"الظل"

السبت، 01 سبتمبر 2018 01:23 م
 "الظل"
إيما خليل تكتب :

 

1

سحابة فوق الكتاب ، تعويذة إمرأة لرجل ، شباك الغرفة المطل علي سماء بلا مطر، الرسوم علي تراب المقهي..

أصدقاء الطفولة ، والغرباء.. وأول الحب...

كنت بجلد ينزف الندى ويدأً تورق الحجر..

وقلب إنطوائي نظيف كعين  اليمام..

وكنت أقول في سري لآخري الشخصي..

ها هو أمامك الباعوض يأكله ضوء القمر ..

وها هو وراءك طريقاً يملأه نجوم تضئ أعالي الشجر..

وها هو أنت.. كل هذه الأعوام ولدت كما تريد..

كان عندي أفكار كالحفر لا اقترب منها مخافة السقوط فيها..

 وأفكار كالطرق تحملني على السفر ، وأفكار كالقهوة لا تجعلني أنام الليل..

وأفكار مثل الشجر دبت بجذورها في أعماقي ببطء شديد لاتخاف الزمن وأصبح لها جذع وغصون وأوراق تلقي بظلالها على رأسي وبخضرة في عيني وأحياناً يأوى إليها كلبي الصغير..

كان دوماً المفكر يكبح خيال الروائي داخلي ..

وأسلك وحدي طرقًأ ملتوية لم تعبدها أقدام الذين لا يجربون شيئًأ جديدًا حتى تكاد تهلكني الوحشة والصبر..

وأعود إليهم في كل مرة لا أكسب شيئاً إلا الوصول متأخراً ..

أعود إلي صورة الأب ، الأشقاء الثلاث ، صراخ الأم ، والأرغفة والنبيذ والأغطية و"الكلب"...

وأشعر حينها أنني في سجن دائم لا مفر منه وإن سافرت آخر العالم..

هوًة داخلي وأنا داخلها..

وحيداً كهباءاً عابث حتي وإن كنت كامل التكوين..

فالعواصف دوماً اشد تنكيلا ًبمن تجده وحيداً..

ويبقي بيني وبيني سفر يحولني إلي روائي ردئ..

فتبدأ الرواية في كل مرة بغصة في الحلق، والشعور بأن شيئًأ ما ليس على ما يرام ، وحنين للعودة ، وخطاب المجهول والبحث عن شريك يشاركني هذا الملح..

 

"2"

 

كنت أمشي كان يمشي ..كنت أجلس كان يجلس ..

كنت أركض كان يركض.. أبكي فيبكي .. أضحك فيضحك..

أهوي فيهوي..

استدرت للطريق الآخر فاستدار معي..

 يتبعني ،  يكبر حيناً ثم يصغر حيناً كالظل..

قلت أخدعه وأخرج من غروب مدينتي فرأيته أمامي في شروق مدينة أخري..

حتي عندما عدت متكئاً علي عكازي حملته معي علي كتفي..

كان هو الشبيه الذي وقع علي الشبيه فلا أراه ولا يراني..

 وحيدين متوحدين كأننا لا ذكر ولا أنثي...

قد يكون له اسم آخر وصراع آخر إلا أن وصفه حالتي جعلني أنجو من صفات الأرض ومن كل ماكان عادياً من الأشياء....

 هذا المتمرس المتكبر الذي إجتاز كل الخيوط في عبور وعكتي الصحية واختراقها كالطفل حين يتحسس جلد أمه..

وصار كندبة الشقاء في عِرق كَتِف الأجير..

كالكف في جسد القتيل..

 كمرآة بعيون لا تغالط أري فيها ما خبأته عن الجميع دون جهد..

 كالغريب الذي احترق داخلي ومشي خلفي حائراً..

مشي خلفي مستسلماً مؤتلفاً كالوليد يتنفس بعد المخاض لأول مرة..

فأحببت نفسي وآنست واستسلمت..

آنست واستسلمت كالنائم في الفراغ..

مرتاحاً لا أحلم ولا أفكر ، لا أشعر سوي به تحت قدمي وفوق كتفي.. كالجني حلً بالمفردات فتوقف كل شئ في لحظة توقف من بعدها مرور الزمن ..

فكم من الوقت إنقضي عندما اكتشفت أننا توأمين بوجهين كل منهم هو الآخر..

وتمنيت أن يخطِئنا القدر..

تمنيت أن يخطِئنا الموت..

 

 

"3"

 

والآن..

ما كل هذا الصمت .. وما هذا الفراغ بين جبهتين؟!..

جبهة تحمل الحنين إلي الآله والأصل وجبهة تحمل الذين إبتكروا أسماءهم من جهة أخرى..

أدنو منه ، دنوت ودنوت فلم أجدني واقفاً أو ماشياً..
ودني هو مني فلم يجدني أيضاً...

كالظل يمشي على الماء..

 

ومن منا كان الظل إذن؟!..

استمر في شرب الخمر لأبقي ما أراه علي الحياد..

وأحدق في اللاشئ بحثاً عن اللاشئ..

وأسأله ..

هل كان العمي كل هذا الوقت هو الصديق الأحمق؟..

 أم أنها مهابة اللاشئ تألهه؟ ..

أكنتُ وحدي دون أن أدري بأنني كنت وحدي؟

 أم أنها عجلة الحُلم والعَجْز حملتني معها وقالت تسكن بي أينما يقع الصدي فكنت أنت مجرد صدي؟!..

هل كنت أنت أنا من أحدثه كل هذا الليل..

ولو كنت أنا كيف احتاج الغريب للغريب..

 

يقول لي :

بدوني ستبقى وحيداً بعيداً ..

ستتوقف عن ممارسةِ الحياة وتختار للوجودِ شكلاً جديداً..

 سيكون عليكَ التوقف عن الكلام مادُمتَ اخترتَ أن تقول الحقيقة..

ستبقى بعيداً وستظل الملامح هادئة الجمال مبهمة طالما بقيت الوجوه عنك بعيدة..

ستبقى بعيداً وستكمل كل يوم رسم الدائرة..
نفس الدائرة ، تستيقظُ لتنام وتعودُ فتصحو من جديد..
ستعتاد فعل ذلك حتى تغفو أخيراً.. بلا أجوبة..

وستنتظر الموتَ في هدوء الملائكة..

بدوني..ستبقى بعيداً 
لا شيءَ هناكَ يفاجئك.. لا نظرة ترسم البسمة فوق العيون..
ولا كلمة تملؤ الصدر بالغضب..
لا شيء هناك في انتظارك.. إلا انتظارك للأبد..
 

بدوني ..ستبقى بعيداً..
ستتذوق في الطعام اعتياد الماء، ودخان السيجارة سيصيرُ كالهواء.. 
ستتنفسُ ببطءٍ الحزن العميق ولن تصادفك النهايات السعيدة ..

بدوني .. ستبقى وحيداً .. بعيداً..

 

قد أكون يوماً انا الأب أوالأخ أوالحبيب أو الشريك..

قد أكون نبيك..

ونبيك هو أنت فلا تعش داخل جبهته..

وقد تكون أنت هو أنا في إختلاف الصور..

أنت وآخرك الشخصي إثنان في ثنائية تتناغم في إختلاف الصور..

 

 وإن كان لابد من حل لهذا اللغز..

وإن كان هناك في الأمر إلتباساً.. فقط عليً أن أمشي وأمشي وأمشي معك إلى أن أذوب تماماً..
ويشربني الضوء عند نهاية هذا السفر..

 حتي يلحق بنا إحدي النساء تصرخ خلفنا :

تعالي يا ابن الحمقاء ولا تقرع..

فهناك شخصٌ ما يطارد نفسَهُ...؟!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق