إزاي بتضحَك عالوجع؟!

السبت، 28 يوليه 2018 12:11 م
 إزاي بتضحَك عالوجع؟!
أيمن عبد التواب

أيهما أفضل؛ البوح أم الكتمان؟ أن تتجرع قسوة الألم في صمت، وتصبر على ما ابتليت به، وتحمل همومك بمفردك، أم أن يشاركك الآخرون ما تشعر به، كما نرى على مواقع التواصل الاجتماعي؟ هل مشاركة الآخرين لآلامنا وأحزاننا وأتراحنا وأفراحنا ظاهرة صحية، أم بحاجة إلى إعادة نظر؟
 
إن لم تخذلني الذاكرة، لم أكن قد تجاوزت الثامنة من عمري، حينما تغيَّب أبي- رحمه الله- عن منزلنا قرابة أسبوعين.. ولما استفسرتُ من أمي- رحمها الله- نَفَتْ علمها بأسباب غيابه، أو بمكان وجوده؛ مكتفية بإجابة أشبه بإجابات موظفي الحكومة: «أبوك عنده شغل»، إلا أن وجهها كان يدل على عكس ما تحاول أن تخفيه عنا.
 
عاد أبي. لم يكن وجهه بنفس الوجه الذي ألفناه. عرفنا بعد ذلك أنه خضع لإجراء عملية جراحية، استلزمت بقاءه في المستشفى نحو أسبوعين، وأنه لم يشأ أن يُخبر أحدًا بما كان يشعر به؛ «حتى لا يُثقل على الآخرين».
 
«همومي كما أوزاري، أحملها وحدي». هكذا برَّر الوالد موقفه لأمي، التي يبدو أنها لم تقتنع بكلامه.. ولما كبرتُ وصرتُ ووالدي صديقين، أخبرني أن أحدًا من الناس حين تتكالب عليه المشكلات، وتحاصره الأزمات، وتزداد عليه الهموم، يتعفف أن يعرض على الآخرين أن يتقاسموا معه همومه، وآلامه، فيؤثر الابتعاد عن عيونهم؛ حتى لا يُزيد أوجاعهم.
 
«التمس للناس ألف عذر».. شعار أبي المفضل، فلم يكن يغضب من أحدٍ لم يواسيه في حزنٍ، أو يُهنئه في فرح.. فـ«ربنا أعلم بظروف كل واحد»، كما كان يردد عندما نخبره أن فلانًا لم يأتِ للعزاء في فقدان عزيز لدينا، أو لمشاركتنا مناسبة مفرحة لأحد من عائلتنا.
 
كبرتُ وكبرتْ بداخلي صورة ومأثورات أبي؛ وباتتْ مكونًا رئيسًا في شخصيتي، فتعاملتُ بها، واتخذتها منهجًا.. لدرجة أنني لم أُخبر أحدًا- إلا أقرب المقربين مني- عندما خضعت لإجراء عدة عمليات جراحية.. حتى عندما اخترعوا «فيس بوك وتويتر»، لم أفعل مثل ملايين «الفسابكة» الذين إذا أصابهم فَرْحٌ ملأوا الفيس صورًا وفيديوهات وتدوينات مبهجة.. أما إذا مسَّهم قَرْحٌ فلم يتورعوا أن يملأوا حساباتهم الإليكترونيةبـ«أشعر بالوحدة»، أو بـ«المرض»، أو بـ«التعاسة»، أو بـ«اليأس»، أو بـ«القرف».. إلخ.
 
ربما يظن البعض أنني مؤسس «الحزب الوطني الانطوائي»، أو يفسر تصرفاتي كدليل على عدم رغبتي في مشاركة الآخرين أفراحهم وأتراحهم؛ واضعين أمامهم نماذج لبشرٍ حينما يتعرضون لأتفه الحوادث يريدون من الآخرين مشاركتهم فيها، ويسرفون في مطاردة غيرهم؛ ليحملوا عنهم همومهم ومشكلاتهم، فإن لم يستجيبوا لهم بـ«زيارة»، أو بـ«مكالمة هاتفية»، أو بـ«لايك» أو بـ«كومنت»، تضجروا، وصبُّوا عليهم اللعنات، وربما يصل الأمر إلى حد القطيعة بينهما.
 
«الإنسان حيوان اجتماعي». هذه حقيقة لا يمكن لأحد إنكارها؛ لذا فنحن بحاجة إلى مَنْ يسمعنا وقت الضيق، ويخفف عنا آلام البعد ولوعة الفراق، ويصون أسرارنا، ويستر عوراتنا، ويُهدي إلينا عيوبنا، ويحفظ أمانة ما نبوح به، ويفهمنا إذا ما تحدثنا إليه..
 
لكن هل كل شخص يصلح لهذه المهمة؟ بالطبع لا.. فأنتَ مَنْ تصطفي صديقك الصدوق.. فلا تقترب من جميع الناس وتُحمِّلهم هموما فوق همومهم، وآلامًا فوق آلامهم.. فالبشر ليسوا سواء في هذه الصفات.. وكم من شخصٍ ضحوكٍ لا تفارق الابتسامة شفتيه يحمل بين جنبيه ما تنوء بحمله الجبال.. وكم من شخص عابس متجهم يحمل قلبًا قادرًا على احتواء كل آلام العالم.
 
عن نفسي، ما كنتُ أحبذ الحديث عن مرضي- رغم ضراوته- إلا أن بعض الأصدقاء نصحوني بأن أفعل؛ ليعلم القاصي والداني، ولأحل نفسي من العتاب واللوم.. فمعذرة لكل مَنْ جرحت مشاعرهم، وأوجعت قلوبهم، وأدمعت عيونهم، أو تسببت لهم في ألم نفسي.. فليس مقصدي الشكوى من المرض- حاشا لله- بل السخرية منه، والتذكير بأن المرض لا يهزم إنسانًا إلا إذا كان هذا الإنسان مستعدًا للهزيمة، وأنا- بإيمان كامل بالله- لست هذا البائس.
 
رحم الله عمنا صلاح جاهين، حين قال:
 
يخرِب شيطانك يا جدع
 
إزاي بتضحَك عالوجع
 
وتقول مفيش
 
الدنيا كيف مبتِكسَركش
 
والبُعد كيف مبيوجَعَكش
 
وإزاي- برغم الخوف وكلاكيع البشر-
 
قادر تعيش!

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق