دولار مشتعل وبرميل بترول مفتوح.. لعبة أمريكا مع طهران تهدد بإحراق وجه العالم

الخميس، 28 يونيو 2018 09:00 ص
دولار مشتعل وبرميل بترول مفتوح.. لعبة أمريكا مع طهران تهدد بإحراق وجه العالم
علم الولايات المتحدة الأمريكية
حازم حسين

لم يكن متوقعا لدى أشد المحللين تشاؤما، أن تقرر منظمة أوبك تحريك إنتاجها من مستواه السابق، المنخفض 1.8 مليون برميل عن مستويات الضخ الطبيعية، ورغم هذا ترتفع الأسعار.

المنظمة استجابت في اجتماعها الذي احتضنته العاصمة النمساوية فيينا، الجمعة الماضية، لضغوط قوية من أعضائها وحلفائها، في مقدمتهم المملكة العربية السعودية وروسيا، ومن مستهلكين شرهين كالولايات المتحدة الأمريكية، لكن رغم الاستجابة فإن الأسواق لم تسر كما توقع المطالبون، وبالتأكيد ليس كما يأمل المشترون أيضا.

في الوقت الذي قررت فيه أوبك استعادة مليون برميل من الكمية التي خفضتها قبل شهور، طلبت الولايات المتحدة الأمريكية من ثاني أكبر المنتجين في العالم، وأكبر منتجي المنظمة، المملكة العربية السعودية، مليون برميل زيادة، وبينما يمكن تفسير الأمر بأنه محاولة من واشنطن لتلبية الطلب الداخلي الكبير على الطاقة، وتعويض فواقد مخزونها الذي تآكل خلال شهور تقليص الإنتاج، فإن آخرين قد يفسرون الأمر باعتباره استهدافا منظما لسوق النفط.

ما يدعم الفرضية السوداء أن واشنطن بدأت في اليومين الأخيرين ممارسة ضغوط على حلفائها لمقاطعة السوق الإيرانية، إحدى أكبر الأسواق المصدرة للنفط، قبل أن تصدر قرارا بالتوقف عن شراء النفط الإيراني ابتداء من نوفمبر المقبل، ومؤكد أن كثيرين من الحلفاء سيلتزمون، إما رغبة في رضا البيت الأبيض، أو خوفا من سيف العقوبات الاقتصادية، وبجانب هذا القرار فإن مجلس الاحتياط الفيدرالي "البنك المركزي الأمريكي" يتجه لرفع سعر الفائدة على الدولار مجددا، بعد أسابيع قليلة من رفعها بنسبة 0.25%، وفي ضوء أن الدولار العملة المعيارية في تجارة النفط وكثير من التجارة العالمية، فإننا ربما نكون بصدد قرار أمريكي برفع فاتورة استيراد النفط على دول العالم، مع حرمانها من حصة كبيرة من البضاعة، بإغلاق المنفذ الإيراني في وجوهها، لدفع سوق النفط إلى حافة الاشتعال.

على الجانب الآخر، لا يبدو أن الولايات المتحدة تشعر بأزمة على الصعيد الداخلي، بين تأمين احتياجاتها من الأسواق الكبرى بطلبات مباشرة، وزيادة إنتاجها محليا، تبدو سوق الطاقة الأمريكية في أمان، فبحسب تقرير التطورات البترولية الصادر عن أوبك، زاد إنتاج الولايات المتحدة من النفط الصخري حوالي 93 ألف برميل يوميا في مارس الماضي، ليسجل الإجمالي اليومي 6 ملايين و753 ألف برميل.

الارتفاع الجديد يصل بزيادة الولايات المتحدة الأمريكية من النفط الصخري إلى 1.3 مليون برميل يوميا، مقارنة بعام مضى، وتأتي هذه الزيادة معززة بتطوير العمل في حقول النفط الصخرية، عبر رفع أعداد الحفارات خلال مارس بواقع 17 حفارا، ليصل إجمالي الحفارات العاملة إلى 879 حفارا، بفارق 200 عن العدد في الفترة المماثلة من العام الماضي، وبالملايين الستة التي تنتجها واشنطن من النفط الصخري، فإنها تغطي نسبة كبيرة من احتياجاتها، خاصة مع إنتاج ما يقرب من ثلاثة ملايين برميل من مصادر أخرى.

حالة التوتر التي يبدو أن سوق النفط تتجه إليها، مع شراهة الطلب في مقابل معروض قررت الولايات المتحدة أن يكون قيد التحكم، واتجاه لرفع سعر الفائدة على الدولار، ما يعني مزيدا من القفزات في سعر العملة الأمريكية، أثرت هذه الحالة على الاقتصاد العالمي في وجوه عدة، وكان أول المتأثرين كما هي الحالة دائما الذهب.

في العادة يتبادل الذهب والدولار الأدوار في اللعبة الاقتصادية، وبحسب الأحوال السائدة قد يتقدم أحدهما أو يحل الآخر بديلا له في الصدارة، ففي أحوال الاستقرار وارتفاع سعر الفائدة يصبح الدولار استثمارا ذا جدوى عالية وزمن دوران أسرع، فيتجه له المستثمرون ضاغطين على الذهب الذي يكتسب أهميته في الأوقات الاستثنائية وفترات الأزمات، كونه ملاذا آمنا يحتفظ بقيمته ويتأثر بالاهتزازات الطارئة بشكل محدود، واليوم يبدو أن الاهتزازات كبيرة إلى الحد الذي قاد المعدن النفيس للتراجع في التعاملات العالمية إلى أدنى مستوياته في 200 يوم تقريبا (6 شهور ونصف الشهر).

المؤشرات تقول إن تعاملات أمس شهدت تراجع أسعار الذهب في المعاملات الفورية، جاء التراجع بنسبة ملحوظة، لكنه كان التراجع الثالث على التوالي، لتسجل الأوقية سعرا عند 1255.51 دولار، بانخفاض 0.3%، وهذا السعر هو الأقل منذ ديسمبر 2017، الذي سجلت فيه الأوقية 1253 دولارا فقط، على الجانب المقابل أنهى الدولار رحلة خسائره التي امتدت أربع جلسات متوالية، وتراجع فيها لأدنى مستوياته في أسبوعي، ليشهد حالة من الاستقرار بعدما زاد 0.4% في الأسواق الخارجية، وهذا الصعود يزيد بالتبعية حجم الطلب على الدولار، ما يعني تقلص الطلب على الذهب، الذي يمثل مخزنا آمنا للقيمة، لكنه مخزن صامت، لا يُدر أي عوائد مباشرة.

الآثار الاقتصادية للعبة النفط والدولار لم تُصب الذهب فقط، بل طالت بعض أسواق المال والمؤشرات العالمية المهمة، فعلى صعيد سوق المال اليابانية شهدت تداولات مؤشر نيكي هبوطا واضحا، في ضوء تأثر مصنعي منتجات المطاط وشركات الشحن والطيران بحالة الاشتعال المتمددة في سوق النفط، مع تعقيدات أخرى تخص السوق، أبرزها انتهاء الحق في توزيع أرباح الأسهم لعدد من الشركات.

المؤكد وسط هذه الأجواء المتداخلة، أن أي شرارة قد تصيب بئرا للنفط في واحدة من المراكز الإنتاجية الكبرى، ربما يحرق لهيبها وجه دولة في الجانب الآخر من العالم، وبينما تقدح الولايات المتحدة الأمريكية نارها وتنقلها على أطراف الدولار إلى براميل النفط في طهران، فإننا ربما نواجه كارثة مفاجئة غير محسوبة، يحترق فيها الدولار ويحترق النفط.

 
لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق