علوم مسرح الجريمة.. تاريخ اللجوء إلى «بصمة الأصابع» للكشف عن الجرائم

الخميس، 24 مايو 2018 04:00 م
علوم مسرح الجريمة.. تاريخ اللجوء إلى «بصمة الأصابع» للكشف عن الجرائم
بصمة الأصابع
علاء رضوان

الإنسان عرف الجريمة منذ فجر البشرية منذ «قابيل» و «هابيل»، حيث وقعت أول جريمة قتل في التاريخ الإنساني، وكلما تعددت وسائل وأساليب الجرائم، كلما تطورت وسائل الكشف عنها، لهذا تعتبر علوم الأدلة الطبية الجنائية محصلة هذه الجرائم تتطور معها في طرق الكشف عنها والوقاية منها والبحث وراء الحقيقة وتعقب المجرمين.

ولقد ترك إنسان ماقبل التاريخ شواهد علي بصمات الأصابع في رسوماته ومنحوتاته فوق جدران الصخور والكهوف، وكان قدماء المصريين والبابليين لديهم معرفة بالتشريح العملي لجسم الإنسان، وعرف الإغريق القدماء أنواع السموم، وصنفوه السموم معدنية كالزرنيخ والزئبق والنحاس «جنزار»، وسموم نباتيه كناباتات ست الحسن والأفيون والشوكران وبصل العنصل والداتوره.  

وفي عام 44 ق. م. كشف الطبيب الروماني أنستاسيوس علي جثة يوليوس قيصر بعد مصرعه، فوجد بها 23 جرحا من بينهم جرح واحد غائر في الصدر أدي لمقتله، وكلما استحدثت وتنوعت وسائل الجريمة. كلما تطور علم الأدلة الجنائية.. «صوت الأمة» رصدت في التقرير التالي  البصمات  المختلفة مثل: بصمات الأصابع التى تخص الإنسان و تميز شخص عن آخر.  

وفى هذا الشأن، يقول لواء كيميائى محمود الحارث الباسوسى، خبير فحص التزييف والتزوير والبصمات بمصلحة الأدلة الجنائيةـ سابقآ، أنه توجد البصمـات على جلد أصابع يدي وكفي كل إنسـان و على أصابع و باطن القدمين و تظهر على شكل خطوط بارزة تحاذيها خطوط أخرى منخفضة، وتتخذ أشكال مختلفة و تعاريج متعددة، وتتكون في الجنين في الشهر الرابع من الحمل ولا يطرأ عليها أي تغيير بعد الولادة، و تبقى مدى الحياة حتى بعد الوفـاة إلى أن تتحلل الجثة، ولقد شوهدت بصمات أصابع واضحة في مومياء مصرية قديمة وفي أجسام قردة محنطة.

«الباسوسى» فى تصريح لـ «صوت الأمة» أن البصمة تترك أثر لها عند التلامس بالأشياء  نتيجة لما تفرزه الغدد العرقية الموجودة تحت جلد الأصابع والكفين من العرق، والذي تزيد كميته نتيجة الانفعال النفسي وهو أكثر ما يكون لدى مرتكب الجريمة فبمجرد وضعه لإصبعه على سطح ما فإنه يترك أثر تلك التشكيلة الهندسية، و لقد استفاد الباحث الجنائي من هذه الظاهرة في التعرف على مرتكبي الجرائم عن طريق آثار بصماتهم التي يتركونها في أماكن الحوادث و سنتعرف على المعنى الحقيقي للبصمات ومكوناتها، أنواعها وأول من اكتشفها في ما يلي:

التطور التاريخي للبصمات

إن استخدام البصمات لتحديد الهوية بدأ منذ نحو ألفي عام في الصين إلا أن دراستها على أسس علمية لم تبدأ إلا قبل مائتي عام تقريبا، والجدير بالذكر أن العرب كذلك اهتموا ببصمات الأقدام، فقديما كانوا يقتفون آثار الإبل و المواشي المسروقة، وآثار أقدام الأشخاص، و خبرتهم في ذلك أفادتهم في التعرف على جنس صاحب الأثر وكذا طوله أو قصره، وإن كان يحمل شيئا على كاهله.  

وقد توالت الكتابات عن البصمات حيث وصف الطبيب البريطاني «نهيما جرو» عام1684م جلد اليدين والقدمين وبين أهمية البصمة، وفي عام1788م كتب عنها العالم الألماني «ماير»  وتوصل إلى أن ترتيب الخطـوط الموجـودة فوق جلد اليدين والقدمين تختلف من شخص لآخر ولا تتطابق، وفي عام 1856م أضاف «هرمـان ويلكـر» أن هذه الخطوط لا تتغير منذ الولادة حتى الوفاة.  

أما عن التطبيق العلمي للبصمات، فقد قام به رسميا كل من العالم الألماني «وليام هرتشل» وعالم التشريح التشيكي «بركنجي» حيث اكتشف حقيقة البصمات حيث وجد أن أشكال الخطوط الدقيقة في رؤوس الأصابـع «البنــان» تختلف من شخص لآخر، وفي عام 1858م أي بعد 35 عام أوضح «وليام هرتشل» اختلاف البصمات باختلاف أصحابهـا ما جعلها منذ ذلك الوقت دليلا مميزا لكل شخص، و في عام 1877م اخترع الدكتور«هنري فولدز» طريقة وضع البصمة على الورق باستخدام حبر المطابع وفي عام 1888 أثبت الدكتور «فرانسيس جالتون» أن صورة البصمة لأي إصبع تعيش مع صاحبها طوال حياته فلا تتغير رغم كل الطوارئ التي قد تصيبه، و ألف كتابا عن البصمة شرح فيه الطريقة العملية التى إبتدعها لتصنيف و حفظ البصمات.  

و فى عام 1888 أقر المجمع العلمى بلندن ما وضعه الدكتور«فرانسيس جالتون» من قواعد إعتمدت على تقسيم البصمات إلى أربعة فصائل هى: 

1-المنحدر الأيمن.   

2-المنحدر الأيسر.

3-المستديرات.  

4-المقوسات.

 و أكد أن هذه البصمات تظهر على أصابع الجنين وهو في بطن أمه عندما يكون عمره بين 100و120 يوما.

وأوضح «الباسوسى» أن العلماء وجدوا مومياء مصرية محنطة احتفظت ببصماتها واضحة جلية، و في عام 1893  أسس المفوض اسكتلنديارد «إدوارد هنري»  نظاما سهلا لتصنيف وتجميع البصمات وأثبت أنه يمكن تصنيفها إلى أنواع و أعتبر أن بصمات أصابع اليدين 10 هي وحدة كاملة في تصنيف هوية الشخص وفي نفس العام أدخلت البصمات كدليل قوي في دوائر الشرطة.

 أما «ألفونس برتيون» الذي يشغل منصب مكتب تحقيق الشخصية القضائي في باريس إخترع طريقـة قيـاس الإنسان بكل أعضاء جسمه و خاصة الوجه واستطاع أن يقدم دليل البصمـة للقاضـي في 24 أكتوبـر1902م، الذي دفع بالمجرم إلى الاعتراف بفعلته.  

وبالنسبة للبصمات عند العرب، قال «الباسوسى» أنه لا يوجد إلى الآن من أبدع في موضوع البصمة بالرغم  من ذكرها في القرآن الكريم، فاكتفوا فقط بتفسير وشرح النظريات التي توصل إليها العلماء الغربيين، وفي قوله سبحانه وتعالى في الآية الكريمة: «أيحسب الإنسان ألّن نجمع عظامه، بلى قادرين على أن نسوى بنانه»، وقد فسر ابن منظور في لسان العرب «البنان» بأنها بصمة الإصبع وقال: هي أطراف الأصـابع مـن اليدين والرجلين (البنان الإصبع كلها وتقال للعقلة من الإصبع) وتعني الآيتين الكريمتين أن الله قادر على جمع العظام، بل و قادر على أن يعيد أطراف أصابع الإنسان التي هي أصغر أعضائه و أدقها أجزاء وألطفها التئاما، وذكرها الله تعالى لما فيها من غرابة الوضع ودقة الصنع، وأن الخطوط الدقيـقة لا تماثلها خطوط أخرى في أصابع شخص آخر على وجه الأرض.  

وبعد هذه الدراسات والتحليلات باتت البصمة علما قائما بذاته ووقف العلماء أمام حقيقة علمية و رؤوسهم منحنية و لسان حالهم يقول: لا أحد قادر على التسوية بين البصمات المنتشرة على كامل الكرة الأرضية ولو بين شخصين فقـط وهذا ما حدا بالشرطة البريطانية إلى استعمالها كدليل قاطع للتعرف على الأشخاص ولا تزال إلى اليوم أقوى سلاح  يشهر في وجه المجرمين، وإذا ما تتبعنا التاريخ الرسمي لتبني بعض الدول علم البصمات كشاهد ثابت يقيني في كشف شخصية الإنسان يكون الترتيب كالآتي: الأرجنتين1891م ثم انجلترا 1901 م ثم تركيا 1902م، و أخيرا سوريا عام 1928م.

مميزات بصمة الإصبع

لقد أكدت البحوث العلمية أن لها ميزتان وهما..

- عدم قابليتها للتغيير:

ثبت علميا أن البصمة ثابتة مدى الحياة فهي تبقى حتى بعد الوفاة إلى غاية اضمحلال الجسم، لكن قد يطرأ عليها ما يؤدي إلى تشويهها أو إضافة علامات مميزة لها وغالبا ما يعرف سبب التشويه من شكل الخطوط نفسها فمهما بلغ الإتقان في إخفاء البصمة يمكن التعرف عليها.

فالجروح، الحروق والأعمال اليدوية تعمل على تشويه البصمة لكن إذا كانت سطحية فهي لا تؤثر في الغدد العرقية وبالتالي تعود إلى ما كانت عليه بعد زوال المسبب كالتوقف عن الأعمال اليدوية، أما إذا كانت عميقة كالأمراض الجلدية فإنهـا تسبب تشويه دائم، وكل هذه المــسببات تشكل علامــة إضافيــة للشــخص في البصمـة وتفيد في التــعرف على صاحبها بدقـة.  

و الجدير بالذكر أن الكثير من المجرمين حاولوا تضليل المحققين بشأن بصماتهم المتروكة في محال الحوادث وذلـك لإبعاد الشبهة عنهم: كمسح بصماتهم، لبــس قفــازات أثناء ارتكابهم للحادث ويمكن للمجرم حمل بصمة لشخص لا صلة له بمسرح إلى محل الحادث بشكل يوحي أن صاحب البصمة كان موجودا في مكان الحــادث وتوصـلت حيلهم إلى نزع طبقة الجلد العليا للإصبع و زرع جلد من منطقة أخرى في الجسم في مكـان الجلد المنزوع لكن جهودهم باءت بالفشل فقــد فوجؤوا بنمو الجلد حاملا نفس الخطوط والتعرجات التي كانت سابقا في جلد أصابعهم قبل نزعها.

- الميزة الثانية: عدم إمكانية وجود بصمتين متماثلتين لشخصين: أي أن لكل فرد خطوط خاصة به ولا تطابق خطوط أي شخص آخر على الإطلاق، بل أنه تبين عدم تأثر بصمات الأصابع بعوامل الوراثة حتى في حالات التوائم التي تنتمي لبويضة واحدة.

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق