من دفتر المستشار محمد سعيد العشماوي.. هكذا تكن أخلاقيات القاضي

الأحد، 27 مايو 2018 01:00 ص
من دفتر المستشار محمد سعيد العشماوي.. هكذا تكن أخلاقيات القاضي
المستشار محمد سعيد العشماوي
هبة جعفر

 
شهدت الآونة الأخيرة حدوث الكثير من التجاوزات التي لا تليق بقيمة القاضي في المجتمع بعضها تتعلق بأفعال مسليكة من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، ووضع تعليقات لا تتناسب مع القيمة التي يجب أن يتمتع بها القاضي، واتهامهم في قضايا الرشوة والاتجار بالمخدرات والأعمال المنافية للآداب، وكذلك أفعال تتعلق بالمهنية الأمر الذي يشوب الأحكام القضائية التي تصدر عنهم، وقد حدد القضاة الأوائل مجموعة من الأسس والأخلاقيات التي يجب أن تتوافر بالقاضي فنجد أن المستشار محمد سعيد العشماوي رئاسة محكمة استئناف القاهرة ورئاسة محكمة الجنايات ومحكمة أمن الدولة العليا والذي وواجه الإسلاميين المتشددين فى مصر بكتاباته من خلال أكثر من 30 كتاباً ألّفها وتُرجمت إلى الإنجليزية والفرنسية يضع مجموعة من الأخلاقيات للقاضي في كتابه «ديوان الأخلاق».
 
فور تخرجي في كلية الحقوق، وبعد أشهر مضت في استيفاء مسّوغات التعيين، والكشف الطبي، وإجراء التحريات، تم تعييني مساعداً للنيابة العامة بمدينة الإسكندرية، وعند حلف اليمين أمام وزير العدل وبحضور النائب العام، وُجّهت إلينا نصائح مسلكية، نعمل بموجبها، ونلتزم بها في حياتنا من ذلك أن نعتزل الناس ما أمكن، حتى الأقارب والمعارف، خاصة من تكون له مصالح يسعى لقضائها – كما هو المألوف فى بلادنا – من خلال الصلات الشخصية والعلاقات العامة، ولو كان فيما يفعل مخالفاً للقانون مقترفاً لاثم، وألا نتناول طعاماً في أماكن الإدارة، وبيوت العمد، على من يعمل في الأرياف أن يعد حقيبة من الخيزران يضع فيها ما يقضى به على الجوع، إن طال مجلس التحقيق، أو أن يظل على خلو بطنه إلا من الماء حتى يترك المكان ويعود إلى داره، وألا يتعامل بالتقسيط إطلاقا، بل عليه أن يدفع ثمن ما يأخذ فوراً، فإن كان الشيء فوق طاقته المالية فليعزف عن شرائه حتى يقتدر. 
 
 وأضاف العشماوي، عندما تسلمت العمل في الإسكندرية، كان لابد أن التقى برئيس نيابة الإسكندرية، فاستقبلني بطريقة مذهبة وجيدة ولم أشعر بتدرج رئاسي، أو بتسلط إداري مع الأيام، فتعلمنا مسائل عدة أهمها مسائل أربع: 
 
أ- أن يعتاد وكيل النيابة المحقق على أن يكون رئيساً لمجلس التحقيق، بهيبة العدالة ورهبة الحق، لا بالادعاء المزيف أو الانتفاخ الكاذب، فيكون كل من فى مجلس التحقيق من رجال الشرطة والمحامين في وضع يلحظون فيه ذلك ويتبعونه في تصرفاتهم. 
 
ب- أن يكون وكيل النيابة محايداً في التحقيق، لا إلى هذا الجانب ولا إلى ذلك، فالتحقيق غير جمع الأدلة، تـُجمع الأدلة بواسطة رجال الشرطة، أما التحقيق فهو يمحصها، تقوية أو تفنيداً، لكن التحقيق لا يكون أبداً لجمع الأدلة ضد المتهم، حتى لا ينحرف وكيل النيابة المحقق إلى ما يكون أصلاً من عمل ضباط الشرطة. 
 
ج- أن يكون عفاً مهذباً، في جميع تصرفاته، وفيما يصدر عنه من أسئلة، وخاصة في قضايا الآداب "هتك العرض أو الدعارة وما شابه" فتكون أسئلته عامة ويترك بيان التفاصيل للمجني عليه، لكنه يوجهه ولا ينطق أو يكتب كلمة نابية. 
 
د- أن وكيل النيابة عضو من أعضاء هيئة ضخمة هي النيابة العامة، التي تنوب عن المجتمع في التحقيق ومباشرة الدعاوى الجنائية، ومن ثم فإنه حين يحقق أو يحرر قرار الاتهام يصدّره بكلمة ( نحن ) ثم يكتب اسمه، وهذا الجمع فى التعبير لا يقصد تضخيم ذاته، بل يرمى إلى التأكيد على أنه يتصرف باسم جماعة أو هيئة.
 
وأوضح العشماوي مرت الأيام حتى بلغت السن اللازمة للتعيين في القضاء، فعـُينت قاضياً ومن القضاء تعلمت أشياء كثيرة، مهمة للغاية، أبرزها ما يلي:
 
أولاً: أن القاضي رئيس الجلسة التي تنعقد فى علنية، إلا ما يقتضى القانون أو ترى المحكمة أن تنظره في جلسة غير علنية ( سرية ) لدواعي النظام العام أو لحسن الآداب ( مثل قضايا هتك العرض والدعارة وما شابه).
 
ورئاسة القاضي للجلسات رئاسة تكليف، بينما رئاسة وكيل النيابة لمجلس التحقيق هى رئاسة تشريف و يعنى ذلك أن وكيل النيابة المحقق يرأس جلسة التحقيق بحكم ، لكنه يستطيع التدخين أو شرب القهوة أو الشاي، أو يسمح لغيره بذلك، كما أنه يستطيع المحادثة تليفونياً لضرورات العمل، كأن يتصل برئيس النيابة، أو برجل الشرطة أو بالطبيب الشرعي، وهكذا.
 
أما القاضي فرئاسته للجلسة هي رياسة تكليف، ذلك أن القانون ينص على أن تكون إدارة الجلسة وضبطها منوط بالرئيس، وهو القاضي وحده، أو رئيس المحكمة إن كانت دائرة ثلاثية أو دائرة خماسية.
 
والقاضي لا يدخل قاعة الجلسة إلا بعد أن يطفئ المدخنون سجائرهم وينهى من يشرب قهوة أو ماء غازياً أو عادياً شربه، وعندما يصيح الحاجب قائلاً: محكمة، يقف كل من فى الجلسة، مهما كان وضعه أو عمره، احتراما للعدالة، ولا يجلسون إلا بعد أن يجلس القاضي أو تجلس المحكمة، ثلاثية التكوين كانت أم خماسية.
 
والقاضي يتصرف كما لو كان في معبد، فلا لغو ولا صياح، ولا طعام ولا شراب، ولا مضغ ولا تدخين، له أو لغيره. كما أنه لا بد أن يضع في تقديره أنه كمن يجلس فى غرفة من زجاج، فالجميع يراقـب كل حركة له أو لفتة، ويؤول كل كلمة له أو سؤال، وقد يكون التأويل صحيحاً أو مخطئاً، ولكنه لا ينبغي أن يدع للتأويل أو التفسير المخطئ سبباً وجيهاً.
 
والقاضي في الجلسة، لا ينطق باسمه أبداً، ولا يتكلم بضمير المخاطب ( أنا، لكنه يقول دائماً: المحكمة رأت كذا، المحكمة قررت كذا، المحكمة سألت المتهم، حكمت المحكمة بكذا ). وهكذا دواليك،فالذي يتصرف ويقرر ويقدّر ويحكم إنما هي المحكمة وليس شخص القاضي.
 
ثانياً: المقصود  من ذلك أن يترسخ في مفهوم الحضور في الجلسة، على مدى الأيام، أن القاضي ليس شخصاً لكنه هيئة، وهو بمقامه كرئيس للجلسة، أرفع من أى مقام، وأسمى من أي رتبة، فهو لا يُحيّى ولا يُحّيا، ولو دخل عليه والده أو رئيس الدولة أو وزير في الوزارة، فهو لا يقوم له ولا يحييه ولا يرد تحيته، لان مقام القضاء أعلى من أى مقام.
 
ثالثاً: ومقام المحكمة أعلى من أي خصومة، أو انحياز، أو رغبة فلابد أن يمتلئ يقين الناس دوْماً بعدالته ونزاهته وحسن تقديره، ثم يتسامع الناس بذلك، فتكون سمعته سبباً في اطمئنان الخصوم له، خاصة وأنهم لا يقرؤون الأسباب التي يكتبها في كل حكم.
 
وإذا ما وقعت جريمة في الجلسة، ولو كانت إهانة المحكمة بالفـعل أو القول أو الإشارة، فإن القاضي يوجـه تهمة إهانة هيئة المحكمة إلى المتهم ويسمع دفاعه ثم يقضى في الاتهام، وهو بذلك يجمع بين يديه سلطتي الاتهام والحكم، لكنه إذا ما حكم بإدانة خصْم في قضية، فإن حكمة في جريمة إهانة هيئة المحكمة، لا يمنعه ولا يحجبه عن الفصل في الدعوى الأصلية، أي أن الحكم لا يجعله غير صالح للنظر في الدعوى الأصلية، لأن الحكم في جريمة إهانة هيئة المحكمة لا يجعل من القاضي خصماً لمن حكم عليه، ذلك بأن المحكمة أسمى وأرفع من أن تـُهان ، أو تأخذ الأمور على محمل شخصي، ولذلك يظل القاضي صالحاً للحكم في الدعوى التي قضى فيها ضد أحد الخصوم، لإهانته هيئة المحكمة، لأنه كان بذلك يقيم النظام وينشر العدل ولم يكن يصدر عن ضغينة شخصية.
 
رابعاً: والقاضي لا يستمع ولا يتتبع ما يقوله الناس أو ما يشاع في المجتمع عن واقعة يقضى فيها، ذلك أنه مقيد بأن يحكم على مقتضى ما في ملف الدعوى من أوراق، أو ما يبديه الدفاع في مرافعته، لكنه لا يمكن أن يبنى عقيدته على الشائعات المطلقة أو الأقوال السائبة، خاصة فيما يسمى بقضايا الرأي العام، التي يحكم فيها الناس بغير علم، ويدينون دون دراية ؛ ويستثنى من ذلك العلم العام بالحروب أو الكوارث أو ماشابه.
 
خامساً: وعلى القاضي أن يتجسد بالعدالة وهى تعصب عينيها وترفع بالميزان مضبوطاً، فلا ترى شخوص الخصوم أو مراكزهم أو وظائفهم ؛ ولا تجنح تحت ضغوط المجاملة أو تجمح لإرضاء سلطة أو جماعة أو هيئة.
 
سادساً: يلتزم القاضي في تصرفاته بالجلسة ومع المتهمين والشهود والمحامين، بمبادئ أخلاقية يتشبع بها حتى تصدر عنه طلقةً بغير جهد.. فهو إن دان متهمة في قضية دعارة لا يقول لها " يا عاهر " وإن قضى على مذنب فى جريمة قتل لا يقول له "يا قاتل ".. وهكذا، حتى لا يرتكب جنحة سب فى حق متهمين أو جناةً. كذلك فإنه حين يكتب الأسباب ( الحيثيات ) لا يقول فيها مثلاً إن الجانى قاتل سافل ومجرم خطير ولا يقول إن المتهمة عاهر داعر.... وهكذا، إنما يكتفى بأن يكتب أنه قد ثبت للمحكمة أن المتهم ارتكب الجريمة المنصوص عليها فى المواد كذا من قانون العقوبات، بما يقتضى توقيع عقوبتها عليه.
 
سابعاً: والقاضي لا يبرم أمراً أو يصدر قراراً أو يقضى بحكم فى أى دعوى إلا بعد أن يقرأ جميع الأوراق، ورقة ورقة، ثم يكتب للحكم، ولبعض الأوامر والقرارات أسباباً ( حيثيات ) تشرح لـم صدر الأمر أوْ القرار، وتبين في الأسباب وقائع الدعوى، ودفاع الخصوم، والأسباب التي بُـنى عليها الحكم، بتفصيل واف، وإيجاز غير مخل. وفى القضايا المدنية ينطق القاضي بالحكم في الدعوى مشفوعاً بأسبابه، أما فى المواد الجنائية ( جنايات وجنح ومخالفات ) فإنه وإن كوّن الأسباب قبل النطق بالحكم، يحررها فى مدة 30 يوماً، وإلا سقط الحكم إن لم يوقع على النسخة النهائية للحكم، بما يترتب على سقوط الحكم من نتائج خطيرة، يسأل القاضي عن بعضها ومن ثم فإنه يحيا طوال عمره ملتزماً بالمواعيد، مواعيد فتح الجلسات، ومواعيد ايداع الأسباب وهكذا وهذا الالتزام يصبح جزءً من طبيعته وبعضاً من كيانه.
 
ثامناً: ومن المقرر في كتابة الأسباب أن يلتزم القاضي بما يسمى في المنطق الالتزام بالنص وعدم الإضافة فإن أقيمت أمامه دعوى من شخص يطالب بريع من آخر عن شغله عقاراً له، فإن الأسباب، إن لم تجد أن العقار مملوك للمدعى – تقف عند ذكر ذلك ولا تتعدى كى تقول إن العقار مملوك لفلان ( وتحدد اسمه )، ذلك بأن ملكية الثالث للعقار لم تكن هى المطروحة أمام المحكمة، ولأن هذا التقرير فيها يعتبر تزيداً فى الأسباب لا يعتد به، وفى ذلك الأمر صدرت بحوث ودراسات كثيرة.
 
تاسعاً: ومن المقرر في تحرير الأسباب ألا يلتزم القاضي بتعقب كل دفاع للمتهم، وبعضها يكون كثيراً أو غير ضروري أو خارج عن نطاق الدعوى، إنما بحسبه أن يقيم حكمه على دعائم قوية وركائز سليمة، موجودة في الوقائع وثابتة فى الأوراق.
 
عاشراً: بمجرد أن يوقع القاضي الصورة الأصلية للحكم تنتهي صلته بالواقعة، فهو لا يتابعها استئناف أو نقضاً، ولا يدافع عن حكمه إن تعرض لنقد صحيح أو جائر، لأنه لا يمكن للقاضي أن يمضى نصف عمره في إصدار الأحكام، ثم يمضى النصف الثاني في الدفاع عنها. إنما إذا خرج النقد والتعليق عن الحدود اللائقة جاز للقاضي أن يتخذ إجراءات قانونية لتحميه من غلو النقد.
 
هذه هي المبادئ والقواعد والأسباب التي تعلمتها وطبقتها وتشربتها طوال عملى القضائي منه رئيساً لنيابة وسط القاهرة ( التي هي أهم نيابة فى مصر ) ثم كمستشار ورئيس لمحاكم الجنايات ومحاكم أمن الدولة العليا
 
 
 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق