رحلتي إلى كنيسة شهداء ليبيا بقرية العور

الأربعاء، 11 يوليه 2018 10:01 م
رحلتي إلى كنيسة شهداء ليبيا بقرية العور
جمال رشدي يكتب

من كل حدب وصوب يتوافد آلاف المصريين يوميا لزيارة كنيسة شهداء ليبيا بقرية العور التي تبعد عن مركز سمالوط ما يقرب من عشرة كيلومتر، ورغم أنني ابن مركز سمالوط وأيضاً العلاقة التي تربطني بأهل قرية العور، ولكن بسبب ظروف سفري إلى الخارج وغيابي فترة طويلة لم أر فيها كل ما تم من تشييد كنيسة شهداء العور، ومراسم نقل رفات الشهداء إليها، فكان لابد من القيام بالزيارة مع أسرتي.
 
وعلى أثر ذلك نصحني البعض بأن تكون الزيارة في وقت متأخر من الليل بسبب الزحام الشديد نهارا، وفي تمام الساعة التاسعة ليلاً بدأت التحرك إلى الكنيسة، وفي الطريق الذي يربط مركز سمالوط بقرية العور، كانت السيارات تتحرك ذهاباً وإياباً لتعلن وجود حياة تسكن تلك المنطقة التي في الغالب كانت تقل فيها حركة المواصلات في تلك الفترات سابقا، ومن بعيد هناك مناراة الكنيسة وأضوائها التي تخترق ظلمات الليل الذي يعانق تلك المنطقة، ومن بعيد أيضا ترى أنوار منارة الكنيسة وكأنه جزء من سماء بداخلها القمر في ليلة البدر، ويحيطها عناقيد وسلاسل من النجوم المضيئة، ورويدا رويدا وكلما اقتربنا من مكان الكنيسة تجد المصريون أبناء المنطقة يجالسون نسمات الهواء أمام منازلهم الريفية، وفي عيونهم شوق الترحاب بكل الوافدين، هنا الكرم الصعيدي والأصالة الريفية، فأنت في ضيافتهم لأنك في زيارة ليس لشهداء الكنيسة والسماء فقط،، بل لشهدائهم وأبنائهم الذين عاشروهم وجالسوهم وما بينهم من ذكريات عبر صدقات وشركات وتاريخ أجداد وآباء.
 
وفي أثناء ذلك استرجعت شريطا من الزكريات مع أهل قرية العور التي كنت دائم التواجد بها كثيرا منذ سنوات، وكان في هذا الشريط بعض الأشخاص الذين سطروا السطور الأولى من ملحمة البطولة لهؤلاء الشهداء، وهو شيخ كهنة إيباراشية سمالوط القمص إبراهيم استطفانوس الذي رحل منذ آيام والملقب بأبونا "إبراهيم العوري"، وفجاءة وقفت السيارة أمام بوابة الكنيسة وتحرك أحد أفراد الأمن نحونا للترحاب بنا وطلب منَّا الدخول بالسيارة إلى موقف السيارات بالجانب الخلفي، وبالفعل توجهنا حسب تعليمات الأمن إلى ذلك المكان، وعند الدخول من البوابة الالكترونية الخارجية تحرك أحد افراد الأمن وبادر بالسلام الحار ذاكراً اسمى دون أن يكون لي أي معرفة أو علاقة سابقة به، وعند دخولي الفناء الداخلي وجدت نفسي أمام حركة تاريخ عملاقة تتكون من مبنى فخم وضخم وقوي يستمد وجوده من عظمة حضارة وتاريخ الماضي البعيد، أعطي تعليمات ببنائه رئيس جمهورية اسمه عبد الفتاح السيسي ليكون شاهدا على عظمة تلك الحضارة وابن لذلك التاريخ، وقائد روحي عملاق وهو الأنبا بفنوتيوس أسقف إيباراشية سمالوط سليل وطنية الكنيسة المصرية التي هي امتداد للحضارة والتاريخ المصري العظيم.
 
ورغم أن الوقت متأخرا ليلا لكن ما زال المكان بداخله كثيرا من الوافدين، تفرست جيدا في عظمة تشييد المكان والأعمال الهندسية التي به واتخذت أنفاساً من الشهيق ووقفت في شموخ وكأني أقف أمام عظمة تاريخ مصر في سفح الأهرامات، ورويداً رويداً زحفت إلى الداخل وكل خطوة أقف كثيرا لاستقراء شيء جديد في المكان أو في وجوه الوافدين، وبعد قليل وجدت نفسي أمام معرض مقتنيات الشهداء الذي تمت إقامته منذ أيام وبه كل ما يخصهم من ملابس وخلافه بجانب الصندوق الخشبي الذي تم نقل رفاتهم فيه.
 
وفجاءة حركة سريعة من الوافدين تتحرك بسرعة نحو أجساد الشهداء والكل يسأل ماذا حدث وجاءت الإجابة أن هناك معجزة حدثت لأحدهم داخل مزار الشهداء وقفت قليلاً في صمت حتى هدأت التحركات، ثم توجهت إلى مزار أجساد الشهداء لكي أتبارك منهم، وفي الداخل وعند وصولي إلى الأجساد وجدت نفسي أمام صور الشهداء الذين تفحصت صورهم جميعاً وكأني ألقي السلام عليهم، فهم البسطاء الذين كان لا يسمع أحد أصواتهم في الأمس القريب، ولكن خرج منطق إيمانهم الآن إلى كل المعمورة والمسكونة، جرعة روحية جردتني من كل الحاضر وجعلتني أتخلى عن كل شوائب ومقتنيات العالم وأتمني الانطلاق بالروح حيث يوجد هؤلاء، وانتهيت من العناق الروحي معهم وخرجت إلى فناء الكنيسة، حيث استقبلني القس يوليوس شحاتة خادم الكنيسة والمكان استقبالا حارا مع أسرتي، وهو هكذا من الصباح الباكر إلى منتصف الليل يستقبل الجميع ويعمل علي توفير سبل الراحة لهم، وبعد الحديث معه قليلاً أنا وأسرتي ذهبنا إلى الطابق العلوي لنشاهد الكنيسة ومذبح الصلاة، وداخل المكان قالت زوجتي ما كل تلك العظمة فقلت لها الأنبا بفنوتيوس هو كلمة السر والجمال في ذلك المكان، وهنا كانت نهاية زيارتي التي استمرت ساعتين لكن انطلقت بالروح في الكنيسة والوطن وكأنهم دقيقتان أو عقدان من الزمن.

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق