عن علاقة النسب المحرمة بين الفساد والرشوة

الثلاثاء، 17 يوليه 2018 03:43 م
عن علاقة النسب المحرمة بين الفساد والرشوة
الدكتور ياسر جعفر يكتب:

تحدثنا في المقال السابق، عن مافيا العقارات وما فيها من فساد وتلاعب بالغش والتحايل على القانون في البيع والشراء، وما على الدولة من دور هام للتصدي لشبكة الفساد، وفي الطريق وجدت أن الحديث عن الفساد، ارتبط بالرشوة ارتباطاً وثيقا، حتى وجدت أن العلاقة بينهم وصلت إلى حد النَسب، وكونا معا شبكة كبيرة تجاوزت كِبر حجم شبكة الصرف الصحي ! 
وتُعرف الرشوة، أنها المال الذي يدفعه الشخص المنحرف عن طريق الاستقامة، تصرف إلى شخص أخر أكثر منه انحرافاً، كي يساعد آخذ الرشوة من دفعها في الحصول على أموال أو امتيازات أو أمور لا حق له فيها، بل على حقوق الأخرين سواء كانوا أفراداً أو جماعات، أو يخلصه من تبعات ومسئوليات كان من الواجب أن ينهض بها.
 
والرشوة أسلوب من أساليب الأحتيال لامتصاص الأخرين وحرمان المستحقين مما ثبت أو يجب أن يثبت لهم، وإذا شاعت الرشوة بين جماعة قوضت دعائم العدالة بينهم وأوجدت الفساد في اقتصادهم وعلاقاتهم، ونشرت الأحقاد والضغائن فيهم !
وينظر إلى الرشوة على أنها جريمة لا يليق بالمؤمن أن يرتكبها أو يشترك فيها أو يرضي بها أو يسكت عليها، ويعرف أنها محرمة ويعاقب عليها صاحبها في الدنيا والأخرة، وقد استدل الفقهاء على تحريم الرشوة بقول الله تبارك وتعالي في سورة البقرة {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ}، أي لا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل والأحتيال والطريق الحرام والوسيلة الأثمة، وهي طريق الرشوة، وقد جعل القرأن الكريم أكل مال أخيه في الإسلام كأكل مال نفسه بالباطل، وذلك لأن الله جعل المؤمنين أخوة، ولذلك اعتبر قاتل أخيه كقاتل نفسه ومهلكها،  وأراد الله تعالى بهذا أن ينبه على  أن احترام مال غيرك وحفظه هو عين الأحترام وحفظ لمالك، لأن استحلال الأعتداء وأخذ المال بغير حق يعرض كل مال للضياع والذهاب، وكأنه قال لا يأكل بعضكم مال بعض بطريق الرشوة التي تفسد المجتمع، لأن ذلك جناية على نفس الأكل، من حيث هو جناية على الأمة التى هو أحد أعضائها، فلا بد أن يصيبه سهم من كل جناية تقع عليها، فهو باستحلاله مال غيره يجرئ غيره على استحلال أكل ماله إذا أستطاع، ولقد جاء في الجزء الثاني من كتاب النهاية في غريب الحديث للأمام ابن الأثير، أن النبي صل الله عليه وسلم قال (لعن الله الراشي والمرتشي والرائش)، والراشي هو الذي يعطي مالاً أو هدية لمن يعينه على باطل أو أثم، أو يمكنه من الحصول على شئ لا يستحقه، والمرتشي هو الذي يأخذ المال في مقابل إعانته على الأثم والباطل ويجعل من الحق باطلاً ومن الباطل حقاً، والرائش الوسيط بينهما، أي الذي يسمي بين الطرفين ويحاول أن يستفيد من الراشي والمرتشي معاً، أو من أحدهما وفي هذه الحالة يكون رسولاً في الباطل، كما أن انتشار الرشوة بين المجتمع ويكون شعار للفساد !
 
مع انتشار فيروس الرشوة، ينبغي على رجال القانون الضرب بيد من حديد ودون هوادة، على هؤلاء الفاسدين بشدة، لأنها آفة خطيرة تتشري بين المجتمع وتجعل من الباطل حقاً ومن الحق باطلاً، وتكون سبباً في ضياع حقوق الذين يستحقون التميز في أعمالهم، كما أنه قد تكون سبباً في أن يضيع شخصاً تحت يده حقوق للبشر، لأنه جاء للعمل عن طريق فساد وهي الرشوة، ويصير المجتمع بلا هوية حقيقة وبلا هدف بسبب هذه الآفة الخطيرة، وقد حكم  الرسول صل الله عليه وسلم على الثلاثة باللعنة، واللعن هو الطرد من رحمة الله تعالى، مع التعرض لنقمته وعذابه، وهذا يدل على أن الإسلام ينفر من الرشوة وكل ما هو سيئ ويضر بالفرد والمجتمع ويحيد عن العدالة، وإذا كانت الرشوة تشوه سمعة صاحبها في الدنيا، فإنها في الوقت نفسه تصب عليه غضب الله، وتجعله محروماً من نعمة التحلي بالدين السليم والخلق الكريم، لقول رسول الله (مَنْ اسْتَعْمَلْنَاهُ عَلَى عَمَلٍ فَرَزَقْنَاهُ" أي اعطيناه أجراً أو مرتباً"، رِزْقًا فَمَا أَخَذَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ غُلُولٌ)، أي سرقة أو اختلاس يستحق عليه عقاب الله، وذلك لأن زيادة على ما يأخذه من أجر أو مرتب، وهو يضيف إلى هذه الجريمة جريمة أخرى، وهي أنه يمكن دافع الرشوة من أشياء لا يستحقها بل يحرم عليه أخذها.
الرشوة قد تعطى بطريق غير مباشر، أو في صورة هدية، لذلك نرى رسول الله يحرم على الولاة والحكام أن يأخذوا هدايا من الأفراد وهم في مناصبهم، ولقد حدث أن رجلاً ولاه النبي صل الله عليه وسلم ولاية، ثم جاء الرجل بعد حين ومعه مال قدمه إلى النبي قائلاً: (هذا لكم، وكان معه هدايا أخرى، قال عنها: وهذا أُهدي إليّ، فغضب النبي من ذلك وقام فخطب في الناس وقال (أما بعد فإني استعمل الرجل منكم على العمل بما ولاني الله، فيأتي فيقول: هذا لكم وهذه هدية أُهديت إليّ فهلا جلس في بيت أبيه وأمه حتي تأتيه هديته إن كان صادقاً؟، والله لا يأخذ أحد منكم شيئاً بغير حقه إلا لقي الله يحمله يوم القيامة، فلا أعرفن أحداً منكم يلقي الله يحمل بعيراً له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تبعر اللهم هل بلغت)، ويريد الرسول صل الله عليه وسلم من هذا أن يمنع هؤلاء من قبول الهدايا لأنفسهم، لأنهم سيأخذونها بقوة مناصبهم وولاياتهم، وقبولهم لها يؤدي إلي محاباة أصحابها على حساب غيرهم فتكون رشوة، فتكون حراماً.
 
 ربما تكون الهدايا في صور متعددة، كشقة أو سيارة أو موبايل أو ساعة، أو شراكة في عمل ما بنسبة.. إلخ، والواجب شرعاً على الإنسان، إنفاق ماله فيما أوجب الله من حقوق أو تبعات أو فيما أباحه كالتمتع بالطيبات، ولكنه يحرم شرعاً إنفاق الإنسان، لماله في شئ محرم كالرشوة، كما أن الشريعة حرمت أخذ المال دون مقابل حقيقي حلال لهذا المال، والقانون المعاصر يتجه إلي التيسر والتخفيف على الشخص الذي تضطره الظروف القاهرة إلى تقديم رشوة ليصل بها إلى حقه ثم يعترف بذلك، وهذا يذكرنا بما جاء في تعاليم الإسلام، وهو أن من أعطى مالاً ليتوصل به إلى أخذ حقه، إذا دفع الظلم عنه، ولم يجد إلا هذه الطريقة، فإنه لا يدخل في نطاق اللعنة التي ذكرها النبي صل الله عليه وسلم في حديثه.
 
ويروي التاريخ الإسلامي كما يذكر ابن الأثير في النهاية، أن عبد الله بن مسعود وهو أحد الصحابة، كان في أرض الحبشة فقبضوا عليه، وقالوا له وهو مسجون: إن دفعت دينارين اطلقنا سراحك وخلينا سبيلك، فدفعهما، وقال ابن الأثير(روي عن جماعة من ائمة التابعين قالوا: لا يأس إن يصانع الرجل عن نفسه وماله إذا خاف الظلم)، ولكن هذا لا ينبغي، حيث أن الرشوة جريمة وانحراف، وعمل لا يليق ولا يباح، لأنه يؤدي إلى الظلم وهضم الحقوق واضطراب الموازين وفساد الأمور، والله تعالي يقول {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا}، كما قال الشيخ ابن عثيمن رحمه الله: (أما الرشوة التي يتوصل بها الإنسان إلى حقه إلا بشئ من المال، فإن هذا حرام على الأخذ وليس حراماً على المعطي، لأن المعطي إنما أعطى من أجل الوصول إلى حقه، لكن الأخذ الذي أخذ تلك الرشوة هو الأثم لأنه أخذ ما لا يستحق).
 
حفظ الله مصر وجعلها أمناً أماناً، حفظ الله الأمة العربية وجعلها على قلب رجل واحد.

 
لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

الأكثر تعليقا