ذنب مصر في رقبة الجبلاية.. حاكموا هاني أبو ريدة ومجلس اتحاد كرة القدم

الأربعاء، 27 يونيو 2018 07:27 م
ذنب مصر في رقبة الجبلاية.. حاكموا هاني أبو ريدة ومجلس اتحاد كرة القدم
رئيس اتحاد الكرة وجانب من الأعضاء
حازم حسين

من أمن العقاب أساء الأدب، وبالضرورة أساء القول والفعل، ربما ينطبق هذا القول على مجلس إدارة الاتحاد المصري لكرة القدم، برئيسه وأعضائه، فجميعهم رفعوا راية الاستفزاز في وجوه الجميع، وكلهم يستحقون المحاكمة.
 
ذهب مجلس إدارة الجبلاية على رأس البعثة المصرية في كأس العالم (روسيا 2018)، تورط فيما تورط فيه من تجاوزات، وأساء تقدير الأمور كيفما شاء، وبعدما انفضّ السامر مبكرا، يأبى الاعتراف بمسؤوليته عن الإخفاقات أو جنايته على الفريق ولاعبيه، وعلى اسم مصر وحضورها الدولي أيضا، رغم أنه كان السبب في ظهورنا المخجل في البطولة.
 
تفاصيل عديدة يمكن الاقتراب منها والغوص فيها، وسنفعل، لكن المؤكد قبل التفاصيل وبعدها أن مجلس إدارة اتحاد الكرة تجمع من الفاشلين المتبجحين، ومن عديمي الإحساس بالمسؤولية، وأنهم ليسوا جديرين بتمثيل الكرة المصرية، ولم يكونوا جديرين بتمثيل مصر في كأس العالم، وأغلبهم باحثون عن الوجاهة والظهور والمصالح الشخصية والمكاسب التي توفرها لهم عضوية مجلس إدارة الاتحاد المصري لكرة القدم، ولا تُعرف لهم قيمة أو حضور أو تأثير خارج هذه الدائرة، وبعيدا عن لافتة الاتحاد واستغلال اسمه، وفي ضوء هذه الغابة المتشابكة من الملاحظات والتجاوزات، فإننا نقدم بلاغا مفتوحا للجهات الرقابية، وللنيابة العامة، ونيابة الأموال العامة، لفتح ملفات اتحاد الكرة، وبعثة مصر في كأس العالم، ومحاسبة كتيبة من العاطلين عن أي الإبداع والخيال، المجردين من الطموح، والمصرين على قتل الجماهير بالاستفزاز والبلادة والتبجح، بعدما قتلوهم بالإخفاق الكبير.


كارثة اتحاد الكرة
 
في البطولة التي تستعد للخروج من أسبوعها الثاني، حضرت أربعة منتخبات عربية، نحن والسعودية والمغرب وتونس، خرجنا جميعا من الدور الأول، السعودية بثلاث نقاط، والمغرب وتونس بأداء قوي ومشرف للغاية، ووحدنا - المنتخب المصري صاحب الاسم والتاريخ وترسانة النجوم - خرجنا صفر الدين، لا نقطة ولا أداء، وما زال الاتحاد المصري لكرة القدم يُكابر ويتخيل أنه أجاد العمل، وأدّى ما عليه، وأن علينا الاصطفاف أمامه وتقديم التحية، وهذه عنجيهة وصلافة لا تقل عن صلافة أفعال الاتحاد وعنجهيته في البطولة وقبلها.
 
المؤسف في الصورة التي ظهرت عليها المنتخبات العربية، هو ما سيتركه هذا الظهور من انطباعات عن كرة القدم في المنطقة، باعتبارها صناعة واستثمارا بقدر كونها رياضة، وهو ما سيؤثر بالتأكيد على الحضور العربي في اللعبة مستقبلا، وعلى حظوظ أندية البلدان الأربعة ولاعبيها في تحقيق مزيد من الاندماج في المنظومة العالمية، مع ما يوفره هذا من فرص احتراف واستثمار واسعة، وتنمية للموارد والعائدات، والأكثر أسفا أن تثبت النتائج النهائية مقولة اللاعب السويدي الشهير زلاتان إبراهيموفيتش: «لو وقعت المنتخبات العربية الأربعة في مجموعة واحدة، فلن يتأهل منها أحد لدور الـ16» فمن الصادم جدا أن تخفق أربعة منتخبات كبرى وذات حضور إقليمي وقاري قوي ولامع، في تقديم صورة مغايرة لهذه التصورات النمطية، أو إثبات خطأ انطباعات إبراهيموفيتش التي استبق بها المشاركات العربية في البطولة، ولا شك في أن كثيرين في الشرق والغرب يتشاركون معه هذه الانطباعات والرؤى.
 
ربما تتعدد أسباب الإخفاقات العربية في الظهور الرباعي بكأس العالم، بين سوء إعداد وضعف للجهاز الفني لدى المنتخب السعودي، وارتباك وعدم قدرة على التنظيم لدى تونس، ووقوع في مجموعة مشتعلة كما هو الحال مع المغرب، ولكن ما يعنينا في المقام الأول هو المنتخب المصري، ومسببات إخفاقه، والوعي بالثغرات كي نتمكن من تجاوزها مستقبلا، لا سيما أن حالة الفراعنة فيها قدر من التركيب ربما لا يتوفر في الحالات الثلاثة الأخرى، ما يجعل إخفاقنا أكبر، وصدمتنا أعمق، وموجبات التوقف والفرز والتقييم لدينا أكثر عددا وعمقا.


المجاملات سيدة الموقف
 
منذ اللحظة الأولى كان اختيار القائمة النهائية للمنتخب المصري أمرا باعثا على الدهشة، في ظل غياب لاعبين مهمين، وحضور آخرين لا تؤهلهم خبراتهم أو لياقتهم أو أعمارهم لهذا الحضور، بشكل دفع كثيرين للحديث عن مجاملات عدة في اختيار اللاعبين، سواء كانت لأندية أو أفراد، وبالطبع من البديهي أن القائمة حق مطلق للجهاز الفني، لكن من البديهي أيضا أن الحساب بالنتائج، وأن الإخفاق الذي أوصلنا إليه الجهاز الفني بهذه القائمة التي اختارها بحرية مطلقة - ما لم تكن هناك ضغوط لم يُكشف عنها - يفرض علينا جميعا مساءلة الجهاز، ومجلس إدارة اتحاد الكرة، في كل شيء يخص المنتخب وبعثة روسيا، بدءا من اختيار اللاعبين حتى الصعود المبكر جدا لطائرة العودة.
 
أول ما يلفت النظر في اختيارات كوبر لقائمة المنتخب، غلبة الرؤية الدفاعية على منطق الاختيار، بكثافة عددية في لاعبي الدفاع مقابل رأس حربة وحيد (بطيء ولا يملك حلولا وغير قادر على تشكيل خطورة على الخصم)، وحضور لاعبين مثل رمضان صبحي رغم الملاحظات العديدة على أدائه وخبراته المحدودة، وشيكابالا الذي تقدم في العمر وتراجعت لياقته ومستواه بدرجة كبيرة، والأمر نفسه مع الحضري، وربما عبد الله السعيد في ضوء فترة التوتر التي عاشها وتأثيرها على لياقته البدنية والنفسية، وفي الوقت ذاته غياب حسين الشحات، ومجدي قفشة وعمرو السولية، ومحمود عبد العزيز، ومحمد حمدي، أو مهاجم النجم الساحلي عمرو مرعي ببنيته الضخمة ولياقته الكبيرة واعتياده المواجهات التي تمتاز بالخشونة والصراع البدني، وخلوّ القائمة تقريبا من أي مهاجم يمكن أن يشكل عنصر حسم في منطقة جزاء الخصم، مع ما قد يوفره صلاح وتريزيجيه وكهربا من دعم هجومي واختراقات من الجانبين.
 
عطفا على سوءات التشكيل، فقد تردد في أوساط البعثة والصحفيين في روسيا، أن نجم المنتخب ونادي ليفربول الإنجليزي محمد صلاح طلب المشاركة في التشكيل الأساسي أمام روسيا، رغم عدم جاهزيته، وأنه ضغط على بعض أعضاء مجلس الاتحاد الذين ساعدوه في الضغط على الجهاز الفني، وإذا صحت هذه الرواية فإننا نكون بصدد انزلاق جديد للاتحاد وجهاز المنتخب، إذ إن هذه الضغوط فضلا عن كونها تعريضا لأحد اللاعبين المهمين للخطر، فإنها خصم من قوة المنتخب، صحيح أن صلاح منح زملاءه دفعة معنوية كبيرة بوجوده إلى جوارهم في الملعب، لكنه لم يعطهم تأثيرا أو دعما حقيقيين في مواجهة روسيا، وكان باديا عليه الإجهاد وعدم استعادة لياقته، إضافة إلى أن الاشتراك بالطريقة التي تكشفها الرواية المذكورة، يعني أن مجلس الاتحاد متورط في التدخل المباشر في عمل الجهاز الفني، وهو بهذا شريك مباشر أيضا لكوبر في مسؤولية الإخفاق والنتائج الصادمة.

الإبقاء على كوبر.. غباء أم سبوبة؟
 
إذا تجاوزنا شبهة المجاملة والضغوط في اختيارات اللاعبين وإشراكهم بالمباريات، وهي أمر قائم على أية حال، فإن أداء هيكتور كوبر نفسه يبعث على الاستغراب وإثارة أسئلة لا حصر لها، ليس فقط بشأن ثغرات القائمة وافتقارها لعناصر مؤثرة في مراكز مهمة، ولكن لإصرار الرجل على طريقة لعب انهزامية منذ اللحظة الأولى، بأداء متحفظ يغلب عليه الدفاع، وتوجيهات قد يكون هدفها الوحيد استهلاك الوقت والرهان على المصادفة والاحتمالات العشوائية لاختطاف فرصة طارئة، والتمركز في ملعب المنتخب المصري أغلب الوقت لضمان أطول فترة استحواذ على الكرة، وهي الطريقة التي يصمم الرجل على اعتمادها دون مراعاة لطبيعة المواجهات واختلافات الخصوم واستراتيجياتهم، ودون أي تقدير لغدر المصادفات والفرص الخاطفة، الذي قد يمنح الفريق المنافس ما كنت تتمناه وتراهن عليه لنفسك.
 
الحقيقة أن الإبقاء على هيكتور كوبر قائدا للمنتخب الوطني بعد أدائه في بطولة كأس الأمم الأفريقية الأخيرة، والثغرات العديدة التي ظهرت بوضوح في رحلة التصفيات المؤهلة لكأس العالم، هو خطأ مباشر يتحمل مسؤوليته مجلس إدارة اتحاد الكرة، الذي اعتبر الصعود لكأس العالم هدفا في حد ذاته، ونجاحا كافيا للإبقاء على رجل كان واضحا للغاية أنه لن يقودك لما هو أبعد من الصعود، أي أننا أمام اتحاد ينظر تحت قدميه، ويكتفي بالفتات والحد الأدنى من الأمور، ويعتبر التواجد في المونديال، وهو الأمر الطبيعي لدى منتخبات عديدة يُفترض أن نطمح لمنافستها، فعلا استثنائيا ونجاحا ما بعده نجاح.
 
قد يقول قائل إن تعاقد الاتحاد المصري لكرة القدم مع الأرجنتيني هيكتور كوبر حدد أهدافا واضحة منذ البداية، العودة لبطولة كأس الأمم الأفريقية، والوصول لكأس العالم، ولكن هذا القول الذي ينطوي على مغالطات ضخمة وفجة مردود عليه بأمور عدة، أولها أنه إذا كان الاتحاد يجيد فعلا تقسيم أهدافه الاستراتيجية إلى مراحل وتكتيكات، فلماذا لم يطور خططه عقب الفوز ببطاقة التأهل للمونديال؟ لماذا لم يؤسس لتعاقد فني وأهداف عملية جديدة مع كوبر؟ أو يدرس من الأساس جدارة المدرب الذي اختاره ليكون جسرا لكأس العالم، بأن يكون هو نفسه القطار الذي يعبر بنا الدور التمهيدي في البطولة؟ وهل لو كان الاتحاد مهتما بالفعل، ويأخذ الأمور بالجدية اللازمة، ألم يكن واجبا عليه دراسة طبيعة المرحلة التي يُقدم عليها المنتخب بعد عبور عقبة التصفيات، ووضع تصور لاحتياجاته المادية والفنية والإدارية والبشرية؟ مهما كانت المبررات الواهية التي قد يسوقها رجال الجبلاية لحملنا على بلع فكرة الإبقاء على كوبر، فالحقيقة أن كل حججه المتاحة لا تقوم على ساقين، ولا معنى وراءها إلا أن إدارة الاتحاد للأمر عشوائية، وتُقدّر الأمور بظاهر النتائج وليس بحسابات الفعل والتأثير والإضافة الفنية، وإذا كانت النتائج المهتزة والزاحفة قد حملتنا لكأس العالم، فالواقع يؤكد أن المدير الفني الأرجنتيني لم يُضف للمنتخب شيئا على الصعيد الفني وفيما يخص الرؤية والتكتيكات وتكنيك اللعب، بل ربما كان عبئا عليه وخاصما من قدرات لاعبيه، التي كانت كبيرة قبل أن تتقزّم في الملعب، لتتماشي مع ذهنية كوبر الفقيرة، ومع طموح الاتحاد الصفري المعدوم.


أضعف ما في المنتخب.. اتحاد الكرة
 
يمكن القول بضمير مستقر لا يداخله التحامل أو القسوة، إن أزمة المنتخب في كأس العالم كانت أزمة اتحاد كرة بالأساس، إما لأنه معدوم الطموح والخيال، أو لأنه ضعيف الرؤية ولم ير ما يختبئ لنا خلف ظهر هيكتور كوبر، الأرجنتيني المتحفظ كفريق في دوري المظاليم، بعيدا عن طبيعة الكرة الأرجنتينية المنفتحة والاستعراضية والمراهنة على المهارة والمتعة واختراق المنافس، فهل لم تكن إدارة الجبلاية تملك شجاعة الاتحاد الإسباني الذي أطاح بالمدير الفني للمنتخب قبل ساعات من انطلاق كأس العالم، لمجرد أنه تفاوض مع ريال مدريد لتولي إدارته الفنية خلفا للفرنسي زين الدين زيدان؟ أم لم يع الاتحاد أصلا أننا نواجه مشكلة في هيكل المنتخب وطريقة لعبه وتطلعات لاعبيه وجهازه؟!
 
كان سهلا عقب كأس الأمم الأفريقية أن يشكر اتحاد الكرة السيد كوبر، ثم يضع خطة عاجلة للتعاقد مع مدير فني من الصف الأول، وبالتأكيد لم يكن سيواجه أزمة مالية، موارد الاتحاد ليست قليلة، والرعاة لن يتأخروا، وما سننفقه على جهاز جاد ولائق بالمرحلة لن يكون أكثر مما أنفقناه طوال 28 سنة في انتظار الصعود لكأس العالم، وحتى لو استعان الاتحاد بمانويل جوزيه أو حسن شحاته فلن تكون النتائج أسوأ مما حققه كوبر، أما الرد على هذا الأمر بالحديث عن نتائج كوبر الإيجابية في نظر البعض، فهو رد من قبيل السطحية، فالرجل وصل نهائي كأس الأمم الأفريقية بشق الأنفس، رغم أنه يملك فريقا مكتملا قوامه من المحترفين اللامعين وذوي الحضور المؤثر في عدد من الدوريات الكبرى، وبهذا الفريق ذي القوة الضاربة خسر الرجل البطولة بسهولة كان يجب أن تدعو الاتحاد للقسوة عليه والغلظة معه، أما اعتبار الوصول لكأس العالم نجاحا فهذا تسطيح يفوق سابقه، فقد وصلنا في اللحظة الأخيرة، وبمعاناة شديدة، هذا إذا صح اعتبار الوصول نفسه إنجازا، وتجاهلنا أن إسبانيا أطاحت بمدربها الذي أوصلها للبطولة أيضا، لمجرد أنه بحث عن فرصة مهنية له بعد كأس العالم، وليس لأنه أوصلها للمونديال زحفا كما فعل بنا السيد كوبر.

اتحاد الخناقات والتهديد والوعيد
 
بجانب تقصير الاتحاد الواضح في المسائل الفنية وصبره غير المبرر على كوبر، فإن التوترات التي دارت في أروقة المجلس خلقت حالة من الاهتزاز النفسي والمعنوي وعدم الاستقرار في المنتخب وبين لاعبيه، بدءا من قضية الطائرة، ثم مشاجرة عضو المجلس مجدي عبد الغني وقرار رئيس الاتحاد هاني أبو ريدة باستبعاده من البعثة، فتهديد عبد الغني بكشف ما يحدث داخل المجلس، لنفاجأ به في روسيا دون أن نعرف هل كان جادا في التهديد لدرجة أخضعت المجلس ودفعته للتراجع عن قراره؟! أم سافر بقرار فردي ووضع البعثة أمام الأمر الواقع واخترق معسكر المنتخب دون ضابط؟! ومن دفع تكلفة سفره في الحالتين؟ وإذا سافر على نفقته الخاصة فهل استعاد هذه الأموال من خزانة الاتحاد بعد المشاجرات والمناوشات والتهديد وتدخلات الوسطاء؟ أما الأكثر استفزازا وخلوًّا من اللياقة والذوق والإحساس بالمسؤولية، أن ينتشر مقطع مصور للكابتن مجدي عبد الغني بينما النتيجة 3/ 1 لصالح روسيا، وضحكته «من الودن للودن» ساخرا من الهزيمة، وكون صلاح تاليا له في التهديف بالمونديال، ومن ضربة جزاء أيضا، بدون أدنى تقدير أو إحساس بالمسؤولية، أو كسوف وخجل باعتباره أحد المتورطين بشكل مباشر في الإخفاق الكارثي، فهل لنا أن نتوقع أن ضحكات وقهقهات وسخرية الكابتن مجدي كانت الأمر الشائع وسط البعثة وأعضاء الاتحاد؟ وأننا أمام انعدام كامل للمسؤولية وبجاحة متناهية في الاستفزاز مع سبق الإصرار والترصد، دون اللوذ على الأقل بمنطق «إذا بُليتم فاستتروا»؟!
 
اختيار مدينة جروزني الشيشانية مقرا دائما للبعثة، بحجة هدوء أجوائها وبُعدها عن زحام المونديال، لم يكن اختيارا صائبا، ففضلا عن أنه أبعد المنتخب عن أجواء المونديال وروح الحماس والتحدي التي تملأ فضاءه، وتتجلى في المدن الكبرى المستضيفة للبطولة، فإنه كلف المنتخب سفرا بالساعات وإرهاقا كبيرا قد لا ينسجم مع طبيعة البطولة وحالة المنافسة، وكانت النتيجة أن نكون أول المغادرين في مجموعة هي الأضعف في البطولة، فماذا لو وقعنا مع البرازيل أو ألمانيا أو إسبانيا أو المكسيك أو البرتغال؟
 
نقطة أخرى مهمة، تتصل بما أثاره التليفزيون الألماني حول اتهام لاعبي المنتخب الروسي بتعاطي المنشطات، وعلاقة المخابرات الروسية بالأمر، ورفض الخضوع للاختبارات والفحوص الكاشفة للمنشطات، ما يعني حال ثبوته إلغاء نتيجتي المباراتين اللتين فاز فيهما الدب الروسي على السعودية ومصر، واحتساب نتيجتيهما لصالح المنتخبين العربيين، ما قد يغير خريطة المنافسة في المجموعة بشكل كامل، بينما يلتزم الاتحاد المصري لكرة القدم الصمت التام، لم يعلق على الأمر، ولم يخاطب الفيفا في إطار ممارسة ضغوط جادة لفتح الملف، خاصة مع احتمالات أن يتجاهل الاتحاد الدولي الموضوع، ويسعى لعدم إثارته على أي مستوى، في ضوء خطورته على البطولة بكاملها، باعتبار الشبهة تطال الدولة المضيفة، والعصف بمنتخبها قد يهدد سير المونديال وما تبقى من مبارياته، وبعيدا عن حسابات وتوازنات الأمر لدى الفيفا، وعن احتمال خطأ تقارير التليفزيون الألماني وأن تكون مناورة في إطار الضغوط والصراعات السياسية بين موسكو وأوروبا، عقب محاولة تسميم العميل الروسي السابق سيرجي سكريبال وابنته يوليا في بريطانيا، وطرد روسيا من مجموعة الدول الثماني الكبرى، فإن الصمت المطبق الذي يخيم على تعامل مجلس الجبلاية مع الأمر، تنفيذيا وإعلاميا وفي إطار قنوات الاتصال مع الاتحاد الدولي، تقصير فادح جديد، يُضاف لسجل الإنجازات السلبية، أو الإخفاقات العظيمة، التي على ما يبدو يتفنن اتحاد الكرة في تحصيل أكبر قدر منها.


فشل يبحث عن صاحب.. واتحاد يغسل يديه
 
الخطأ الأكبر لمجلس إدارة الاتحاد، والذي يؤكد كل الأخطاء السابقة ويلقي مسؤوليتها جميعا على أكتاف الجبلاية، هو مسارعة إدارة البعثة بإعلان الإطاحة بالمدير الفني هيكتور كوبر عقب مباراة روسيا، وقبل 6 أيام من الجولة الأخيرة مع السعودية، وهي جولة تحسين الصورة ورد الاعتبار للفريقين اللذين لم يرتفع رصيدهما من النقاط عن صفر، ومن الطبيعي أن يستميت كل منهما لتحصيل نقاط المباراة الثلاثة حتى يقلل فداحة الرجوع السريع، وأن يُقدم الاتحاد على هذه الخطوة بهذه السرعة، رغم أنه لا مبرر للإقالة أو البحث عن مدير فني جديد الآن، إذ لا يستعد المنتخب لجولات مهمة قريبا، وأقرب فعالياته لن تكون قبل أكتوبر المقبل، فهذا مؤشر بالغ القوة على أن الاتحاد ومسؤوليه يعرفون حجم ما تسبب فيه كوبر للمنتخب، وأنه مسؤول مباشر عن جانب كبير من الإخفاق، وربما كان قرار الإقالة مُعدًّا منذ فترة، حتى قبل السفر لروسيا، والأهم أنه مؤشر فادح على عدم اهتمام الاتحاد بالروح المعنوية للجهاز والفريق، وبأثر اهتزازها على المواجهة الأخيرة مع السعودية وعلى «نقاط الشرف» واجبة التحصيل، وهو تأكيد قاطع لأن الاتحاد لم يكن يستهدف أكثر من الصعود للبطولة، ويعتبر الوصول لروسيا إنجازا لا يحتاج للعمل أو التطلع لما هو أبعد، والأخطر أن القرار في هذا التوقيت محاولة مباشرة لغسيل اليد من الإخفاق، وتحميله للجهاز الفني بمفرده، وهذا أخطر ما في الأمر وأكثره إزعاجا، لأن الإخفاق أيا كانت أسبابه قد يكون مقبولا، هذه طبيعة الرياضة، ولكن غير المقبول أن نكون أمام مسؤولين لا يتحلون بشجاعة تحمل المسؤولية والاعتراف بالخطأ، ويهربون من المواجهة عبر أسهل الحلول، ويشغلهم غسيل أيديهم وتبرئة أنفسهم أكثر من انشغالهم بمصالح منتخب وبلد ومستقبل قطاع رياضي مهم، لا يحتمل المراهنات العشوائية، ولا الباحثين عن وجاهة دون أعباء.
 
مصر بلد كبير، حاضر بثقل وتأثير في دوائره الإقليمية والعالمية، ناجح في رياضات عديدة، جماعية وفردية، يحسب له كثيرون في الشرق والغرب ألف حساب، وحينما يتولى بعض أبنائه تمثيله في محفل مهم، فعليهم أن يراعوا قيمة العلم الذي يرفعونه، ومعنى الاسم والتاريخ والثقل الذي يمثلونه، ولا يليق بهم تحت أي مبرر أو ذريعة، أن يستخفّوا بالأمر ولا يعطوه حقه من الاهتمام والمثابرة والجهد، والاقتتال أيضا، ليكونوا على قدر البلد الذي منحهم شرف تمثيله. أما إذا كنا بصدد الارتكان للحلول القديمة، والبحث عن كبش فداء لتحميله المسؤولية، فالأمر لا يُبشر بأي استدراك لهذه الأمور أو سد للثغرات، وإذا كان الاتحاد قد قرر أن كوبر مسؤول بمفرده عن الإخفاق، فإن الشواهد كلها تؤكد الشراكة الكاملة لمجلس الاتحاد في هذا الإخفاق، وإذا كان رجال الجبلاية قد قرروا من جانبهم القصاص من صاحب نصف المسؤولية، والإطاحة بكوبر وجهازه، فمن يقتص من الشريك في النصف الآخر؟ وهل يمكن المراهنة على أن يفعلها مجلس الاتحاد دون احتماء خلف لوائح الفيفا التي تمنع التدخل في مجالس الاتحادات؟
 
 
طوال الأيام الماضية راهن كثيرون من حُسني النية على أن يتحمل اتحاد الكرة مسؤوليته عمّا حدث، ويقف كما يقف الرجال معترفا بتقصيره وسوءاته، وما جرّه على المنتخب وعلى اسم مصر من كوارث، وما أحاط به من ملاحظات وشبهات مالية وإدارية، وأن يُعلن استقالته وفتح الملفات والخضوع لتحقيق شامل وموسع، لكن المفاجأة أن الاتحاد لم يهرب فقط من تحمل مسؤوليته، ولم يختف عن الأنظار حتى ينسى الناس فضائحه، وإنما كان أكثر صلفا وتبجحا مما قد يذهب له خيال أشد الناس بؤسا، فخرج علينا في مؤتمر صحفي يمارس هواية غسل الأيدي دون أدنى شعور بالمسؤولية أو استشعار للجُرم أو "إحساس على الدم"، والإمعان في إغاظة الجميع بالإعلان دون خجل أنهم لم يُخطئوا، ولهذا لن يستقيلوا ولا يرون مبررا لهذا.
 
أما وأن الاتحاد قد صمم وقطع تذكرته للجحيم بإرادته، جحيم الغضب الشعبي على الأقل، فليس أقل من أن ندعو لفتح ملفاته، ومحاسبته على كل ما أحاط بالبعثة من مخالفات وتجاوزات، سواء في اختيار اللاعبين، أو الإبقاء على كوبر، أو اختيار مقر الإقامة وتكاليفه والوجهة التي وجه لها الاتحاد قيمة الإقامة المستحقة من الفيفا، والشبهات الأخرى التي تداولها متابعون حول بيع التذاكر في السوق السوداء، واصطحاب أفراد من عائلات أعضاء المجلس على حساب البعثة، وما أثاره عضو المجلس مجدي عبد الغني من تهديدات، وما نقلته مصادر من المجلس بحق مجدي ومحاولته السطو على ملابس المنتخب كما قيل وقتها، وغيرها من الملفات الفنية والإدارية والمالية، نضعها أمام الأجهزة الرقابية والقضائية، ونطلب تحقيقا عاجلا مع مجلس الفشلة الذين لا يُحسنون إلا التبجح واستفزاز الناس وغسيل أياديهم من كوارثهم. 
 
ما حدث في روسيا ليس أمرا هيّنا، ولا إخفاقا عاديا سيمر بسهولة، الأمر إشارة لخلل في منظومة مهمة، وفي أكبر الاتحادات الرياضية بمصر، وعدم تقدير للمسؤولية، وسوء إعداد لخطوة كانت حلما طوال 28 سنة، وهروب سريع ممن يجب عليهم الثبات وتحمل المسؤولية، وكلها أمور لا تدع مجالا للشك في أن ذنب المنتخب والكرة المصرية واللاعبين والمشجعين، وذنب مصر نفسها، في رقبة مجلس الجبلاية.

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق