السنة والشيعة.. قصة الألف عام (1)

الثلاثاء، 22 مايو 2018 06:00 ص
السنة والشيعة.. قصة الألف عام (1)
مصحف فاطمه
كتب -حمدى عبد الرحيم

كانت الأمة الإسلامية تحت قيادة رسولنا الكريم ثم الصديق والفاروق أمة واحدة، ثم جاء عهد الخليفة عثمان بن عفان فظهرت بوادر فرقة، سرعان ما تعاظمت حتى انتهى الأمر إلى مقتل الخليفة، وهى الحادثة الشنيعة المعروفة فى كتب التاريخ بالفتنة الكبرى، فمن يومها توالت الفتن حتى انقسمت الأمة إلى فرق متعددة ومتضاربة ومتناقضة ومتحاربة، وقد خرجت معظم الفرق من عباءة فرقتين كبيرتين هما فرقة أهل السنة والجماعة التى تمثل الأغلبية الكاسحة ثم فرقة الشيعة.
 
هل ما بين الفرقتين من خلافات يسوغ العداء الذى نرى بعض تجلياته.
 
الحقيقة تؤكد أن الخلافات وإن عظمت لا تسوغ العداء، وذلك لأن الفرقتين تؤمنان بالجذور الراسخة، فهما تؤمنان بوحدانية الله وبرسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وتؤمنان بأركان الإسلام الخمسة وتقومان بها. وعلى ماسبق يجوز لنا بدء نقاش هادئ عن الخلافات.
 
أولًا: المصحف الشريف
يؤمن أهل السنة والجماعة وتؤمن الشيعة بأن القرآن هو من عند الله ولا يد لبشر فيه سوى جمعه فى مصحف جامع ولكن حدث أن قام ميرزا حسين بن محمد تقى النورى، وهو من المتأخرين جدًا لأنه ولد فى إيران فى العام ١٨٣٨ نور وتوفى فى النجف بالعراق فى العام 1902.
 
ألفت نظر القارئ الكريم أننى أنقل عن مواقع شيعية لكى لا أقع فى السباب أو التحامل على الرجل.
 
كتب النورى كتابًا حمل عنوان « فَصلُ الخِطابِ فى تَحريفِ كِتابِ رَبِّ الأربابِ».
 
العنوان كما ترى سيئ جدًا، والشيعة أنفسهم قالوا: «يحتوى هذا الكتاب على أمورٍ مثيرةٍ للجدل فى خصوص تحريف القرآن؛ فحرر العلماء والمحققون فى زمان تأليفه وما بعده كتبًا فى الرّد على الكتاب ونقد مؤلفه نافين أى نوع من التحريف فى كتاب الله الكريم؛ ممّا دعا المحدّث النورى أن يبادر إلى كتابة رسالة مفردة ينفى فيها ما أسيء فهمه من كتابه».
 
ثم جاء الآغا بزرك الطهرانى فقال إنه سمع النورى نفسه يقول: «إنى أثبت فى هذا الكتاب أنّ هذا الموجود المجموع بين الدّفتين كذلك باقٍ على ما كان عليه فى أول جمعه كذلك فى عصر عثمان، ولم يطرأ عليه تغيير وتبديل كما وقع على سائر الكتب السماوية، فكان حريًا بأن يُسمّى فصل الخطاب فى عدمِ تحريفِ الكتابِ، فتسميته بهذا الاسم الذى يحمله الناس على خلاف مرادى، خطأ فى التسمية، لكنّى لم أرد ما يحملونه عليه، بل مرادى إسقاط بعض الوحى المنزل الإلهى».
 
الكلام واضح جدًا ويعنى أن النورى قد تراجع عن العنوان وما يحمله من دلالة ومع تراجع النورى وأصل علماء الشيعة نقد الكتاب، حتى تجمع لدى قرابة الأربعين كتابًا قام مؤلفوها بالرد على النورى وتسفيه كتابه، ويهمنى هنا التوقف عند الشيخ جعفر السبحانى الذى قال: «كان محدّثنا النورى مولَعًا بجمع الأخبار وتتبّع الآثار، وله فى ذلك مواقف مشهودة، ومصنّفاته فى هذا الشأن معروفة، غير أنّ شغفه بذلك، ربّما حاد به عن منهج الإتقان فى النقل والتحديث، ممّا أوجب سلبَ الثقة به أحيانًا وفى بعض ما يرويه، ولا سيّما عند أهل التحقيق وأرباب النظر من فقهائنا الأعلام والعلماء العظام.
 
وتساهله هذا فى جمع شوارد الأخبار، قد حطّ من قيمة تتبّعاته الواسعة واضطلاعه بمعرفة أحاديث آل البيت والتى كان مشغوفًا بها طيلة حياته العلميّة.
وقد غرّته ظواهر بعض النقول غير المعتمدة، المأثورة عن طرق الفريقين، مما حسبها تعنى تحريفًا فى كتاب اللّه العزيز الحميد، فكان ذلك مما أثار رغبته فى جمعها وترصيفها، غير مكترث بضعف الأسانيد، أو نكارة المتون، على غِرار أهل الحشو فى الحديث.
 
وهكذا تشبّث محدّثنا النورى بكل حشيش، ونسج منواله نسجَ العنكبوت. 
 
ثم جاء الخمينى نفسه فقال: «الشيخ النورى شخص صالح متتبّع، إلاّ أن اشتياقه بجمع الضعاف والغرائب والعجائب، وما لا يقبله العقل السليم والرأى المستقيم، أكثر من الكلام النافع».
 
وقال محمد جواد البلاغى: «وإنّ صاحب فصل الخطاب من المحدّثين المكثرين المجدّين فى التتبّع للشواذّ».
 
كل ما سبق يؤكد رفض الشيعة للقول بتحريف القرآن الكريم، ولكن تلك القضية المحسومة تفرعت عنها قضية قديمة جدًا، نتناولها الآن.

ثانيا: مصحف فاطمة 
كلمة مصحف عند أهل السنة والجماعة لا تعنى سوى ذلك الكتاب الذى يضم القرآن الكريم، ولذا فعندما يسمع أهل السنة تعبير « مصحف فاطمة» يغضبون أشد الغضب مع معرفتهم أن كلمة مصحف فى اللغة تعنى: «الجامعُ للصُحُفِ المكتوبةِ بين الدفتين» أصل قضية مصحف فاطمة ما رواه محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن أبى عبيدة قال: سئل أبا عبدالله عليه السلام «أبو عبدالله هو الإمام الحسين بن على عليهما الرضوان»: قال: ما مصحف فاطمة عليها السلام؟ قال، فسكت طويلا ثم قال: إنكم لتبحثون عما تريدون وعما لا تريدون إن فاطمة مكثت بعد رسول الله صلى الله عليه وآله خمسة وسبعين يوما وكان دخلها حزن شديد على أبيها وكان جبرئيل عليه السلام يأتيها فيحسن عزاءها على أبيها، ويطيب نفسها، ويخبرها عن أبيها ومكانه، ويخبرها بما يكون بعدها فى ذريتها، وكان على عليه السلام يكتب ذلك، فهذا مصحف فاطمة عليها السلام».
 
كلام الإمام الحسين واضح جدًا وليس فيه شيء يشير إلى أن مصحف فاطمة هو قرآن.
 
وجاء فى كتاب الكافى، وهو عند الشيعة مثل كتاب البخارى عند السنة عن أبى بصير عن أبى عبدالله: قال « وإنّ عندنا لمصحف فاطمة عليها السّلام، قلت: وما مصحف فاطمة عليها السّلام ؟ قال: مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرّات ما فيه من قرآنكم حرف واحد».
 
كلام أئمة الشيعة واضح ويزيده وضوحًا ما رواه إمام أهل السنة البخارى عَنْ أَبِى جُحَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «قُلْتُ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ مِنْ الْوَحْيِ إِلَّا مَا فِى كِتَابِ اللَّهِ قَالَ لَا وَالَّذِى فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ مَا أَعْلَمُهُ إِلَّا فَهْمًا يُعْطِيهِ اللَّهُ رَجُلًا فِى الْقُرْآنِ وَمَا فِى هَذِهِ الصَّحِيفَةِ قُلْتُ وَمَا فِى الصَّحِيفَةِ قَالَ «الْعَقْلُ وَفَكَاكُ الْأَسِيرِ وَأَنْ لَا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِر». 
 
وروى البخارى أيضًا عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَا عِنْدَنَا كِتَابٌ نَقْرَؤُهُ إِلَّا كِتَابُ اللَّهِ غَيْرَ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، قَالَ: فَأَخْرَجَهَا، فَإِذَا فِيهَا أَشْيَاءُ مِنَ الجِرَاحَاتِ وَأَسْنَانِ الإِبِلِ، قَالَ: وَفِيهَا: المَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ، فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا، أَوْ آوَى مُحْدِثًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لاَ يُقْبَلُ مِنْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ صَرْفٌ وَلاَ عَدْلٌ، وَمَنْ وَالَى قَوْمًا بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لاَ يُقْبَلُ مِنْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ صَرْفٌ وَلاَ عَدْلٌ، وَذِمَّةُ المُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ، يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لاَ يُقْبَلُ مِنْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ صَرْفٌ وَلاَ عَدْلٌ». 
 
ويقول السيد مرتضى العسكرى: أقام بعض الكتاب ضجة مفتعلة على أصحاب مدرسة أهل البيت وقالوا بأن لهم قرآنا آخر اسمه «مصحف فاطمة» وذلك لأن كتاب فاطمة سمى بالمصحف، والقرآن أيضا سمى من قبل بعض المسلمين بالمصحف، مع أن الأحاديث تصرح بأن مصحف فاطمة ليس فيه شيء من القرآن، وإنما فيه ما سمعته من أخبار من يحكم الأمة الإسلامية، حتى أن الإمام جعفر الصادق لما ثار محمد وإبراهيم من أبناء الإمام الحسن على أبى جعفر المنصور قال: «ليس فى كتاب أمهم فاطمة اسم هؤلاء فيمن يملك هذه الأمة».

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق