رحلة المصري عمر ناصف في أنقرة.. كيف قصمت سياسة أردوغان ظهر الاقتصاد التركي؟

الأربعاء، 23 مايو 2018 10:57 م
رحلة المصري عمر ناصف في أنقرة.. كيف قصمت سياسة أردوغان ظهر الاقتصاد التركي؟
انهيار الليرة التركية
طلال رسلان

في نهاية عام 2015 وبداية 2016 ضاقت الدنيا ذراعا بالشاب المصري الثلاثيني عمر ناصف «اسم حقيقي وليس مستعارا لرجل أعمال مصري»، بعدما قرر إنهاء أعماله وتصفية شركته الخاصة بمجال النقل السياحي في مدينة شرم الشيخ.

يتذكر ناصف هذه الليلة جيدا بكل تفاصيلها كما يحكي لنا «قررت أبيع كل حاجة بسرعة ما استنتش حتى زي كتير من أصحابي، يمكن نلاقي حل، بعت كل الشركة بخسارة الطاق طاقين، ما فكرتش، ما استنتش، يكمن وقتها لو فكرت كنت هلاقي الحل».

خلال مسيرته في مجال النقل السياحي تعرف ناصف على صديقه محمود الشبراوي، يعمل في المجال نفسه بدولة تركيا كان الوسيط بينه وبين عدد من الشركات هناك، قرر ناصف منذ بداية 2017 الهروب سريعاً إلى السوق التركية عله يجد فيها ما يسد رمق أحلامه بتكوين ثروة سريعة تعوضه عما آلت إليه الأمور «باختصار شديد نقلت كل ما أملك في السياحة التركية، وقتها كانت شغالة، بدأت الأرباح تيجي شوية بشوية، وقتها كمان سوق السياحة المصرية رجع أفضل من الأول بكتير، أصحابي في مصر بدأت الدنيا تشتغل معاهم، صحيح الوضع مش زي الأول لكن على الأقل الدنيا اتحركت كتير».

مطار القاهرة الدولي
مطار القاهرة الدولي
 

لكن تأتي الرياح بما لا يشتهي ناصف دائما، مع بداية 2018 كشفت بيانات مروعة نُشرت أن العجز التجاري في تركيا مع بقية دول العالم (حجم الفارق بين الواردات والصادرات) تضاعف إلى المثلين تقريبا في شهر يناير مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي ليسجل 9 مليارات دولار.

دفعت هذه الأرقام مؤسسة "آسيا أنهيدجد" المتخصصة في تحليل اتجاهات السوق والاقتصاد بصفة عامة، للتحذير من أن الوضع أصبح خارج السيطرة وللتساؤل عن سبب عدم انخفاض قيمة الليرة بعد حتى الآن.

العجز في الاقتصاد التركي
العجز في الاقتصاد التركي

وزاد أردوغان الطين بلة عبر محاولته إعادة تنشيط الاقتصاد من خلال التخفيضات الضريبية وتقديم قروض بأسعار فائدة منخفضة ليساهم في تزايد الخلل في الميزان التجاري التركي، وهو ما يشكل السبب الرئيسي في اتساع عجز الحساب الجاري وتحول السوق التركي إلى ثقب أسود يبتلع كل ما يأتيه من السلع ومواد الإنتاج المستوردة.

ولتجنب الاضطرار إلى إصلاح مفاجئ لليرة وما قد يترتب على ذلك من ركود اقتصادي، يتعين سد العجز في الحساب الجاري عبر تدفقات من رؤوس الأموال الأجنبية.

يأتي كل هذا في الوقت الذي يسعى فيه أردوغان إلى الفوز في الانتخابات الرئاسية المقبلة لحسم التحول إلى النظام الرئاسي الكامل بعد أن وافقت عليه أغلبية المصوتين في استفتاء عام شهد الكثير من الجدل العام الماضي.

انهيار الليرة التركية أمام الدولار منذ بداية 2018
انهيار الليرة التركية أمام الدولار منذ بداية 2018

ناقوس خطر بشأن اقتراب الاقتصاد التركي من نقطة الانهيار، أو بعبارة أخرى، اتجاهه إلى ما يصفه الخبراء الاقتصاديون بـ"فرط النشاط الاقتصادي"، خاصة وأن تركيا تعتمد بشكل كبير الآن - في ظل استمرار معدلات الاستثمارات الأجنبية المباشرة في الانخفاض - على التدفقات الأجنبية قصيرة الأجل الداخلة كاستثمارات على هيئة مشتريات للأسهم والسندات، وذلك بهدف الحفاظ على معدلات النمو ومنع انهيار قيمة الليرة.


وأدت أزمة سياسية مع الولايات المتحدة إلى تراجع حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة القادمة عبر المحيط الأطلسي إلى 171 مليون دولار في عام 2017، مقارنة بـ 338 مليون دولار قبلها بعام. وقد وصلت الاستثمارات الأميركية في تركيا إلى أعلى مستوياتها في عام 2007 إذ بلغت قيمتها آنذاك 4.2 مليار دولار.

وجعل ذلك من أوروبا المصدر الرئيسي للتدفقات النقدية التي يحتاج إليها الاقتصاد التركي بشدة للبقاء صامدا، حيث ضخت القارة العجوز 5 مليارات دولار في الاقتصاد التركي على مدار العام الماضي فقط، أي أكثر من ثلثي إجمالي التدفقات الداخلة التي توقفت عند 7.4 مليار دولار.
 

«أنا مش بفهم في الاقتصاد كويس، لكن وضع السياحة التركية على أرض الواقع لا يسر عدو ولا حبيب، مفيش سياحة، مفيش شغل، مفيش عملة صعبة، كل حاجة بقت أسوأ ما يمكن، كنا فاكرين تركيا الفرخة اللي هتبيض بيضة دهب، اعتمادنا الأساسي في السياحة كان العرب والخليج ودلوقتي مفيش أي حاجة، التفكير دلوقتي فعليا الرجوع لبلدي تاني سريعا قبل الانهيار»... كما لخص الشاب ناصف ما وصلت إليه الأمور في تركيا.

في غضون ذلك، فإن تطور العلاقات مؤخرا بين أنقرة وأقرب حلفائها روسيا وقطر لم يسفر عن أي مردود ملموس يمكن أن يساعد الحكومة على معالجة نقاط الضعف الرئيسية في الاقتصاد المحلي، فمعظم المشروعات الضخمة التي تنفذها تركيا في كلا البلدين ينحصر في صناعة البناء والتشييد، وأغلب المواد المستخدمة في هذه المشاريع متوفرة محليا.

وبحسب بيانات البنك المركزي حول عجز الحساب الجاري، فإن الشركات الروسية استثمرت ما يصل مجموعه إلى 4 ملايين دولار فقط في تركيا العام الماضي، بواقع مليوني دولار في أكتوبر ومليوني دولار في نوفمبر.

كما انخفضت تدفقات الاستثمارات القطرية من 420 مليون دولار في عام 2016 إلى 100 مليون دولار فقط في عام 2017، وهو مبلغ لا يتخطى نسبة 0.055 في المئة من الاستثمارات الآتية من هولندا، وهي أكبر بلد يساهم في الحد من العجز التجاري في تركيا برأس مال بلغ 1.8 مليار دولار، أما إسبانيا فاستثمرت في تركيا 1.45 مليار دولار، وهو مبلغ يعود معظمه إلى صفقة أبرمها بنك (بي.بي.في.إيه) لزيادة حصته في بنك الضمان التركي، أحد كبار البنوك التركية في مجال الإقراض 

كما أن مشاعر الحب الواضحة التي يكنها أردوغان لأفريقيا لم تحقق سوى عائد ضئيل من حيث التبادل التجاري، فتركيا سجلت فائضا هامشيا للغاية مع القارة في يناير الماضي. وفضلا عن ذلك، بلغت الاستثمارات الأفريقية في تركيا 43 مليون دولار في عام 2017، من بينهم 41 مليون دولار من موريشيوس. أما المبلغ المتبقي وقدره مليونا دولار فقد استثمرته شركات من مصر التي قطع أردوغان علاقاته الدبلوماسية معها منذ 2013 بعدما تمت الإطاحة بمحمد مرسي المنتمي لجماعة الإخوان من منصب الرئيس.

ولا يساهم أردوغان كذلك في تلطيف الأجواء مع جيران تركيا نفسها فتجده يتعمد استفزاز اليونان، تارة من خلال إثارة النزاع على الحقوق الإقليمية للجزر في بحر إيجة، وتارة أخرى عبر المطالبة بحصة من اكتشافات الغاز قبالة شواطئ قبرص المقسمة على أساس عرقي.

وفي ديسمبر الماضي، وتحديدا عشية زيارة لأثينا كانت وسائل الإعلام التركية تصفها بأنها علامة فارقة في العلاقات بين البلدين، أثار أردوغان لأسباب يتعذر تفسيرها مسألة إعادة ترسيم الحدود في بحر إيجة التي كانت رسمتها معاهدات تعود إلى فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى.

بعد أن جاء رد أثينا سريعا بالرفض، تصاعدت التوترات العسكرية في المياه المتنازع عليها قبالة الساحل الغربي لتركيا، حيث اصطدم زورق دورية تركي بسفينة تابعة لخفر السواحل اليوناني في 12 فبراير بعدما أحاطت سفن من كلا الجانبين بمجموعة الجزر المتنازع عليها. وفي الأسبوع الماضي، اعتقلت تركيا جنديين يونانيين ضلا طريقهما بالقرب من حدودها الشمالية الغربية واتهمتهما بالتجسس.

بطبيعة الحال، لم تضخ اليونان التي لا تزال تعاني من ضائقة اقتصادية، أي استثمارات في تركيا العام الماضي. لكن لم يمض وقت طويل منذ أن كانت الشركات اليونانية تصب رؤوس أموالها في تركيا حتى وصلت الاستثمارات اليونانية في عام 2007 إلى 2.4 مليار دولار.

ومع منع تركيا لقبرص الدولة العضو في الاتحاد الأوروبي من التنقيب عن الغاز في البحر المتوسط، تثبت التوترات السياسية مع أثينا أن لها عواقب أوسع على العلاقات التركية مع أوروبا، وبالتالي على نظرة رجال الأعمال في أوروبا لتركيا. ولا شيء من هذا يشكل خبرا سارا بالنسبة للاقتصاد التركي.

والأرقام لا تكذب، فالعجز التجاري في تركيا وصل الآن إلى 12.5٪ من الناتج المحلي الإجمالي، بينما سجل الاقتصاد معدل نمو سنوي بلغ أكثر من 11 في المئة في الربع الثالث بفضل التدابير التحفيزية التي اتخذها أردوغان مثل رفع أسعار الفائدة، وفي ظل غياب الإرادة السياسية لاتخاذ خطوات لإبطاء الاقتصاد قليلا، يبدو الوضع في غاية الخطورة.

وكما أشارت مؤسسة "آسيا أنهيدجد"، فإن العجز التجاري اليوناني وصل إلى 8 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي قبل انهيار البلاد تماما في عام 2009. وفي حين يبقى الاقتصاد التركي أقوى بحكم طبيعته من نظيره اليوناني قبل عقد من الزمان، يحتاج أردوغان لاتخاذ خطوات جادة لإعادة العلاقات مع أوروبا إلى مسارها الصحيح وإصلاح صورة البلاد في دول القارة. لكن يظل من غير المحتمل حدوث طفرة كبيرة في الاستثمارات ما لم تتحسن العلاقات بشكل ملحوظ وسريع، وهو ما يتطلب من أردوغان اتخاذ إجراءات عاجلة تهدف إلى وضع حد لانزلاق تركيا إلى الحكم الاستبدادي، ومن بينها إنهاء حالة الطوارئ، وهو أمر لا يرغب في القيام به.

ومن المتوقع أن يزداد المأزق التركي سوءا مع اقتراب مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي والمصرف المركزي الأوروبي من الكشف عن إجراءات لتعزيز برنامج التحفيز المالي. ومن المقرر أن تسفر هذه الإجراءات، التي من المقرر أن تخرج إلى النور هذا العام، عن سحب مبالغ كبيرة من رؤوس الأموال المستثمرة في الأسهم والسندات في الأسواق الناشئة وضخها في الأسواق الأميركية والأوروبية.

الدكتور كرم سعيد، الخبير فى الشأن التركى بمركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية، قال إن الأزمة الاقتصادية الحادة التى تشهدها تركيا ليست وليدة اليوم، فمنذ الانقلاب العسكرى الفاشل فى 2016 والاقتصاد يعانى من هزات ضخمة، ما ترتب عليه انسحاب 60% من الاستثمارات الأوربية وإغلاق هولندا لعدد كبير من مصانعها هناك وهى المستثمر الرئيسى فى تركيا.

وأشار الخبير فى الشأن التركى أن التوسع التركى فى العمليات العسكرية بشمال سوريا انعكس سلبا على الاقتصاد التركى، فمعدلات الانفاق فى عمليات درع الفرات وغصن الزيتون ارتفعت مئات المرات وليس عشرات المرات عن مستواها الطبيعى.

العديد من الأسر التركية تعانى من انهيار الاقتصاد


وأكد كرم سعيد أن تركيا تركيا فقدت جزءا كبير من أسواق حيوية فى منطقة الخليج، بعد انحيازها إلى قطر فى الأزمة بين دول المقاطعة، كما أن هناك توتر كبير مع الولايات المتحدة الأمريكية بسبب فضيحة التحايل على العقوبات المفروضة على إيران عبر عدد من النافذين فى النظام التركى، الذين اسسوا شبكة معقدة للتحايل على هذه العقوبات، ومطالبة عدد من أعضاء الكونجرس الأمريكى بفرض عقوبات على تركيا.

لكن الضربة القاضية بحسب ما ذكره الخبير بالشأن التركى كان ما فعله أردوغان بالتدخل فى السياسات النقدية، وإصراره على التلاعب بأسعار الفائدة على عكس قواعد الاقتصاد، وانفراده بالقرار والتدخل فى الاقتصاد وهو ما كان سببا مباشرا فى تحذيرات من وكالات التصنيف الائتمانى العالمية مثل مودز وستاندرز طوال الشهور التى خلت حذرت من تباطؤ الاقتصاد، وتعرضه لأزمة وقراءتها.

 

 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق