لم تكن جنة.. هكذا خدعتك صور مصر فى عهد الملكية

الجمعة، 29 يونيو 2018 09:00 ص
لم تكن جنة.. هكذا خدعتك صور مصر فى عهد الملكية
مصريين فى اواخر القرن التاسع عشر
كتب محمود حسن

فى مثل هذا اليوم ومنذ 136 عاما، وبتواطؤ من الخديوى توفيق، أعلنت بريطانيا رسميا احتلالها لمصر، وهي على مواقع التواصل الاجتماعى، تروج عدد من الصفحات لفترة "مصر فى عهد الملكية" على اعتبارها واحدة من الفترات التى عاشت فيها مصر فى رخاء ونعيم، أكبرها صفحة تدعى "الصفحة الرسمية لموقع الملك فاروق الأول – ملك مصر"، والتى تحظى بنحو خمسة ملايين متابع، وغيرها من الصفحات التى تنقل صورا تثير الحنين إلى مصر "الملكية" المفتقدة.

 

الكثيرون ينخدعون بهذه الصورة التى تقدمها تلك الصفحات، وهى فى الحقيقة صور جذابة ومخادعة فى الوقت نفسه، إذ تقدم واقعا غير حقيقي عن مصر التى كانت فى عهد الملكية باعتبارها "جنة المصريين" بينما هى فى الحقيقة صورة لطبقة خاصة للغاية، من المواطنين المصريين من المتعلمين والأثرياء والمقربين من السلطة والاحتلال.

مساكن الفلاحين المصريين فى العهد الملكى
 
الصور الخادعة، التى تقتطع الماضى لتضعه فى محلا غير محله، لا تكشف الحقيقة التى أخبرنا عنها المؤرخين والكتاب، من المحتلين أنفسهم عن أحوال المصريين المتردية، ففى مذكراته يحكى الإمام محمد عبده فى مذكراته إن الخديوى إسماعيل وحده كان يمتلك مليون فدان، وهى خمس الأراضى الزراعية فى مصر، فيما كان القانون يعطى الحق لملاك الأراضى فى استخدام الفلاحين للعمل فى أراضيهم دون مقابل!، بل يفرض على الفلاحين أن يحضروا معهم أدوات العمل، وطعمهم وطعام الماشية معهم، أما إذا قدموا من مكان بعيد فلا يصرف لهم سوى أدوات العمل وطعام الماشية، ولكن لا يصرف لهم طعاما!.
ملابس فلاح مصرى اوائل القرن العشرين
ملابس فلاح مصرى اوائل القرن العشرين

 

أما صلاح عيسى فى كتابه "الثورة العرابية" فينقل وصف مراسل جريدة التايمز البريطانية سنة 1879 مشهد جمع الضرائب بأنه رأى بنفسه جباة الضرائب يوقفون جنازة فى أحد القرى، ثم يأمر الجلاد بإنزال النعش من على كتف المشيعين إلى الأرض حتى يدفع الميت ضريبة مستحقة عليه، فيجمع الفلاحين من أنفسهم الضريبة حتى يدفنوا الميت، وكانت ستة قروش فقط!".

السقا فى القاهرة اواخر القرن التاسع عشر ولا أحد يرتدى الحذاء
السقا فى القاهرة اواخر القرن التاسع عشر ولا أحد يرتدى الحذاء

 

كما ينقل كيف رأى السير إدوارد ديسى ألوفا من الأهالى قد جمعوا لحفر ترعة لسقاية مزارع الخديوى، وكان الأمير وقتها حسين كامل مسؤولا عن التفتيش على أراضى الخديوى فى الوجه البحرى، فمر الجلاد معلنا أن البرنس حسين سيأتى للتفتيش على الأراضى الزراعية، فهرع الملاحظون إلى قطع الأغصان الغليظة من الأشجار ونزلوا بها على أجسام العاملين العارية، وكلما مر البرنس ورأى الأنفار تقع على الصخور وتغرق فى الوحل والدماء تسيل من أجسادهم، قال للمدير "أفرين.. أفرين"..أى ( برافو برافو) فلما انتهت الزيارة كان بين العمال 30 قتلى، بل إنه رأى طفلا عمره 8 سنوات تقريبا قد وقف على الجسر فى الطريق يتفرج على موكب التفتيش، فأخذه أحد رؤساء العمال من يده وألقاه فى الترعة فمات".

محل لبيع الأرز والزيوت فى القاهرة
محل لبيع الأرز والزيوت فى القاهرة

ويختتم عيسى هذا المقطع من كتابه قائلا: "ثم ضربت المجاعات مصر واحدة تلو الأخرى ففى المجاعة التى وقعت سنة 1778 أى قبل الثورة العرابية بـ 4 سنوات فقط مات 10 آلاف من الجوع، فيما يصف "روزشتين" أن الفقراء كانوا يلتقطون القمامة وروث البهائم من الطرق كى يأكلوه من فرط جوعهم".

 

لا يتوقف الأمر عند المجاعات وعسف وقمع الفلاحين، بل يصل أيضا إلى ابنائهم والتمييز ضدهم، ففى دراسة أعدها المؤرخ المصرى رؤوف عباس حامد، رئيس الجمعية المصرية التاريخية الأسبق، عن الحركات الوطنية فى مصر فى الفترة من 1918 وحتى 1952، فيروى عن مدى تدهور معيشة المصريين قائلا إن نسبة الفقر فى الريف سنة 1937 بلغت حوالى 76% من سكان الريف وبلغت مع نهاية حكم فاروق حوالى 90%، ويستعين بدراسة لـ "مصلحة الإحصاء" عام 1942 تقول إن ما يلزم للأسرة المكونة من زوج وزوجة وأربعة أولاد لا يقل عن 439 قرشاً فى الشهر طعاماً وكساءً وفق الأسعار الرسمية ومع هذا فقد كان متوسط الأجر الشهرى للعامل الصناعى لا يتجاوز 262 قرشاً فى الشهر أى أن الأغلبية العظمى من "عمالة الحضر" كانت تعيش دون حد الكفاف.

صورة لمصريين فى النوبة
صورة لمصريين من البشاريين فى منطقة حلايب وشلاتين

 

أما هذه الطبقة التى تظهرا الصور مبتسمين ومنعمين وعلى وجوههم ضحكة كبيرة، فإن هؤلاء حاربوا بشدة لكى يبقى عامة المصريين فى غاية الفقر، فيروى رؤوف عباس أيضا مناقشة جرت فى البرلمان المصرى عام 1937، حيث اعتبر بعض النواب أن تعليم أولاد الفقراء "خطر اجتماعى هائل لا يمكن تصور مداه، لأن ذلك لن يؤدى إلى زيادة عدد المتعلمين العاطلين، بل يؤدى إلى ثورات نفسية"، وطالب بأن يقتصر التعليم على أبناء الأغنياء من أهل الريف، وعبر نائب آخر عن خشيته من أن يفسد التعليم أبناء الفالحين، ويجعلهم يعتادون حياة المدينة، ويخرجون إلى حقولهم بالبلاطى والأحذية ويركبون الدراجات، ويتطلعون إلى ركوب السيارات!.

فلاحين مصريين

فلاحين مصريين



وعندما نوقش القانون من جديد فى عام 1938 تجدد الحديث حول الخشية من إفساد التعليم للفالح، وعدم جدوى تعليم أبناء الفالح الجغرافيا والتاريخ بل يجب أن يتعلموا شيئاً عن أدوات الزراعة ودودة القطن وكيفية مقاومتها. وأبدى أحد النواب مخاوفه من أن يجد الفالحين وقد "ارتدوا جلاليب مكوية أو طواقى وأحذية ملونة".

صحيفة الشعب الجديد تنشر مآسى المواطنين فى عهد الملكية
صحيفة الشعب الجديد تنشر مآسى المواطنين فى عهد الملكية

وفى نفس الدراسة يروى رؤوف عباس محاضرة ألقاها حامد جودة بك - رئيس مجلس النواب السعدى - أمام المؤتمر، طالب كبار المالك بتحسين أحوالعمال الزراعة بإقامة مساكن صحية لهم كتلك التى يعنون بإقامتها لمواشيهم، وأن يهتموا بعلاج الفلاح إذا مرض كما يهتمون بعلاج مواشيهم إذا أصابها المرض، وطرح نفس الأفكار فى مجلس النواب فلم يلق أذناً صاغية، بل كان عرضة للنقد من جانب بعض الصحف الحزبية بدعوى الترويج لمبادئ هدامة!.

 
لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

الأكثر تعليقا