطبيقات المهولة التي سبق لها تشويه العلاقات التجارية وتقييد المبادلات التجارية المشروعة والمجزية الى الحد الذي أثار النعرات الوطنية المتشددة وانتهت الى جر العالم الى حد الولوج الي هاوية الحروب المدمرة التي أوقفت التبادل التجاري الحر تماما واستبدلته بسعير واتون الصراعات المسلحة الرهيبة.

 

فمن المسلم به ان زيادة الرسوم الجمركية تودي الي تزايد أسعار السلع في الاسواق المستوردة، الامر الذي يؤدي بدوره الي تدني الاستيراد اوالاستهلاك بمعدلات تحكمها مرونة العرض والطلب وامكانات توفير البدائل المحلية للسلع المستوردة. كما تعتبر الزيادة في الرسوم الجمركية أيضا اكثر براءة من غيرها باعتبارها محددة ومعلنة بحيث يمكن تقييمها ومواجهتها سواء من الأوساط التجارية والصناعية أو من السلطات الحكومية المتضررة!

 

بينما تنطوي ترسانة الحروب التجارية المتصاعدة على العديد من الأسلحة الحاسمة التي قد توقف الاستيراد عنوة أو تمنعه كلية مثل الحظر الكامل لسلعة واحدة أو لمجموعة سلعية أو خدمية كاملة بدعوي " الأمن الوطني " ، وهو المصطلح الذي لم تتصدى لتحديه أية هيئة أو منظمة مهما كبر حجمها أو قدراتها،  ولَم يزمع جهاز حل المنازعات التجارية DS B في قبول  تداولها ضمن قضاياه التي تعدت المائة الخامسة حتى تاريخه.

حيث تنطوي ترسانة الدمار التجاري على إجراءات تحجيم التجارة، وذلك بفرض قيود حصصية على السلع أو الخدمات بدعوى التدفق المتزايد والمتسارع للواردات من سلعة واحدة او مجموعة سلعية أو خدمية."   

 

كما قد تلجأ بعض الدول الى فرض رسوم جمركية مغالى فيهاتجاه سلعة محددةبدعوى الدعم أو الاغراق ومطالبة الدول المصدرة لتلكالسلع أو الشركات المسؤولة عن الانتاج والتصدير  برزنامة متناميةمن المستندات والبيانات والميزانيات والحسابات اللازمة لتبرير عدم 

تحميل تلك السلع المقصودة بأية اشكال من الدعم الحكومي المباشر أوغير المباشر، أو للتأكد من عدم وقوع الشركات في مصيدة الاغراق خلال مراحل الانتاج أو التسويق والتصدير.

 

وبينما يقع عبء الاثبات على الحكومات أو الشركات المصدرة، بما يتطلبه ذلك من تكاليف واستشارات قانونية ومحاسبية مضنية، فان إجراءاتقضايا الاغراق وحدها تمتد لفترات طويلة وتوقيتات مرحلية معقدةومتعددة تجعل الحصول على براءة تلك السلع المدانة اذا تحققت في نهاية المطاف ممزوجة بالمرارة، بعد ان تكون صادرات تلك السلعة قد فقدت قدرتها التنافسية التي تدنت لتحملها اعباء ورسوم شبهة الدعم أو الاغراق، في سوق الدولة المستوردة، بينما تحل مكانها في السوق المستوردة منتجات دول اخرى منافسة لَم تثار ضددها أية دعاوى عن دعم أو اغراق. 

 

وهناك أيضا الإجراءات الوقائية التي تسمح بها احكام منظمة التجارة العالمية في حالة ازدياد كثافة الشحنات التجارية المصدرة من احدى الدول الى سوق دولة اخرى، مما يؤهل الدولة المستوردة لاتخاذ الإجراءات الحمائية تجاه تلك المنتجات المستوردة.

 

تنامي وتطور ميادين الحروب التجارية

وكما تنوعت وتعددت مفردات ترسانة الحروب التجارية، بل وكما تنوعت وتصاعدت أسلحة الصراعات العسكرية لتشمل الأسلحة البيولوجية والجرثومية والكيماوية والنووية والروبوتية والمعلوماتية والكهرومغناطيسية، فضلا عن الخدع الأسطورية مثل "حصان طروادة" و"زرقاء اليمامة" !! فقد تعددت وتطورت ميادين الحروب التجارية الحاضرة لتشمل العديد من القطاعات التجارية والصناعية الهامة مثل صناعة السيارات والطائرات وتجارة الحبوب والمشروبات، فضلا عن تصعيدها من مجرد استهداف القطاعات السلعية والصناعيةالمحدودة لتشمل قطاعاتتجارة الخدمات بما في ذلك من خدمات سياحية وتعليمية وعلاجية ومالية ولوجستية، سواء تلك العابرة للحدود أو استثمارات المنشآت الخدمية الاجنبية، اضافة الى تخطي أوهضم حقوق الملكية الفكرية، وتقييد حريات الاستثمار والاندماج والاستحواذ للشركات الأجنبية. كما قد تمتد لخنق أو تقييد المجالات التجارية الحيوية واللوجستية المستحدثة مثل التكاملات الرأسية لسلاسل القيمة المُضافة العالمية، ومكاسب وتيسيرات التجارة الالكترونية واجتهادات الثورة الصناعية الرابعة والذكاء الاصطناعي ...الخ

وللحديث بقية

د/ رشدي عبد القادر

 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق