نجيب الرواية العربية

الإثنين، 13 أغسطس 2018 03:20 م
نجيب الرواية العربية
منى أحمد

 
 
 
 
كان يؤمن أن العقل الواعى هو القادر على احترام الفكرة، حتى ولو لم يؤمن بها هذا الوعى الذى استطاع من خلاله الأديب العالمى نجيب محفوظ أن ينقل إبداعه من المحيط الضيق إلى آفاق رحبة فانطلقت شخصياته الروائية الشديدة المحلية إلى العالمية متجاوزة حدود جغرافيا المكان والزمان من خلال أعمال شديدة الثراء والتميز تنوعت بين الواقعية والرمزية والفلسفية.
 
نسج محفوظ رواياته مرتكزا على الطبقة المتوسطة التى ينتمى اليها، فتارة نراه متمحورا حول قضاياها الاجتماعية من خلال المتغيرات السياسية والاقتصادية، وتارة أخرى ومن خلال ذات الطبقة نراه منطلقا فى تصوير النوازع الإنسانية بكل تناقضاتها وخفاياها النفسية الغامضة التى تعكس لغة واحدة هى لغة الإنسان الحائر أمام قضايا وجودية من خلال البحث وراء المعانى الكبرى وصياغتها فى نسيج روائى متجاوز الواقع المادى بإيحاءات رمزية ذات دلالات فلسفية جعلته ينتقل فى رواياته من مستوى الكتابة الإبداعية إلى الرؤية الأعمق متعددة الابعاد، محدثة حالة من الجدل الابداعى لأديب شديد الثراء من طراز شديد الخصوصية.
 
وكانت الحارة المصرية هى القاسم المشترك لإنتاجه الادبى فهى ملهمة محفوظ، وبطله الرئيسى الذى استوحى منه وأضاف عليه استوعب ملامحه وتفاصيله فرسم منه صورة دقيقة بنماذج انسانية بسيطة تارة ومعقدة تارة أخرى ليرصد لنا مشهد يعج بحراك اجتماعي وتحولات سياسية واقتصادية صاحبها متغيرات ترتبت عليها فجاء ابداعه عبراكثر من خمسون عاما مكملا لحقبة تاريخية لايمكن فهمهما فهما صحيحا بدون قراءة أدب نجيب محفوظ. 
 
أضاف لموهبة محفوظ العبقرية حسن استخدامه للسرد باليات بلاغية رفيعة المستوى واختياره للألفاظ  بمفردات ثرية سلسة عبرت  عن كل طبقة من الطبقات اجتماعية وكان السهل الممتنع الرفيع فى ذات اللحظة فاخرج اللغة العربية من فضائها الهلامى وعليائها  اللغوى الكلاسيكى  ونزع عنها قدسيتها وشحنها بهواء جديد ممزوج بملح الأرض. 
 
فتطورت اللغة العربية كثيراً وأصبحت الأجيال الروائية التى تلت جيل محفوظ مدينة له  فقد رسم الطريق لتأسيس لغة طيعة دقيقة شديدة الالتصاق بالواقع فى تحولاته الدائمة. لغة قادرة على أن تقول حقيقتنا هنا والآن.
 
تميز اخر تفرد به السرد الروائى عند محفوظ وهو براعته فى استحضار الصورة الذهنية للمكان بتفاصيله الجغرافية وعبقه الزمانى فجعل للمكان صورة وللزمن رائحة يشعر بها قارئه ويستحضرها وهو يتنقل بين سطور رواياته التى قدمت لنا وصفا دقيقا فتعانق المكان الجغرافى بالمكان الإبداعى فى إعماله التى جعلت للمكان دورا كبيرا فى مسارات أدب نجيب محفوظ.
 
نجيب محفوظ منارة تنويرية وهرم ابداعى يضاف لأهرامات مصر الخالدة  غاب الجسد لكن يظل إيقونة أدبية حاضرة بقوة فى الوجدان المصرى والعربى وكواحد من الرموز الرفيعة للادب العالمي.
 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق