هل يقبل الإسلام التشدد والتعصب الفكري؟

الثلاثاء، 10 يوليه 2018 06:18 م
هل يقبل الإسلام التشدد والتعصب الفكري؟
بقلم الدكتور/ ياسر جعفر

عن أبي هريرة رضي الله عنه: إن رسول الله صل عليه وسلم قال:{إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَىْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ}.
 
قد يدفع الحذر الشديد، بعض الناس إلي أن يعلو في دينه، ويتعمق في عبادته، فيكلف نفسه فوق ما تطيق، فيصير على ذلك ردحاً من الزمن ثم تفتر همته وتكل عزيمته ويقل نشاطه، فيتراخى في العمل ويخل بما آلتزم، ولو كان في هذه الحالة واقفاً عند حد التقصير عن بعض النوافل لهان الأمر، لكن مثل قبل أن يصير إلى التراخي إلا عن سآمة وملال وانصراف نفسي عن العبادة، وقلة رغبة فيها وهذا هو ما ينبغي أن يحذر من الوقوع فيه.
 
فقوله صلي الله عليه وسلم {إن الدين يسر} معناه أنه مبني على التكليف في شريعتنا السمحة، عدم الإرهاق والبعد عن العنت وروحها هو الأحتفاظ بالإقبال على الله والرغبة في الطاعة والحذر من كراهية العبادة أو سأمتها، فإن ضرر ذلك يرجو بكثير عما ينتظره من ثواب الأشتغال بالنوافل الكثيرة مدة وينقطع.
 
إنك لتجد في المتعارف بين الناس أن من يداوم على مودة صديقه ويتردد عليه في مواعيد معينة بأستمرار ولو قليلاً، خير ممن يلزمه يوماً أو أسبوعاً ثم ينقطع لا إلى رجعة، وقد ورد أن أحب الأعمال إليه أدومها، وقوله صل الله عليه وسلم: {وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ}، معناها يبين لنا أن الأمر بالرفق والتوسط واللين، وليس الزهد في العبادة والرغبة عنها، وإنما هو المحافظة على النفوس من أن تفلت من مجال الخير وتحيد عن طريق السعادة، فإن الشئ إذا زاد عن حده انقلب إلى ضده، ومشادة الدين مغالبته والأستقصاء في أعماله بغية الوصول إلي غايته، وإن المرء مهما بذل جهده في التقرب إلي الله والقيام بشكره فهو مقصر، فإن توفيقه لهذا الشكر نعمة تستدعي منه شكراً جديداً، ومهما راقب جلاله وعظمته، وجد نفسه في مقام يتطلب منه تعظيماً وإجلالاً وقياماً بحق العبودية، إن لم يكن خوفاً من عقابه فحياء من جنابه، فأي نفس بشرية تستغرق في هذا المقام وتقوم عليه متقطعة عما يلزمها في شأن حياتها، فلابد أن تنصرف، ولأن تنصرف على شوق إلى الرجوع لهذه الحظيرة القدسية، خير من أن ينصرف صاحبها وقرع ملكة الملل واستولت عليه السآمة، وفي معني هذا ما ورد: إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، فإن المنبت لأرضاً قطع ولاظهراً بق، ومعني متانة الدين أن أعمال طاعته غزيرة وأبواب العبادة والزلفى فيه كثيرة، ومسالك الشكر على نعم الله الوفيرة طويلة، فعليكم من الأعمال ما تطيقونه، ومعني المنبت: الذي يكلف مطيته من السير فوق طاقاتها، حتي تهلك منه وهو في أثناء طريقه فلو كان قد بقي مكانه لكان أسلم عاقبة له من الأنقطاع وسط الطريق، وقوله صل الله عليه وسلم {سددوا وقاربوا} كالنتيجة لما سبق من التعليم والتعليل له، والسداد: القصد والتوسط في العمل بالتجافي عن الدرجة الكاملة فليقاربها بلا إجهاد ولا كد، وقوله: (وابشروا) أي بالثواب علي العمل الدائم وإن كان قليلاً، ولا تستقلوا ما تعملون من الطاعات مع المدوامة متي أديتم فروض الله وابتعدتم عن منهياته، كما ورد في الحديث {اتق المحارم تكن أعبد الناس} وإن البشارة في هذا الموضع لتحمل النفوس على الرغبة في المدوامة والابتهاج بهذه المنزلة التي ضمن لها القبول مع سهولتها ويسرها، ومن ابتهج بما هو فيه واغتبط بحاله، كان جديداً بملازته، ولاسيما إذا كان سهلاً هيناً والهدف والغرض من الحديث يدل على أن الإسلام دين سماحة لا يحمل التشدد ولا التعصب الفكري وحث على الأعتدال والتوسط في الأمور عبادة وغيرها، وفيه بيان يسر الإسلام وسماحته وسهولته علي المتعبدين به، وفيه حرص على سلامة نفوس معتنقية وأبدائهم وأنه لم يشق عليهم ولم يأت بتكليف فوق طاقتهم، ومن دعاء القرآن الشريف (ربنا لا تحملنا ما لا طاقة لنا به)، وقوله تعالي {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ}.
 
وليعلم العالم أجمع، أن الإسلام دين يرفض التطرف، ورسالته صل الله عليه وسلم للعالم قوله تعالي {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ، وقوله تعالي {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا}.
 
كما قال النبي صل الله عليه وسلم (مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا)، ومن أجل ذلك، كتب الله على بني إسرائيل أنه: من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً، وهذه إحدى منظورات الإسلام في احترام النفس الإنسانية، وهنا فإننا نفهم أن الإسلام قيمة وقامة سامية لصناعة الخير للبشرية واحترام الحقوق الخاصة والعامة، ورحمة لجميع البشر، بل لجميع المخلوقات، كما في حديث رسول الله صل الله عليه وسلم عن عمر رضي الله عنهما قال:( دخلت امرأة النار في هرة ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشائش الأرض) أي رحمة وصل بها هذا الدين.!!
 
وليعلم العالم أجمع، أن جوهر الإسلام في قوله تعالي {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}، وما أجمل أن يخاطب المشركين بقوله {هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}، {ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَٰذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}، {قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا}، }وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}.

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق