أخر مشاريع كيسنجر "أمريكا وروسيا ضد الصين"

الجمعة، 03 أغسطس 2018 04:25 م
أخر مشاريع كيسنجر "أمريكا وروسيا ضد الصين"
د. مغازى البدراوى

 
يدور الحديث الأن فى أوساط سياسية واستراتيجية فى موسكو وواشنطن عن مساعى أمريكية يقوم بها الرئيس الأمريكى دونالد ترامب للتقارب مع روسيا وتكوين تحالف معها ضد العملاق الصينى الذى يشكل صعوده تهديداً للجميع، على حد وصف خبراء أمريكيين.
 
رغم أن العلاقات الروسية – الصينية الآن من القوة والمتانة بحيث لا يستطيع أحد اختراقها ، إلا أن الأمريكيين يلعبون على عامل الزمن وتغير الظروف، وربما لما بعد رحيل الرئيس الروسى فيلاديمير بوتين من الحكم، باعتباره الأكثر حرصاً على تقوية وتطوير العلاقات مع الصين، كما يرى البعض أن الرئيس بوتين براغماتى بالدرجة التى تهمه معها مصالح روسيا قبل كل شئ، وبالتالى إذا تطورت مصالح روسيا مع الولايات المتحدة وكان لدى واشنطن ما تقدمه لروسيا أكبر مما تقدمه الصين لها، فلما لا، خاصة وأنه كما يقول البعض أن "كل مشاكل روسيا من أمريكا بينما ليس كل مصالح روسيا مع الصين".
 
كاهن السياسة الأمريكية المخضرم هنرى كيسنجر صاحب برنامج "احتواء الصين" فى منتصف سبعينات القرن الماضى، هو الآن صاحب فكرة تقارب واشنطن وموسكو ضد بكين، وكتبت صحيفة "جازيتا رو" الروسية تقول أن الدبلوماسى الأمريكى الأسطورى، وزير الخارجية الأمريكى الأسبق هنرى كيسنجر، التقى مراراً مع دونالد ترامب ونصحه بالتعاون مع روسيا لمواجهة الصين المتنامية القوة، ونصح ترامب باستخدام الاستراتيجية التى طورها فى السبعينيات لاحتواء الاتحاد السوفييتى.
 
وقالت الصحيفة الروسية أن ترامب نفسه، تحدث عن الحاجة إلى توحيد القوى مع روسيا لاحتواء الصين، بينما كان لا يزال مرشحًا لرئاسة الولايات المتحدة، فى صيف العام 2016، فقد قال فى مهرجان فى لاس فيجاس: "الصين لا تطيقنا، الكل يكرهنا، إلى جانب أنهم يكسبون من ورائنا، لطالما سمعت أن أسوأ ما يمكن أن يحدث لبلدنا هو التقارب بين روسيا والصين، نحن قربناهما بأنفسنا، إنه أمر فظيع لبلدنا، جعلناهما صديقتين. أعتقد حقا أننى سأتفق مع روسيا".
 
رغم يقين البعض بأن الظروف تتغير والسياسة لا تعرف المستحيل، وعدو الأمس ممكن يصبح صديق الغد، ومثال كوريا الشمالية واضح، إلا أن كافة المعطيات على أرض الواقع تعوق تحقيق هذه الخطة الأمريكية من كافة الجوانب، ورغم أن تاريخ العلاقات الروسية والسوفيتية – الصينية لم يكن إيجابياً، والخلافات كانت بين العملاقين الشيوعيين مشتعلة دائماً، وصراعهما على زعامة العالم الشيوعى لم يتوقف حتى لحظة انهيار الاتحاد السوفييتى، وحتى بعد الإنهيار لم تكن العلاقات جيدة فى عهد الرئيس الروسى الراحل بوريس يلتسين، إلا أن الظروف تغيرت على الساحة الدولية بشكل جذرى، خاصة بعد أحداث الحادى عشر من سبتمبر عام 2001، والتى أعلنت بعدها الولايات المتحدة عن حملتها العسكرية ضد ما أسمته بالإرهاب الدولى، واختارت أفغانستان نقطة الهجوم الأولى لتوجيه قواتها وقوات حلف الناتو إليها، حينذاك استشعرتا كل من موسكو وبكين معا أن هناك خطر كبير يستهدفهما معا، خاصة بعد أن زرعت الولايات المتحدة قواعدها العسكرية فى دول أسيا الوسطى الواقعة بين روسيا والصين، وبدا واضحا للبلدين أن هناك مخططات لتصدير الإرهاب من أفغانستان وأسيا الوسطى إليهما، حيث اشتعلت الحركات الانفصالية والعمليات الإرهابية فى منطقة شمال القوقاز جنوب روسيا، بينما ظهرت بوادر الاضطرابات فى الأقاليم الشمالية الشرقية من الصين التى تسكنها أقليات مسلمة. 
 
حينذاك قررتا روسيا والصين، ولأول مرة فى تاريخهما، أن يتقاربا ويتحدا من أجل مواجهة الخطر المشترك، وكانت دول أسيا الوسطى الواقعة بينهما، تشكل بالنسبة لهما نقطة ضعف كبيرة، حيث التواجد العسكرى الأمريكى فى هذه الدول، وحيث الحدود المفتوحة، والغير خاضعة للمراقبة، لهذه الدول مع روسيا والصين، مما يسمح بتسرب الجماعات الإرهابية والمخدرات من أفغانستان عبر دول أسيا الوسطى إلى كل من روسيا والصين. 
 
من هذا المنطلق جاءت فكرة تأسيس " منظمة شنجهاى للتعاون" فى عام 2001 بمبادرة صينية رحبت بها روسيا لتضم معهما أربعة جمهوريات من أسيا الوسطى هم كازاخستان وقيرغيزيا وأوزبكستان وطاجيكستان، هذه المنظمة التى شهدت أول مناورات عسكرية روسية - صينية مشتركة فى أغسطس عام 2005، وهذا حدث تاريخى لم يكن أحد يتصوره، ولا حتى فى زمن الحرب الباردة، وشارك فى هذه المناورات نحو عشرة آلاف عسكرى وقطاعات حيوية واستراتيجية من قوات البلدين ومن البلدان أعضاء منظمة شنجهاى للتعاون، وتقدمت واشنطن بطلب لحضور المناورات كمراقب، ورُفض طلبها بينما دعى عسكريون من الهند وإيران لحضور المناورات، الأمر الذى وضع علامات استفهام كثيرة لدى الغرب حول الأهداف غير المعلنة لهذه المناورات، وحول توجهات منظمة شنجهاى الاستراتيجية، ثم توالت المناورات المشتركة بين البلدان الست الأعضاء فى المنظمة بشكل دورى.
 
زادت وتيرة التعاون المشترك والتقارب الواضح بين الصين وروسيا فى مختلف المجالات، وبشكل ملحوظ، مع تولى الرئيس فلاديمير بوتين الحكم فى روسيا عام 2000، وأصبحت الصين ثانى أكبر مستورد للسلاح الروسى بعد الهند، وبلغت نسبة السلاح الروسى فى الجيش الصينى نحو 70 % ، وتزود روسيا الصين بأحدث الأسلحة والتكنولوجيا العسكرية، ووافق الرئيس الروسى بوتين أثناء زيارته للصين فى أكتوبر عام 2004 على تزويد بكين بمنظومة الدفاع الصاروخية "إس 300"، وهى المنظومة التى كانت واشنطن فى منتصف التسعينات من القرن الماضي، قد حصلت على تعهد من الرئيس الروسى الراحل بوريس يلتسين بعدم تصديرها لأى جهة أجنبية. 
 
وفى عام 2005 كانت لروسيا وقفة قوية إلى جانب الصين فى أزمتها النفطية الحادة التى كانت تهدد برامج التنمية الاقتصادية فى الصين،  هذه الأزمة التى أدت إلى نقص الوقود لإمداد نحو 24 إقليم من اصل واحد وثلاثين إقليم صينى بالكهرباء، كما باتت مئات المصانع الصينية مهددة بالتوقف عن العمل، حيث ارتفعت أسعار النفط آنذاك بشكل ملحوظ، لتعوق خطط التنمية الاقتصادية والصناعية، والتى كانت تحتاج لكميات كبيرة من مصادر الطاقة، ورفض الغرب إمداد الصين بالنفط رغم قدرتها على دفع ثمنه، ولم تجد بكين أمامها سوى جارتها الكبرى روسيا التى لم تضيع الفرصة لكسب العملاق الصيني، حيث وافق الرئيس الروسى بوتين على الفور، على سد احتياجات الصين من النفط والغاز، وعرض بوتين على بكين الاستثمار فى قطاع النفط الروسي، ووافقت الصين على الفور على إيداع 12 مليار دولار استثمارات فى قطاع النفط الروسي، ليحقق بوتين بذلك صفقة تاريخية بكسب الصين كحليف قوى ومرتبط ارتباطا مصيريا بروسيا التى تستطيع أن تعطيه ما لا يستطيع غيرها أن يعطيه له، ألا وهو الطاقة والسلاح الحديث.
 
وفى شهر مايو 2014 أعلن عن "مشروع القرن"، وهو أكبر مشروع فى تاريخ مصادر الطاقة، والذى بمقتضاه ستحصل الصين على ما لا يقل عن 38 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعى سنوياً من روسيا بداية من عام 2018، ولمدة ثلاثين عاماً، وقدرت قيمة المشروع بنحو 400 مليار دولار، ولم تكن صدمة الغرب من هذا المشروع لقيته المالية الكبيرة، بل لأنه سيقرب بين روسيا والصين بشكل كبير لسنوات طويلة قادمة. 
 
لقد تطورت العلاقات بين روسيا والصين بشكل غير عادى يصعب على أية قوة أو جهة فى العالم التأثير فيه، وتطور التعاون الاستراتيجى بين البلدين للدرجة التى لم يعد معها مجالاً للشك فى أن تحالف دولى قوى قد ظهر على الساحة الدولية، يجمع العملاق العسكرى السياسى روسيا والعملاق الاقتصادى الصين، وأن هذا التحالف سوف يغير بالقطع موازين القوى العالمية فى المستقبل القريب، وحتى بعد رحيل بوتين عن الحكم فى الكرملين، ومجيء نظام أخر، فإن تغيير هذه الأوضاع سيكون شبه مستحيل، خاصة وأن مؤشرات التطور داخل الولايات المتحدة وخارجها تعكس تراجع كبير فى مكانة القطب الأمريكى الأوحد وأفول نجمه وسعى حلفائه وأصدقائه للانفضاض من حوله . 
 

 
لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق