حرب تجارية محمولة على البوارج.. بارود الصين ونار أمريكا يهددان العالم من تايوان

الأحد، 08 يوليه 2018 08:00 م
حرب تجارية محمولة على البوارج.. بارود الصين ونار أمريكا يهددان العالم من تايوان
سفينة حربية أمريكية - أرشيفية
حازم حسين - وكالات

بعد أسابيع من المناوشات وحروب التصريحات المتبادلة، دخلت الحرب التجارية بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين حيز النفاذ، باعتماد واشنطن لحزمة الرسوم الجمركية الجديدة على وارداتها من الصين، وتحرك بكين وفق مبدأ الرد بالمثل.

بدأ الأمر بقرارات حادة من الرئيس الأمريكي بفرض رسوم جمركية على واردات الألومنيوم والصلب من عدة دول، بينها كندا والصين، ثم توسع ترامب لاحقا ليفرض رسوما على قائمة من السلع الرأسمالية والاستهلاكية، وبينما انتقدت دول أوروبية الأمر، أعلنت الصين أنها لن تتجاوز الموقف دون رد، وستعامل وارداتها من الولايات المتحدة بالطريقة نفسها.

القرارات الأمريكية بحق الصين شملت فرض رسوم على قائمة واردات بقيمة 34 مليار دولار، والأمر نفسه فعلته بكين مع واردات بالقيمة نفسها، ودخل الأمر مجال السريان في الثانية عشرة من صباح الجمعة الماضية، فيما يبدو أنه قد يكون مقدمة هادئة لحرب تجارية أكثر عنفا، ربما تدخلها دول وقوى اقتصادية أخرى في الفترة المقبلة.

آثار هذه الحرب انعكست بشكل جزئي على حركة التجارة العالمية، فارتفعت أسعار النفط في تداولات الأيام الأخيرة من الأسبوع الماضي، وشهدت أسواق المال تراجعا ملموسا في أسعار الأسهم، خصوصا في بورصات آسيا، مدفوعة بالمخاوف المحيطة من الحرب التجارية وأجوائها.

رغم ارتفاع حرارة الصراع، فإنه لم يتوقف على تبادل حزمة من العقوبات الاقتصادية أو الرسوم الجمركية، ويبدو أنه قد يتجه لاتخاذ منحى سياسي وعسكري في الأيام المقبلة، وقد تنطلق شرارة هذا التطور من تايوان، الإقليم الغني الذي تتعامل معه واشنطن باعتباره بلدا مستقلا، وتعتبره الصين إقليما تابعا لها، وفي ضوء هذا التعقيد فمن المؤكد أن عبور سفينتين حربيتين أمريكيتين من مضيق تايوان أمس السبت، لن يمر على الصين كحدث عادي، وفي الغالب ستفسره تايوان نفسها باعتباره دعما أمريكيا مباشرا لها، وهي الجزيرة التي تتمتع بحكم ذاتي وتسعى للاستقلال الذي ترفضه بكين، في ضوء مناخ التوتر الأمريكي الصيني القائم.

رحلة السفينتين الأمريكيتين ليست سابقة أولى، تكرر الأمر من قبل، لكنه يكتسب الآن وضعية مغايرة لما كان عليه الأمر، تحت ضغط الصراع التجاري المتصاعد وسباق واشنطن وبكين لإثبات القوة والقدرة على الصمود والمناورة، ما يُعني أن أي تحرك أمريكي قريب قد تفسره الصين باعتباره مبادرة لنقل المعركة إلى ملعبها، خاصة أنها عبّرت من قبل عن أن ملف تايوان هو الملف الأكثر حساسية في علاقتها مع الولايات المتحدة، ويزداد تعقيد الأمر في ضوء التزام واشنطن، التي لا تجمعها علاقات رسمية مع تايوان، بمساعدتها في الدفاع عن نفسها، بجانب أنها المصدر المباشر والرئيسي لتسليح الجزيرة.

بجانب هذه المناوشات، قد ندخل مرحلة جديدة من صراع الأرقام، ففي الوقت الذي يُحرز فيه الدولار تقدما، ويواصل أداءه المستقر عالميا، مدعوما بقرار بنك الاحتياطي الفيدرالي قبل أسابيع برفع سعر الفائدة على الودائع 0.25%، مع ترجيحات باتخاذ قرار مشابه في الفترة المقبلة، تواصل الصين أداءها الاقتصادي الإيجابي للغاية، فبحسب تقرير لمؤسسة الأبحاث المالية الدولية المتعاونة مع بنك الصين، فمن المتوقع أن يُسجل اقتصاد التنين الآسيوي نموا نسبته 6.7% في النصف الأول من العام الجاري، بتراجع طفيف للغاية عن نسبة النمو في الربع الأول من العام، وهي نسبة النمو الضخمة قياسا على ما يُحققه الاقتصاد الأمريكي (بالغ الضخامة بالمناسبة) الذي لا يتجاوز نموه 2.3%.

في ضوء هذه الخريطة من التشابكات، فإن الحرب التجارية الآخذة في التنامي قد تتوسع وتستقبل مشاركين جددا في الفترة المقبلة، ما يُعني مزيدا من الآثار والتداعيات على اقتصادات كثير من الدول، وبالضرورة ستحل الدول النامية والفقيرة في مقدمة المتأثرين، مع موجة تضخمية متوقعة بسبب الرسوم الجمركية الجديدة، من المتوقع أن تدفع أسعار كثير من السلع والمنتجات للصعود بنسب كبيرة، في ضوء اتجاه المُصنّعين والمستوردين في الولايات المتحدة والصين وغيرهما لتعويض فاتورة الرسوم الضخمة من الأسواق الأخرى.

من المتوقع أن تطال هذه المخاطر السلع الرأسمالية والمنتجات الأولية، إضافة إلى قائمة طويلة من السلع الاستهلاكية، خاصة أن الصين تمثل المخزن الأوسع لعشرات من الدول حول العالم، وتوفر أغلب احتياجات الدول النامية والمستوردين من أنحاء العالم، لكن مع هذا الأفق من التوقعات السلبية، لا يبدو الأمر مزعجا فيما يخص الآثار المرتقبة على مصر.

بحسب محمد البهي، عضو مجلس إدارة اتحاد الصناعات المصرية ورئيس لجنة الضرائب والجمارك بالاتحاد، فإن الحرب التجارية المتصاعدة بين الولايات المتحدة والصين لن تضر بمصر بشكل مباشر، بل على العكس قد تصب في صالح الصادرات المصرية، مشترطا في هذا الإطار اتخاذ إجراءات عملية للمنافسة وتصعيد المنتجات المحلية عالميا.

يستبعد المسؤول البارز في اتحاد الصناعات، أن تترك الإجراءات الحادة المتبادلة بين واشنطن وبكين آثارا اقتصادية سلبية على المنتجات المصرية، مؤكدا أن هذا الصراع قد يُمثل فرصة واعدة للسوق المصرية في اجتذاب مزيد من الاستثمارات المباشرة، في ضوء أنها ستتحول إلى سوق تنافسية مغرية للمستثمرين والمصنعين من الولايات المتحدة والصين وغيرهما من الدول المرتبطة بالحرب التجارية، في ضوء أن الصادرات المنطلقة منها لن تتعرض لحزمة العقوبات والرسوم الجمركية المتبادلة، ولا تدخل ضمن القرارات الحمائية التي تفرضها القوى المتصارعة.

ربما لا تكون هذه التوقعات الوردية حقيقة كاملة، وتشهد مصر آثارا سلبية جزئية جراء هذه الحرب، وربما تسير الأمور في ضوء هذه القراءة والتوقعات المنطقية، ونحقق معدلات مرتفعة في اجتذاب الاستثمارات المباشرة، والدخول القوي للأسواق العالمية كسوق محايدة من خارج دوائر القرارات الحمائية، تمتلك بنية تحتية جيدة ومناخا اقتصاديا حافزا على الاستثمار في ضوء تكلفة استثمارية منخفضة وعوائد إيجابية للغاية، كل الاحتمالات واردة، لكن المؤكد في كل السيناريوهات المطروحة أن هذه المعركة التجارية ستترك آثارا وندوبا حادة على وجه العالم.

لن تتجاوز المناوشات القائمة بين الولايات المتحدة والصين حدود التلويح المتبادل بكل الأوراق، وبالتأكيد لن تتطور لاشتباك عسكري محدود أو واسع المدى، فربما مضى زمن الحروب الكبرى والاشتباكات المباشرة بين الاقتصادات الضخمة، ولكن هذه الطمأنينة القوية على محور الصراع العسكري، قد تثير القلق على صعيد الاقتصاد، لأنها تُعني أن الجميع لن يكون في مقدورهم إثبات وجودهم وفرض شروطهم إلا من بوابة الاقتصاد، وبالتبعية فإن المعارك الاقتصادية ستكون أكثر راديكالية وحدّة، وربما وسط هذه التشابكات والمماحكات العابرة في ملفات الدول الكبرى، تُطحن عظام دول ومجتمعات صغرى، لن  تتحمل الحرارة الضخمة المتولدة عن التقاء بارود الصين مع نيران أمريكا.

 

 
لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق