السر الخفي وراء الغلاء وارتفاع الأسعار

الأحد، 24 يونيو 2018 02:00 م
السر الخفي وراء الغلاء وارتفاع الأسعار
ياسر جعفر يكتب:

 تتعرض البلاد هذه الأيام لموجة من ارتفاع الأسعار، ولم يحاول أحدا تفسير السبب وراء هذا الغلاء، فلن يعترف أحدا أن الجشع واحتكار التجار ورجال الأعمال لكل أصناف السلع، من خلال تخزينها لزيادة الطلب عليها ثم عرضها مرة أخرى بسعر أعلى وأغلى، وهو أمر ينافي الشرع وتعاليم الإسلام، وعند زيادة سعر البنزين والمحروقات (وهذه حالة خاصة لمصر)، نجد أن الجميع يسارع لرفع أسعار السلع التي لديه حتى أسعار وسائل المواصلات الخاصة والعامة، فعجبا لهذا الجشع من بني البشر، والذي يحتم على حكام البلاد الذين مكنهم الله في الأرض، أن يتدخلوا بقوه القانون بالضرب بيدِ من حديد على كل من تسول له نفسه بأحتكار السلع التي تتسبب في وزيادة موجة الغلاء على المواطنين، ومعاقبة التلاعبين بقوت البشر ورغيف العيش.

 

 على العدل والإحسان، وعلى الرحمة والإيثار، قامت علاقات المحبة وروابط الأخوة بين المسلمين في هذا الدين، فهو يجعل لكل إنسان من عمله حقًا معلومًا، أو نصيبًا مفروضًا، فإنما يخص ذلك بأوقات الرخاء الجامع واليسار الشامل، إذا لا تعترض الحاجات ولا تشتد الأزمات ولا تلح الضرورات، فإذا ما بلغت الأمور هذه المبالغ من الضيق والحرج ونزلت بالناس نوازي الفاقة والعون وأغاثهم الإسلام بغيوث بره ورحمته، وأطل عليهم بجود سماحته وجبر قلوبهم بمعروفة وخيره، وقدم الرحمة على الإنصاف والعدل والإيثار على الأخذ بالحق، بل جعل العدل هو الرحمة والحق واستقصاء ذلك فيما شرع الله من البر والصلة والإحسان والرحمة بين المسلمين، بل بينهم وبين مخالطيهم من غير المسلمين مما لا يحتمله المقام، ومن وجوه ذلك، هذا الحق الذي فرضه الإسلام باسم الرحمة والإحسان للمعسرين المدين على دائنه في قوله «وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وإن تصدقوا خيراً لكم إن كنتم تعلمون».

 

ومن الحقوق التي فرضها الإسلام، عدم احتكار السلع وغلائها على المواطنين، ولو نظرنا للأضرار الاجتماعيى التي تنجم من احتكار السلع وتخزينها لغلائها على المواطنين، فإننا نجد أن مثل هذا العمل سيؤدي إلى إلحاق الضرر البليغ بالمجتمع، حيث يكون سببًا في فقدان عدالة التوزيع بين أبناء الأمة، كما أنه يرفع من ضوابط العدالة الاجتماعية ومبدأ تكافؤ الفرص، ويؤدي كذلك إلى اختلال سياسة التوازن التجاري والمالي والاقتصادي، إن الجنيه المتداول إنما هو جندي عامل في الميدان، بينما الجنيه المكنوز إنما هو جندي أسير في السجن، لذلك نهى الله تعالى في قوله «وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ»، والكنز باعتباره سيعمل على تعطيل هذه القوة الفعالة في حيازة الأمم والشعوب والقيام بواجبها، هذا من ناحية، ومن ناحية آخرى، فإن المحتكر الجشع إنما يضر بمصالح الأمة العليا، حيث يعمل باحتكاره على إشاعة السوق السوداء في المجتمع والذي نعيشه الآن، وبالتالي سيؤدي إلى استغلال حاجات الناس وعدم الاهتمام بشئون المسلمين وأمرهم، في الوقت الذي نجد رسول الله صل الله عليه وسلم يقول «ومن لم يهتم في أمور المسلمين فليس منهم»، فلقد لوحظ أن في مثل هذا العمل يؤدي إلى ظهور الأنانية والحقد والحسد بين أبناء الأمة الواحدة، لذلك ظهر الاحتكار كأداة سيئه تدعوا إلى قطع أوصر المحبة والألفة والتعاون، لتشيع مكانها الكراهية والتنافر واضطرابات أمنية وغيرها من الصفات الخبيثه التى لا تريد شريعتنا السمحاء شيوعها، في ظل مجتمع يسعى فيه نور الحق ليكون متراصًا متواحدًا في وجه من يريد تمزيقه وتفريق وحدته من الأعداء الذين يتربصون بنا ليل نهار وفي جميع وسائل العيش.

 

وتأسيسًا على ما تقدم ونظرًا للأضرار الكبيرة التي تُحدثها هذه الآفة الفيروسية الخطيرة من سوء التعامل بين الناس وقسوة بعضهم على بعض، وقف الإسلام موقفًا حاسمًا تجاهها وأعتبرها من الأمور المحظورة، ومن الفيروسات المسرطنة التي تضر بالمجتمع والممنوعة شرعًا، حيث أن هناك كثير من النصوص تفيد منع الاحتكار والتحذير منه باعتباره إثمًا ومعصية يجب تجنبه والامتناع عنه، ومنها ما جاء في القرآن الكريم «مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ۚ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ» وكلمة دولة هنا تدل على التداول والمداولة وكل ما يقابل معنى الاحتكار، وورد النهي القرآني عن الاحتكار من خلال قوله تعالى «كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ۚ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ» فبين الحكمة من توسيع شريحة التوزيع وهي التداول والانتشار للقضاء على الإحتكار بين شريحة بعينها، كما قال صل الله عليه وسلم «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»، وفي الحديث «من نَفس عن مؤمن كربة من كُرب الدنيا، نَفس الله عنه كربة من كُرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما دام العبد في عون اخيه».

 

وفي حديث إبن عمر رضي الله عنه عن النبى صل الله عليه وسلم قال «من احتكر طعامًا أربعين ليلة فقد برئ من الله تعالى وبرئ الله تعالى منه وأيما أهل عرضة اصبح فيهم امرؤ جائع فقد برئت منهم زمة الله تعالى»، حتى لا يتحكم المحتكر بالسوق ويفرض على الناس ما يشاء من الأسعار ويتحكم في مقدار المعروض من السلع، وقال تعالى "«َاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْۚ وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا»، فإن أكل المال عن طريق الاحتكار لا يصنفه العقلاء الا أكل للمال بالباطل، فيكون مشمولًا للآية الكريمة، وقال تعالى «تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّىٰ»، حيث هي ناهية عن جمع المال وكنزه، وقوله«وَأُحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَّ»، وقوله تعالي «مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ» فينبغي على كل محتكر أن يتقي الله في نفسه وفي قوت الناس.

 

أيها المحتكر الظالم، أعلم جيدًا أنك لا تأخذ إلا المكتوب لك من الزرق والمال، وما وتأخذه زيادة باحتكارك سيكون على حساب صحتك وأولادك ودمار حياتك، ولن تهنأ به، لا يخدعنكم المخادعون، ولا تنسوا أنكم مسلمون فيجب عليكم أن تنظروا للأمور بالمنظور الشرعي من كتاب الله وسنة رسوله صل الله عليه وسلم، بفهم الصحابة ومن تبعهم بإحسان رضي الله عنهم، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال «غلاَ السِّعرُ على عَهدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ فقالوا يا رسولَ اللَّهِ قد غلاَ السِّعرُ فسعِّر لنا، فقالَ إنَّ اللَّهَ هوَ المسعِّرُ القابضُ الباسطُ الرَّازقُ إنِّي لأرجو أن ألقى ربِّي وليسَ أحدٌ يطلُبُني بمظلِمةٍ في دمٍ ولاَ مالٍ» إذا فمسعر الأسعار هو الله وقابض الرزق عن عباده هو الله وباسط الرزق لعباده هو الله، وقيل لبعض السلف «غلت اﻷسعار، قال : أخفضوها بالاستغفار».

 

أيها المحتكر الظلم، قيل ﻷعرابي «لقد أصبح رغيف الخبز بدينار، فأجاب: والله ما همني ذلك ولو أصبحت حبه القمح بدينار، أنا أعبد الله كما أمرني وهو يرزقني كما وعدني»، كما أتى الناس إلى سلمة بن دينار، فقالوا له: «يا أبا حازم أما ترى قد غلا السعر، فقال: وما يغمكم من ذلك، إن الذي يرزقنا في الرخص هو الذي يرزقنا في الغلاء»، وقال رجل ﻷحد الصالحين: «إن الخبز قد غلا ثمنه، فقال: والله لا أبالي لو أصبحت كل حبة بدينار، فعلينا أن نعبد الله كما أمرنا وهو سيرزقنا كما وعدنا».

 

كما قال شيخ اﻹسلام أبن تيميه رحمه الله، «فالغلاء بارتفاع اﻷسعار، والرخص بانخفاضها هما من جملة الحوادث التي لا خالق لها إلا الله وحده، ولا يكون شيء منها إلا بمشيئته وقدرته، لكن هو سبحانه قد جعل بعض أفعال العباد سببا في بعض الحوادث ، كما جعل قتل القاتل سببا في موت المقتول، وجعل ارتفاع اﻷسعار قد يكون بسبب ظلم العباد، وانخفاضها قد يكون بسبب إحسان بعض الناس»، فما أحواجنا إلى تجديد معاني التوكل على الله في القلوب.

 

إذن عزيزي القارئ، ما الحل مع الغلاء؟ وبكل إيمان أقولها لك، أن الحل في التوبة والاستغفار، لقوله تعالى (( فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا. يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا. وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا}، كما أن تغيير احوالنا قال فيها تبارك وتعالى {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ}، فغيروا الشرك إلى التوحيد والبدعة إلى السنة والمعصية إلى الطاعة، فالعقيدة الصحيحة و التقوى قال فيها تبارك وتعالى {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}، كما وقال جل وعلى {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚيَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}.

 

تحيا مصر وتحيا الأمة العربية على قلب رجل واحد.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق