لماذا نحب عبد الناصر ولماذا نكرهه؟

الثلاثاء، 24 يوليه 2018 09:26 ص
لماذا نحب عبد الناصر ولماذا نكرهه؟
أيمن عبد التواب يكتب:

هل كان عبد الناصر ملاكًا أو نبيًا ليستحق كل هذه الهالة من التقديس من جانب أنصاره، ومحبيه، ودراويشه؟ وهل كان شيطانًا مريدًا لينال كل هذه اللعنات من خصومه، وضحاياه، ومنتقديه؟
 
الحقيقة التي لا مراء فيها فيها أن عبد الناصر «بشر»، نعم بشر، ينطق عن الهوى. يصيب ويخطئ. ينجح ويفشل.. لكن هناك مَنْ لا يريد الاعتراف بذلك، إما إعجابًا بناصر، وإما لاستفادة شخصية، وإما إنكارًا لواقعٍ لا يبغي رؤيته بأم عينيه.
 
باستثناء الملائكة والأنبياء، فإن «البشرية» هي معيار تقييم أي شخص، مهما بلغ شأنه، وعلت منزلته. وفي طريقنا للإجابة على السؤال متصدر المقال، وجدنا أنه من الأفضل عدم الإدلاء برأينا، مكتفين بوضع إنجازات وإخفاقات ناصر، والتي كانت سببًا في رفعه إلى عنان السماء، والهبوط به إلى سابع أرض.
 
ربما كانت أهم الأسباب التي جعلت من عبد الناصر «معشوقًا» لدى فئات كثيرة، أنه- أولًا- أصدر قانون الإصلاح الزراعي، وملَّكَ الفلاح المصري بضعة أفدنة اقتطعها ناصر ورفاقه من الباشوات وكبار الإقطاعيين.. فأصبح الفلاح مالكًا بعد أن كان أجيرًا. هذه الخطوة وحدها كفيلة بعشق ناصر. ولِمَ لا وهناك مَنْ يأخذ من غيري ويعطيني!
 
ثانيًا: تحقيق الجلاء عن مصر ساهم في ارتفاع شعبية عبد الناصر، خاصة وأن المصريين يرون بأعينهم أهداف الثورة تتحقق، منها القضاء على الاستعمار وأعوانه، والقضاء على الاحتكار، والقضاء على الإقطاع وسيطرة رأس المال.
 
ثالثًا: إقامة نهضة صناعية لا يمكن التشكيك فيها، متمثلة في سلسلة مصانع القطاع العام، وإن تحولت بعد ذلك إلى «مغارة» للسلب والنهب المنظم. فكما يقول المأثور: «المال السايب يعلم السرقة».
 
رابعًا: مجانية التعليم حتى المرحلة الجامعية، بعد أن كانت الجامعة بمصروفات لا يقدر عليها الفقراء.
 
خامسًا: إنشاء المصانع الحربية، ودخول مصر عصر الصناعات الثقيلة، والصناعات الحربية، وعهد المفاعلات النووية، «أنشاص»، وغزو الفضاء.
 
سادسًا: إنشاء التليفزيون المصري، و«السد العالي» الذي يعتبر من أكثر المشروعات التي جعلت كثير من المصريين، المؤيدين والمعارضين، يعجبون بناصر، وإصراره على مسح مرارة الإخفاقات بواحد من أضخم الأبنية في العالم، وقتذاك.
 
سابعًا: بساطته، وطهارة يده. وهذه غنية عن الكلام.
 
ثامنًا: أكثر الأمور التي جعلت من عبد الناصر معشوقًا، أنه يجيد الكلام، والتحدث في المصريين بما يحبون أن يسمعوه.. فرأيناه يأسر عقولهم، ويسلب قلوبهم بحديثه المرتجل عن الثورة، والمستقبل، والأحلام، حتى وإن تحولت الأحلام إلى كوابيس!
 
هذه بعض إنجازات ناصر التي شفعت له عند نكسة يونيو 1967، وخرجت الجماهير- بتلقائية- ترفض تنحيه عن السلطة.
 
لكن كارهي عبد الناصر، أو منتقديه، أو ضحاياه، فيسجلون عليه كثير من المآخذ، منها:-
 
أولًا: بأمر من عبد الناصر، أهين محمد نجيب- أول رئيس للجمهورية- وشُرِّدَ، ووُضِعَ تحت الإقامة الجبرية؛ بسبب إصرار الأخير على عودة الجيش إلى ثكناته، وعودة الحياة النيابية إلى سابق ‏عهدها، بوجود رئيس مدني ومجلس نواب حقيقي.
 
ثانيًا: إسناد بعض الملفات «المصيرية» إلى أهل الثقة، وليس أهل الخبرة والكفاءة، فأسند ملف السودان إلى رفيقه «صلاح سالم»، فكانت النتيجة أن انفصل السودان عن مصر، وفقدنا حديقتنا الجنوبية.
 
ثالثًا: أي خبرة وكفاءة نادرة تلك التي كان ‏عبد الحكيم عامر يتمتع بها، ليرقيه عبد الناصر ترقيات استثنائية، لم ولن تحدث في تاريخ العسكرية المصرية، ويعينه قائدًا عامًا ووزيرًا للدفاع! أليس كل مؤهلات المشير أنه صديق الزعيم؟!
 
رابعًا: «زوار الفجر». هذه الظاهرة تفشت في عهد الزعيم خالد الذكر، بعدما أحكم قبضته الحديدية على ‏مقاليد ‏الحكم، وشهدت السجون حالات تعذيب لا تعد ولا تحصى، واعتُقل الشيعيون، والشيوعيون، والشعراء والمثقفون والفنانون.. وأنشئت محاكم خاصة بالشعب والثورة والغدر والطواريء تتخص كلٌ منها في قضايا معينة. فضلًا عن كبت حرية الصحافة، وسيطرة الأمن على كل نواحى الحياة، والتنكيل بالمعارضين وإيداعهم السجون.
 
خامسًا: «وأد الحياة السياسية»، بصدور ‏قرار بحل جميع الأحزاب، وإلغاء إنشائها مرة أخرى، واستبدالها بالاتحاد الاشتراكي، معتمدًا على سياسة التنظيم الواحد التي قتلت فكرة وجود أي معارضة للسلطة.
 
سادسًا: «عدم تداول السلطة». ثورة يوليو- بالأساس- قامت ضد الملكية باعتبارها حكمًا توارثيًا، واستُبدلت الجمهورية بالملكية، ورغم ذلك ظل جمال عبد الناصر في الحكم، القائم على ‏الموافقة على الاستفتاء لمد فترة الرئاسة مرة أخرى!
 
سابعًا: «التأميم». بالقرارات الاشتراكية، وعلى رأسها التأميم، أعطى عبد الناصر مَنْ لا يملك ما لا  يستحق؛ ففُتِّت الأراضي الزراعية، ودُمرت بعض الصناعات المصرية، وقُتلت المشروعات المصرية الخاصة والرأسمالية الوطنية الواعدة.. تأميم مصانع ياسين للزجاج، وشركة أبو رجيلة للنقل نموذجان صارخان لاغتصاب الأموال الخاصة، لأن التأميم لم يكن بقرائن وأدلة وتحقيقات عادلة، ولا كان تحت قوة العدل والقضاء، بل كان- في كثير من الأحيان- نابعًا من الحقد على الناجحين من خارج «شلة الحكم»!
 
ثامنًا: ‏حرب اليمن، وما أدراك ما خسائرنا في حرب اليمن.. ثم نكسة 1967، وما تلاها من انكسارنا أمام إسرائيل، واحتلال سيناء وقطاع غزة ‏والضفة الغربية..!
 
إذًا نحن أمام إنجازات وإخفاقات لرئيس حكم مصر 18 عامًا، ورحل تاركًا جدلًا لم ولن ينتهي حوله، من محبيه وكارهيه، من مؤيديه ومعارضيه، من الذين يبلعون له الزلط، ومن الذين يقفون له على الواحدة!

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق