ليس في الإمكان أبدع مما كان.. لماذا لا يمكن تطبيق «ضريبة الأغنياء» في مصر؟

الجمعة، 03 أغسطس 2018 09:00 ص
ليس في الإمكان أبدع مما كان.. لماذا لا يمكن تطبيق «ضريبة الأغنياء» في مصر؟
الدكتور محمد معيط وزير المالية

 
كثيرا ما تُثار أحاديث من مختصين أو من عوام الناس حول المنظومة الضريبية في مصر، وكثيرا ما يطالب بعض الناس بتطبيق نظام تصاعدي في الضريبية، بينما تشير التجربة العملية إلى صعوبة الأمر.
 
الفكرة ليست جديدة بشكل كامل، وطرح أن يتحمل الأغنياء مزيدا من الأعباء الضريبية أمر ليس مخترعا، ومصر نفسها عرفته من قبل، ومن يرون صعوبة هذا الأمر يُقيّمون الأمور بالآثار السلبية المتوقعة من ورائه، وأبرزها الضغط على الاستثمار ومعدلات دوران رأس المال وخلق مزيد من الوظائف والفرص الاقتصادية والاستثمارية.. وهو ما يكفي لطرح الفكرة للمناقشة بشكل جاد وشامل قبل اتخاذ قرار نهائي بشأنها.
 

مشروع القانون المقترح من النائب مصطفى بكرى، بشأن زيادة ضريبة الدخل على الأفراد الذين يزيد دخلهم عن مليون جنيه إلى 30%، أثار الكثير من اللغظ والانتقادات، لكن الأمر لن يحسمه سوى بدأ الانعقاد الرابع للبرلمان، حينها يتقدم بكري بمشروع القانون المقترح من رجل الأعمال محمد فريد خميس رئيس اتحاد المستثمرين.
 
 
اقتراح خميس ليس الأول، فقد تقدم بنفس هذا المقترح من قبل أكثر من مرة، ولكن فى كل مرة يواجه بالرفض خوفا من التأثير السلبى على مناخ الاستثمار.
 
وتتعامل مصر بالضريبة التصاعدية وذلك في الضريبة على دخل الأفراد، وتخضع لشرائح حسب الدخل بداية من نسبة 10% للأفراد الذين يزيد دخلهم عن 80 ألف جنيه سنويًا وحتى 30 ألف جنيه، وتتدرج الضريبة ارتفاع كلما زاد الدخل وصولا لأعلى نسبة تفرض بواقع 22.5% على من يزيد دخله عن 200 ألف جنيه، أما بالنسبة للشركات فتخضع لسعر ضريبى موحد 22.5%.
 
ويتضم مقترح بكري فرض ضريبة على من يزيد دخله على مليون جنيه بسعر 30% ولو لفترة مؤقتة لم يحدد مدتها.
 
ليست المرة الأولى، فالرئيس المؤقت عدلى منصور قرارا بقانون فى يونيو 2014 بفرض ضريبة مؤقتة على الدخل بنسبة 5% لمن يزيد دخله عن مليون جنيه لمدة ثلاث سنوات، وصفت وقتها بـ«ضريبة الأغنياء»، ولكن لم يتم تطبيقها سوى لعام واحد فقط ثم تم إلغائها بعد اكتشاف عدم جدواها ووجود صعوبات فى تنفيذها، خاصة وأن «الأغنياء» الخاضعين للضريبة اعتبروا هذه الضريبة المؤقتة من التكاليف واجبة الخصم وتم خصم ما دفعوه من قيمة ضريبة الدخل المستحقة عليهم سنويا، وبالتالى لم يكن هناك حصيلة حقيقية من الضريبة.
 
فى الوقت الذى اعترضت فيه لجنة الاستثمار بمجلس النواب على زيادة سعر الضريبة، أعلنت لجنة الخطة والموازنة حاجتها لدراسة الأمر بصورة جيدة مع وزارة المالية المعنية بملف الضرائب، ولكن يبقى السؤال: هل تضر زيادة الضرائب بفرص الاستثمار؟ وهل تتجه دول العالم لزيادة الضرائب لجلب المزيد من الموارد أم تلجأ للتخفيض لجذب استثمارات أو منعا لهروب رؤوس أموال شركاتها لدول الملاجئ الضريبية؟
 
الاتجاه العالمى حاليا هو تخفيض الضرائب على الدخل خاصة بالنسبة للشركات، وخفضت فرنسا الضرائب، ويدرس ترامب تخفيضات جديدة بالضرائب الأمريكية، سعيا لمنع الشركات من الانتقال برؤوس اموالها وأرباحها للخارج إلى دول تفرض ضرائب منخفضة أو لا تفرض ضرائب من الأساس.
 
ويؤكد عبد الله العادلى مستشار الضرائب بمكتب برايس ووتر هاوس كوبرز، رفضه لأى زيادة فى سعر الضريبة، قائلًا: «كفاية تعديلات ضريبية.. الحكومة تحصل الضرائب من نفس الممولين، عليها توسيع قاعدة المجتمع الضريبى وتحصيل الضرائب من الاقتصاد غير الرسمى».
 
ويرى العادلى أن سعر الضريبة فى مصر مناسب جدا، خاصة وأن سعر الضرائب على الدخل فى الدول العربية والدول المجاورة منخفضة، وبعضها لا يفرض ضرائب دخل من الأساس، وأن مصر ليست تحتاج إلى زيادات جديدة فى الضرائب وإنما إرساء الثقة بين الحكومة والممولين لتحصيل الضرائب من الجميع.
 
وأجرت مصر أكبر تخفيض فى سعر الضريبة على الدخل من 40 إلى 20% عام 2005، ضمن مجموعة من الإصلاحات الاقتصادية التى اتخذتها الحكومة فى تلك الفترة، وهو ما وصفه تقرير صادر عن منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية لتقييم مناخ الاستثمار، إن هذه الاصلاحات أسفرت عن زيادة تدفقات الاستثمار الأجنبى المباشر فى القطاعات غير البترولية من 30 إلى 60% بفضل هذه الإصلاحات وذلك خلال الفترة من 2001 إلى 2006.
 
وطال قانون الضرائب على الدخل الصادر عام 2005 كبير جدا من التعديلات من صدوره، فرغم تخفيضه سعر الضريبة على على الشركات من 40 إلى 20%، فقد تم تعديل سعر الضريبة أكثر من مرة لترتفع على 25% ثم تنخفض إلى 22.5%.
 
ويشير الدكتور مصطفى عبد القادر خبير الضرائب الدولية بالأمم المتحدة، إلى أن المقارنة بين الدول من حيث سعر الضريبة ليس صحيحا، لكن التقييم يتم على أساس معدل الضريبة الفعلى، فقد تكون دولة تفرض ضرائب نسبتها مرتفعة ولكنها تخصم مثلًا تكاليف الرعاية الصحية والتعليم والأعباء العائلية، فهنا يكون عبء الضريبة على الأسرة أقل من دولة تفرض سعر ضريبة منخفض ولكنها لا تخصم هذه الأعباء من وعاء الضريبة.
 
وأكد رئيس مصلحة الضرائب الأسبق، على أن الالتزام الضريبى هو أهم ما يجب أن تنظر إليه الحكومة، لأن زيادة الضرائب يؤدى لارتفاع معدلات التهرب، وزيادة الحصيلة الضريبية لن تتحقق بزيادة سعر الضريبة وإنما بزيادة الالتزام بسداد الضريبة.
 
وقال عبد القادر، إن مجلس منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية، ومجلس الوحدة الأوروبية سيعيد تقييم النظم الضريبية فى العالم، لافتًا إلى أن التوجه العالمى هو تخفيض سعر الضرائب مدللاً على الولايات المتحدة الأمريكية التى خفضت الضرائب إلى 21% على الشركات من 35% فى السابق، وهو القانون الذى أقره الكونجرس فى نهاية 2017.
 
وخفض القانون الأمريكى الجديد نسبة الضرائب على الشركات إلى أقل من المتوسط العالمى وهو حوالى 22.5%، وكان سعر الضريبة المرتفع سببًا رئيسيًا فى قيام العديد من الشركات الأمريكية الكبرى بالتحايل على القانون بنقل مقراتها الرئيسية إلى دول تفرض ضرائب منخفضة "الملاذات الضريبية" حتى تدفع أقل قدر ممكن من الضرائب سنويًا.
 
وتعرض قانون الضرائب على الدخل رقم 91 لسنة 2005 لأكثر من 17 تعديلات منذ صدوره، ويتخوف الخبراء من كثرة التعديلات التى تؤثر على قرارات الاستثمار، وأنه لابد من استقرار تشريعى، مع تحسين أداء الإدارة الضريبية.

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق