هل يُذيب آبي أحمد الثلج القديم؟.. إثيوبيا على البحر الأحمر لأول مرة منذ 20 سنة

الأحد، 08 يوليه 2018 02:00 م
هل يُذيب آبي أحمد الثلج القديم؟.. إثيوبيا على البحر الأحمر لأول مرة منذ 20 سنة
رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد
حازم حسين

بدأ الأمر عقب الحرب العالمية الثانية، تحركت قوات الإمبراطور الإثيوبي هيلاسلاسي إلى الأراضي الإثيوبية، ونجحت في احتلالها، والحصول لاحقا على قرار من الأمم المتحدة بخضوعها للتاج الإثيوبي في اتحاد فيدرالي.

في السنوات التالية شكل المواطنون حركة تحرير إريتريا" التي بدأت صراعا مريرا مع القوات الإثيوبية، سار في إطار مقاومة غير منظمة حتى العام 1961، وهو العام الذي انطلقت فيه حرب تحرير إثيوبيا، التي استمرت ثلاثين عاما كاملة.

يمكن القول إن إريتريا تحررت من الاحتلال الإثيوبي في العام 1991، لكنها استقلت رسميا في مايو 1993 بموجب استفتاء شعبي اختار فيه مواطنوها الاستقلال بتصويت كاسح، لتبدأ بعدها مسيرة من التوتر بين البلدين الجارين.

مشكلة إثيوبيا الكبرى مع الأمر أنها بدون إريتريا دولة حبيسة، فالجارة الصغيرة التي لا تتجاوز مساحتها 121 ألف كيلو متر مربع (اليابسة المتاخمة لإثيوبيا والجزر الصغيرة الموزعة في البحر الأحمر)، تملك ساحلا يمتد 1000 كيلو متر على البحر الأحمر، بينما لا تملك إثيوبيا أي منفذ مباشر على أي من البحار أو المحيطات، وربما لهذا اجتهدت إثيوبيا كثيرا في الإبقاء على نافذتها الواسعة على البحر الأحمر ومضيق باب المندب.

عقب الاستقلال سارت الأمور في مناخ متراوح بين التوتر والهدوء الحذر، قرابة خمس سنوات، ثم انقطعت العلاقات وبدأ تبادل الاتهامات، فتارة تتهم إثيوبيا جارتها الصغيرة بدعم المعارضة وتشجيع أغلبية الأورومو على الانتفاض ضد حكم أقلية التجراي المسيطرة على البلاد، وتارة تتهم إريتريا الجارة الكبيرة بالتدخل المباشر لصنع حالة من التوتر وعدم الاستقرار السياسي، وبين هذه الاتهامات سارت الأمور.

في سنوات رئيسي الوزراء السابقين ميليس زيناوي وهايلي ماريام ديسالين زاد التوتر نسبيا، وخيّمت على أجواء البلدين غيوم من الشك والتوجس المتبادل، بشكل عطّل كثيرا من فرص التكامل والتعاون المفيد للجانبين، خاصة مع مساحة إثيوبيا الشاسعة وسوقها الكبيرة ومواردها الزراعية الضخمة، وقدرات إريتريا الضخمة في الثروات الطبيعية والتعدين، خاصة الذهب والنحاس والجرانيت والرخام والبوتاس، وتحقيقها تحويلات مالية من الخارج بنسبة 32% من الناتج الإجمالي، ونموّا يدور حول 7% وما فوقها خلال السنوات العشر الأخيرة.

هذه السنوات الطويلة من القطيعة تركت مساحة شاسعة من الجفاء، بجانب الآثار الاقتصادية والتجارية، وساهمت بصورة من الصور في زيادة درجة التوتر في الملفات الداخلية بالبلدين، خاصة مع اعتقاد القيادة السياسية السابقة في إثيوبيا، المحسوبة على التيجراي، أن إريتريا تتدخل لدعم عرقية الأورومو، وفي ضوء هذا التوظيف السياسي كان من الصعب توقع أن يتدخل سياسيو التيجراي لإصلاح العلاقات بين البلدين.

من واقع هذا التعقيد، لم يكن مُتوقعا أن يضطلع أحد بمبادرة تحسين العلاقات مع الجارة المهمة إريتريا، إلا سياسي جاد ووشجاع، والأهم ليس من خلفية التيجراي التي استهلكت الملف في التوظيف السياسي، وهو الأمر الذي أشرقت احتمالاته والتوقعات المتفائلة بشأنه مع وصول آبي أحمد للسلطة في أديس أبابا، كونه من الأورومو، ويحمل ملفا إصلاحيا ومبادرات سياسية جادة، بدأت بتواصل مختلف وناضج مع مصر في ملف سد النهضة.

لم يخلف آبي أحمد الظنون ولم يُبق للمتابعين في حالة انتظار طويلة، فبعد أقل من ثلاثة شهور على وصوله لمنصبه، قرر الرجل اتخاذ المبادرة الأولى الجادة منذ أكثر من 20 سنة، بالاتجاه قليلا صوب الشمال الشرقي، والعبور من أديس أبابا إلى أسمرة، في زيارة يمكن وصفها بـ"التاريخية" دون تجاوز أو تهويل.

هكذا وصل آبي أحمد إلى العاصمة الإريترية أسمرة، اليوم الأحد، في زيارة رسمية تُعدّ الأولى لمسؤول إثيوبي بارز منذ قرابة 20 عاما، أي أنها الإطلالة الأولى لإثيوبيا "الحبيسة" على شواطئ البحر الأحمر منذ عقدين على الأقل، ونقلت قناة "سكاي نيوز" في استعراضها لتفاصيل الزيارة، أن رئيس الوزراء الإثيوبي سيبحث مع الرئيس الإريتري، أسياس أفورقي، ملف العلاقات الثنائية بين البلدين، والموضوعات الخلافية المثارة منذ سنوات، وفي مقدمتها ملف الحدود المشتركة.

كانت العاصمة الإثيوبية أديس أبابا قد استقبلت خلال الأسبوع الماضي وفدا رسميا من الجانب الإريتري، في إطار التواصل والتنسيق بشأن زيارة آبي أحمد التي بدأت الأحد وتستمر يومين، ومن المنتظر أن تشكل خطوة مهمة على طريق سدّ كثير من الثغرات في ملف العلاقات الإثيوبية الإريترية، وطيّ صفحة من التوتر بين الجارتين، وهو أحد أطول التوترات السياسية في أفريقيا.

الزيارة دون شك تحرك جاد ومهم من جانب آبي أحمد، خاصة أنه يأتي بعد أيام من محاولة اغتياله في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، التي لم تُفصح الجهات الإثيوبية عن هوية الضالعين فيها، لكن حاول البعض ربطها بدول إقليمية على خلاف مع إثيوبيا، وربطها آخرون من المحللين والمتابعين بموقف أقلية التيجراي المسيطرة على السلطة السياسية في البلاد منذ عقود، ما يُعني أن الرجل يخوض مغامرة خطرة في تحركه، لكنها خطورة محدودة على أية حالة، ولا تتجاوز حدود حياته أو استقرار حكومته، وتظل في النهاية تحركا مهما باتجاه تحقيق مصالح الجارتين، وربما الاعتذار عن عقود من الاحتلال الإثيوبي القاسي لإريتريا.

 
لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

الأكثر تعليقا