الإرهاب يُخرج لسانه على صفحات الأهرام

السبت، 02 يونيو 2018 10:23 ص
الإرهاب يُخرج لسانه على صفحات الأهرام
حازم حسين يكتب:

لماذا خاضت الدولة بكل مؤسساتها صراعا مريرا ودمويا مع الإرهاب، وما زالت تواصله بثبات وتحدٍّ كبيرين، إذا كان بإمكان الإرهاب مراوغة كل هذه الجهود والتضحيات، وشق ثغرة واسعة وممهدة للنفاذ إلى الساحة، والإطلال برأسه، وإخراج لسانه بصفاقة وشماتة مستفزتين، على صفحات أكبر الصحف في مصر، والممولة بشكل مباشر من الدولة وضرائب المواطنين؟
 
طوال السنوات الأخيرة نتداول في أمور الصحافة وتحدياتها، وما تشهده من محن مع تراجع اقتصادياتها، وتغول تقنيات التواصل الجديدة على مراكزها المعنوية، وبالتبعية على مواردها المالية من حصيلة الإعلان، التي ذهب الجانب الأكبر منها لقنوات التليفزيون ومواقع التواصل الاجتماعي، ولكن المؤكد أن كل هذه المحن والتحديات لا تعني التساهل مع المواد الإعلانية المتوفرة، والتغاضي عن التدقيق فيما تتضمنه من رسائل، خاصة إن كانت بعض هذه الرسائل متصادمة بشكل مباشر مع مصالح الدولة العليا، وبالضرورة مع السياسات التحريرية للمؤسسات الصحفية المملوكة لها.
 
إذا كنا أمام صناعة تواجه تحديات، فإننا نحتاج دون أدنى شك لرؤى اقتصادية ومهنية متطورة، تواكب ما يحيط بهذه الصناعة من تحديات وتسهم في تعظيم مواردها، وفي الوقت ذاته إذا كنا أمام تحديات أمنية ووطنية كبيرة، فإننا نحتاج بالقدر نفسه لدرجة عالية من الدقة والقدرة على الفرز والتقييم بكفاءة وفاعلية، وتجنب الانجراف وراء الرغبة العمياء في تعظيم الموارد، دون بصيرة يقظة وفاحصة لما قد تحمله هذه الموارد من شبهات، ويبدو أن هذا التوازن الضروري هو ما تخلت عنه الزميلة «الأهرام» مؤخرا، فسقطت سقطة قاسية، تُوجب التوقف والفحص والاعتراف بالخطأ، وتُوجب أيضا مراجعة أبنيتها وأجنحة العمل داخلها، وإصلاح هياكل المؤسسة وعلاقات إداراتها ببعضها، وولاية الإدارة التحريرية على المحتوى كاملا، حتى الإعلاني منه، وقبل هذا تُوجب كشف المقصر ومحاسبته على تقصيره، أو بالأحرى على سقطته القاسية.
 
في موقف صادم للغاية، فاجأتنا «الأهرام»، الصحيفة الأقدم والمؤسسة الأكبر، بنشر نعي على صفحات عددها الأسبوعي، أمس الجمعة، ينعي فيه عشرون قاضيا مفصولا واحدا من زملائهم، وبينما لا يبدو الأمر للوهلة الأولى ملفتا، فإن الصدمة تفتح أبوابها على مصراعيها مع اكتشاف أن المتوفّى والناعين له جميعا من أعضاء ما يُعرف بائتلاف «قضاة من أجل مصر»، الذي أسسه القاضي المفصول وليد شرابي إبان حكم جماعة الإخوان الإرهابية، ويقيم أغلب أعضاؤه حاليا، وفي مقدمتهم ناشرو نعي الأهرام، بين تركيا وقطر.
 
الصدمة الأكبر أن المتوفى، محمود محيي الدين، هو نفسه القاضي المفصول الذي ألقى بيان مجموعة وليد شرابي الداعمة لجماعة الإخوان من فوق منصة اعتصام الجماعة في رابعة العدوية، وكان الرجل نائبا لرئيس محكمة النقض قبل خروجه من الخدمة لممارسته السياسة ودعمه لتنظيم إرهابي، أي أننا بصدد اسم يتوفر له قدر من الذيوع، ويسهل التعرف عليه والوصول لتاريخه، ما يعني أن إدارتي الإعلان والتحرير في الأهرام لم تتخذا أي موقف تجاه المادة المنشورة على صفحات الصحيفة، وإذا كان الأمر على هذه الصورة في مسألة خطيرة تخص محتوى إعلانيا لجماعة الإخوان وداعميها، فالأعمق في الأمر أن الزملاء في الأهرام لا يدققون في المواد الإعلانية، ولا تعنيهم الموازنة بين الإعلان والسياسة التحريرية، وقد نفاجأ ونحن نتصفح أعداد الأهرام مستقبلا بإعلانات مباشرة من إمارة قطر أو حتى من عناصر محسوبة على تنظيم داعش، طالما تسربت عبر صفحاتها، بمنتهى السهولة والتساهل، أسماء: حسن ياسين، وناجي دربالة، ومصطفى أبو زيد، وأسامة عبد الرؤوف، وعماد البنداري، والسيد عباس، وعمرو شهير، وعمر عبد العزيز، وعلاء عبد الحافظ، ومحمد وفيق، ومحمد سليمان، وهاني عبد الواحد، ومحمد جبال، وإسلام علم الدين، ومحمد عبد الحميد، وأيمن الورداني، وياسر محيي الدين، ومصطفى دويدار.
 
نعرف أن المؤسسات القومية تشهد محنة مضاعفة، قياسا على ما تشهده غيرها من المؤسسات والمنصات الصحفية، وأن كثيرا من مشكلات المهنة تتضخم وتزداد حدة في أروقة الصحف والإصدارات القومية، وما تفرضه المرحلة من تحديات مهنية يدفعنا جميعا لدعم ومساندة هذه المؤسسات، ولكن دون التغاضي عن حقيقة أن القيمة المعنوية والتاريخية لهذه المؤسسات وإصداراتها المختلفة، وطبيعة ملكيتها وتمويلها، تجعل أخطاءها الصغيرة أكبر من أخطاء غيرها، فماذا لو كنا إزاء كارثة ضخمة ومرعبة وتضرب في صميم الأطر المؤسسية وهياكل العمل وعلاقات الإدارات داخل هذه الإصدارات، وليس مجرد خطأ صغير يمكن غفرانه؟!
 
أحاول أن أتخيل مشاعر أحد أهالي الشهداء وهو يقلب صفحات الأهرام، ويجد أسماء محسوبة على جماعة الإخوان متبوعة بوصف «بك» الذي ألغته ثورة يوليو قبل ستة وستين عاما، وهذا الشخص فضلا عن كونه من ذوي الشهداء الذين تورطت جماعة الإخوان في دمهم، فهو في جانب آخر أحد ممولي هذه الصحيفة ومالكيها، باعتبارها ملكية عامة ممولة من موازنة الدولة وأموال دافعي الضرائب، أي أننا بمنتهى الرعونة فتحنا بابا لإهانة آلاف الشهداء ومشاعر ذويهم بأموالهم وعلى صفحات أكبر صحف بلدهم، بل وسمحنا للإخوان وذيولها بإخراج ألسنتهم لنا وللدولة ولـ30 يونيو، وحتى لـ23 يوليو التي استعادوا لأنفسهم ما ألغته من ألقاب الإقطاعيين ورجال الملك.
 
لا أعرف آلية العمل في الأهرام، ولكن ما أعرفه أن مسؤولية هذا الأمر تقع كاملة على عاتق الزميل علاء ثابت، رئيس التحرير، حتى لو كانت يد إدارة الإعلانات مطلقة في تحديد المواد المنشورة على صفحات الصحيفة، وهذا أمر غير منطقي بالأساس، ومن موقع هذه المسؤولية فإن على «ثابت» - وله كل التقدير إنسانيا ومهنيا - أن يكشف المتسبب في هذه الكارثة، ويوضح الأمر والمسؤولين المباشرين عنه بحقائق ومعلومات لا تقبل اللبس والتأويل، ونحن في هذا لا نتجنى عليه ولا نجلد ظهره بالباطل، وإنما نضع الأمر الضخم في نصابه، تقديرا لحقوق المهنة والزمالة، وانتصارا لزملائنا ظالمين، كما ننتصر لهم مظلومين، وهذا ما يوجب علينا أن نردّهم عن ظلمهم ونكشف لهم ما غاب عنهم، أو اختاروا هم راضين وقانعين أن يغيب.
 
النقطة الأخيرة في هذا الأمر تخص السيد نقيب الصحفيين عبد المحسن سلامة، رئيس مجلس إدارة الأهرام، إذ ربما عليه الالتفات للأطر المؤسسية وعلاقة الإدارات المختلفة داخل المؤسسة ببعضها، ومسارات تدفق المحتوى، التحريري والإعلاني، ومدى استقلالية إدارة الإعلانات، وحجم ولاية الإدارة التحريرية على الصفحات الإعلانية الثابتة، إذ يبدو أن قدرا غير هيّن من التسيب والتبسيط وغياب الدقة والتدقيق يسيطر على مفاصل إصداراته الكبرى، وإذا كنا بصدد مجموعة من الموالين للإخوان، مفصولين من القضاء بأحكام قضائية، وهاربين خارج مصر، فكيف تسرب هذا الإعلان لصفحات الأهرام؟ ومن استصدر أمر النشر له ودفع قيمته المالية؟ وهل بين موظفي المؤسسة من يوالي الجماعة الإرهابية ويُسهّل لها اختراق الأهرام حينما تشاء؟ وماذا عن سمعة مؤسسات الدولة، وفي القلب منها المؤسسة القضائية التي طهرت نفسها بفصل أشخاص مارسوا السياسة وانحازوا ضد الدولة، ثم يُفاجأ قارئ الأهرام بأسمائهم على صفحات الصحيفة القومية مسبوقة بأوصاف قضائية ومتبوعة بألقاب تفخيم وتعظيم، في إلصاق متعسف لهم بالمؤسسة القضائية التي طهّرت ثوبها منهم؟!
 
الأمر جد خطير، ولا يحتمل التبسيط وفق أي منطق، والاعتذار المُتوقع عنه لن يغني عن كشف المتسبب فيه وحسابه، وضبط أطر العمل داخل المؤسسة، فلا يليق أن يُخرج لنا الإرهاب وداعموه ألسنتهم على صفحات الأهرام!

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق