أمريكا تطلب وإيران ترفض وروسيا تهدد.. نار السياسة قد تحرق سوق النفط في العالم

الجمعة، 22 يونيو 2018 12:00 ص
أمريكا تطلب وإيران ترفض وروسيا تهدد.. نار السياسة قد تحرق سوق النفط في العالم
المدير التنفيذي لشركة روسنفت وشعار الشركة
حازم حسين

ساعات ويلتقي ممثلو 24 دولة تقريبا (ثلاث عشرة أعضاء و11 حلفاء) في اجتماع منظمة الدول المصدرة للبترول أوبك، الذي تستضيفه العاصمة النمساوية فيينا، لمراجعة سياسات الإنتاج.

يأتي الاجتماع في ظل ظرف ملتبس في أسواق النفط، بين قرار سارٍ من أوبك بخفض الإنتاج 1.8 مليون برميل يوميا، جرى اعتماده في وقت سابق من العام الماضي، وجددته المنظمة في الشهور الأولى من العام الجاري، وبين تحولات في مواقف بعض الأعضاء والحلفاء باتجاه التخلي عن قرار خفض الإنتاج بصورة شبه كاملة.

في الأيام الماضية جرت لقاءات بين الجانبين الروسي والسعودي (أكبر منتج وأكبر مُصدّر للنفط في العالم على التوالي) واتفق البلدان على استعادة مستويات الإنتاج قبل الخفض، أو على الأقل إضافة 1.5 مليون برميل إلى المستويات الحالية، ترافق هذا مع معلومات وتقارير أفادت بطلب الولايات المتحدة الأمريكية من السعودية زيادة صادراتها بواقع مليون برميل، إضافة إلى شواهد حول اتجاه الدول الأربع والعشرين المزمع حضورهم اجتماع أوبك، باستثناء إيران، إقرار مسألة إعادة الإنتاج لمستوياته السابقة.

وسط هذه الأجواء من الترقب، وحالة الوفاق التي يبدو أنها كانت تتشكل في الأفق، أعلنت إيران عبر مسؤولين في قطاع الطاقة أنها ترفض قرار استعادة مستويات الإنتاج السابقة، وتدعم الإبقاء على قرار الخفض، وهو الأمر الذي تسبب في حالة من التوتر والارتباك في أسواق النفط العالمية، وسط مخاوف من احتدام الصراع في اجتماع "أوبك" وعدم التوصل لاتفاق.

ألقت إيران قنبلتها ومضت، وتركت الأسواق تشتعل، قبل أن تعاود التلاعب بالجميع مرة ثانية عبر إشارة من أحد المسؤولين الإيرانيين إلى أن طهران قد تقبل بزيادة صغيرة ومحدودة في مستويات الإنتاج الحالية، التصريح بدا إيجابيا بدرجة نسبية، ودفع سريعا في اتجاه انخفاض أسعار النفط في تداولات الخميس، ولكن هذا التراجع قابله وقلل من آثاره طلب أمريكي مرتفع على الوقود والمشتقات البترولية، دعمته مطالب من المصافي ومحطات التكرير بمزيد من الخام بعد ارتفاع معدلات تشغيلها، وهو الأمر الذي يستند على ما يبدو لانخفاض مخزون الخام الأمريكي للدرجة التي دفعت واشنطن لطلب مليون برميل يومية من السعودية، وارتفاع حركة السفر الذي يترافق مع بطولة كأس العالم.

بحسب تداولات الخميس كانت قيمة خام برنت في التعاقدات الآجلة 74.34 دولار أمريكي للبرميل، بانخفاض 40 سنتا بنسبة 0.5% عن الإغلاق السابق، ورغم توقعات الخبراء بتراجع أكبر من هذا المستوى مع الإشارة الإيرانية لقبول زيادة الإنتاج، فإن الطلب الأمريكي المتصاعد حدّ من التراجع، وبقدر الإيجابية التي مثّلتها أمريكا لمنتجي النفط، فإنها تمثل خطرا كبيرا عليهم في الوقت ذاته.

بين الاحتياجات الأمريكية الكبيرة، والمناورات الإيرانية المتواصلة، يبدو أننا بصدد احتمال التورط في عملية تسييس لسوق النفط، ففي الوقت الذي تعلم فيه إيران أن الطلب الأمريكي على النفط يتصاعد في هذه الفترة، تقرر الاصطدام بـ"أوبك" ورفض زيادة الإنتاج، وكأنها ترد على قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالانسحاب من الاتفاق النووي، وفي الوقت نفسه تعارض الأمر في ضوء اتجاه المملكة العربية السعودية لدعم قرار زيادة الإنتاج، ويبدو أن الإدارة السياسية للملف دفعت طهران لتجاوز أن روسيا، الحليف القوي والمهم، يقف على الضفة التي تجمع السعودية والولايات المتحدة، وأن موسكو أكبر المتشددين والمصرين على عودة الإنتاج لمستوياته السابقة.

هذا التقابل بين المواقف يدفع في اتجاه عدم التوافق في اجتماع أوبك غدا، فبينما ستطرح السعودية وروسيا اقتراحا بعودة الإنتاج لمستوياته السابقة، سترفض إيران الأمر، وقد تتشجع دول أخرى لاستغلال الأمر سياسيا أيضا، مثل فنزويلا التي تحمل عداء كبيرا للولايات المتحدة الأمريكية، ما يعني أن الاجتماع قد يفشل في التواصل إلى قرار مقبول من الأعضاء والحلفاء، وفي هذه الحالة فإن السعودية وروسيا قد تزيدان الإنتاج من طرف واحد، وبالتبعية ستلحق بهما بقية الدول لتحصيل أكبر قدر من المكاسب أو تلافي الخسائر مع تراجع الطلب على تعاقداتها، وهو ما يقود بالضرورة إلى انخفاض حاد في الأسعار، والبديل أن تتفق الدول المشاركة في الاجتماع على زيادة محدودة في الإنتاج، ما يعني استمرار الإنتاج عند مستويات منخفضة، واختلال ميزان العرض والطلب، وفي ظل تآكل نسبة كبيرة من المخزون الأمريكي، وارتفاع طلب واشنطن على الخام، ومخاوف التوترات الاقتصادية والحرب التجارية بين الولايات المتحدة وعدد من الدول الكبرى، في مقدمتها الصين، فإن سوق النفط قد تكون في انتظار اشتعال ضخم يهدد مراكزها المستقرة وتعاملاتها الآنية.

هذه المخاوف تقابلها تصريحات متتابعة من أطراف مهمة بشأن سيناريوهات المستقبل القريب، منها ما قاله إيجور سيتشن، الرئيس التنفيذي لشركة "روسنفت" الروسية، أكبر منتج نفط مدرج في العالم من حيث حجم الإنتاج، بأنه يلمح فرصة لزيادة الحصة السوقية للشركة إذا حدث نقص في سوق الخام العالمية، وهو تهديد مبطن بأن روسيا ستتقدم لتملأ الفراغ الذي ستخلفه أي من الدول المنتجة للنفط، حال قرارها بالإبقاء على إنتاجها منخفضا وتوفير معروض أقل من طلب السوق العالمية.

أمام هذا التهديد، واتجاه المملكة العربية السعودية لزيادة الإنتاج ولو من طرف واحد على ما يبدو، فلا يملك دول أوبك أمام أكبر منتج وأكبر مصدر في العالم إلا بذل جهد جاد للوصول إلى تفاهمات، وحل تجاهل إمكانية التفاهم فإن الدول الأعضاء بالمنظمة، وحلفاءها من الخارج، قد يخسرون كثيرا، داخل أوبك وخارجها.

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق