صرخة "خن أنوب" المسموعة في القاهرة بعد 4000 سنة.. هكذا انتصرت يوليو للفلاح الفصيح

الأحد، 09 سبتمبر 2018 03:13 م
صرخة "خن أنوب" المسموعة في القاهرة بعد 4000 سنة.. هكذا انتصرت يوليو للفلاح الفصيح
الزعيم الراحل جمال عبد الناصر وعيد الفلاح
حازم حسين

"من يُبحِر مع الكذب لا يصل إلى اليابسة، وهذه السفينة لن تستطيع أن ترسو في ميناء، لا تكن خفيفًا ولا ثقيلاً، لا تكن سريعًا ولا بطيئًا، لا تُخفِ وجهك عمّا تراه، لا تعمِ عينيك عمّا تراه، لا تكن متراخيًا وأعلن كلمتك، ها أنا أشكو إليك ولكنك لا تسمع، سأذهب وأشكوك إلى أنوبيس".. بهذه العبارات اختتم "خن أنوب" المعروف في التاريخ المصري بلقب "الفلاح الفصيح" رسائله التسعة إلى الفرعون، بعدما تعرض للظلم من النبيل رينسي بن ميرو والمشرف على أرضه "نمتيناخت".
 
القصة التي جرت في القرن الحادي والعشرين قبل الميلاد في زمن الأسرة التاسعة أو العاشرة من أسرات الحكم في مصر القديمة (قبل 4200 سنة تقريبا من الآن) بدأت وقائعها في منطقة إهناسيا بمحافظة بني سويف حاليا. مرّ "خن أنوب" بحماره جوار أرض النبيل رينسي، فاتهمه المشرف "نمتيناخت" بإتلاف الزرع، وتعدّى عليه وأهانه، فبدأ الفلاح الفصيح يكتب مظلمته للفرعون، وامتدت الكتابة حتى بلغت 9 رسائل، وفي آخر رسالته التاسعة قال "سأذهب وأشكوك إلى أنوبيس".. أنوبيس هو إله الموتى في مصر القديمة، له جسد إنسان ورأس حيوان "ابن آوى"، والمعنى في الرسالة أن الفلاح المظلوم قرر التخلّص من حياته ولقاء الإله أنوبيس ليشكو له ما شهده من ظلم.
 
رغم أن الحكاية القديمة تقول إن ذكر الفلاح الفصيح لاسم الإله أنوبيس كان دافعا على أن يتدخل الفرعون وينهي المظلمة، ويستعيد حق "خن أنوب" من النبيل رينسي ومدير أراضيه "نمتيناخت"، بل وتصل بالأمر إلى تعيين الفلاح الفصيح مشرفا على الأرض بدلا من المشرف الذي أهانه، إلا أن سلسلة القهر التي تعرض لها الفلاح الفصيح، وبالتأكيد طالت آلاف الفلاحين الذين لم تسعفهم الفصاحة على الشكوى واستعادة حقوقهم، ظلت ممتدة ومتصاعدة ومُحكمة حول رقاب حُماة الأرض وجنود الخير والاخضرار. وظل الأنين متصاعدا قرونا تالية، ورغم آلاف الرسائل المكتومة طوال هذه القرون، لم يشهد الفلاحون أي استجابة إلا في 9 سبتمبر 1952.
 
الملك فاروق وحاشيته

بلد جديد ومنظومة اجتماعية جديدة 
 
 
يوافق اليوم العيد 66 للفلاح. بدأت المناسبة بإصدار قانون الإصلاح الزراعي رقم 178 لسنة 1952 بعد قرابة شهر ونصف الشهر من ثورة 23 يوليو، ليعيد ضبط الأوضاع فيما يخص ملكية الأراضي الزراعية، ويحدّ من تغوّل الإقطاعيين وكبار المُلاّك على الفلاحين والمستأجرين والأجراء، ويضع ملامح منظومة اجتماعية واقتصادية وزراعية جديدة، تتوافق مع مرحلة شهدت تأسيس نظام سياسي جديد.
 
لم يكن الوضع جيدا فيما يخص خريطة الملكية الزراعية في مصر. كان أقل من نصف في المائة من السكان يملكون كل شيء تقريبا، وأكثر من 99% لا يملكون شيئا، أو هم أنفسهم يُحسبون ضمن أملاك الإقطاعيين والرأسماليين والملك ورجاله وحاشيته. ظل الميزان مائلا والاختلال آخذا في التصاعد، تحت ضغط تغوّل الأغنياء وازديادهم غنىً، ونموّ أعداد الفقراء وازديادهم فقرا. لكن في الوقت نفسه كانت هناك أفكار تحاول أن تبدو إنسانية نوعا ما، حتى لو لم يُكتب لها النجاح.
 
وضع الحزب الوطني الذي أسسه الزعيم محمد فريد في مطلع القرن الماضي قضايا الزراعة وحقوق الفلاحين ضمن أولوياته، فاهتم بتشكيل جمعيات تعاونية ونقابات زراعية. في السياق نفسه عمل حزب الوفد الذي حاز الأغلبية البرلمانية سنوات طويلة على تعزيز نظام الائتمان الزراعي، ودعا في العام 1935 لتكثيف أعمال استصلاح الأراضي وتوزيعها على المزارعين. لكن كانت أول محاولة جادة لوضع تشريع لتحديد الملكية الزراعية في 1944، مع تقدم عضو مجلس الشيوخ عن حزب الهيئة السعدية، النائب محمد خطاب، بمشروع قانون لتحديد الملكية الفردية بـ50 فدانا. واجه المشروع هجوما حادا في البرلمان، ودافع أغلب النواب (كانوا من الإقطاعيين والأعيان وكبار العائلات) عن الملكيات الضخمة، مُعدّدين فوائدها للاقتصاد في ضوء منحها قدرة للمالك على تنظيم الزراعة وتجويد الإنتاج، وهو ما لا يتوفر للمزارع الصغير. خرج "خطاب" من المجلس لاحقا، ورُفض المشروع رسميا في العام 1947.
 
لا يمكن القول إن تحركات الحزب الوطني وحزب الوفد ونائب الهيئة السعدية، أو حتى مشروع الملك فاروق بتوزيع عدد من الأفدنة المُستصلحة على فلاحي إحدى قرى دمياط، كانت تُمثّل اتجاها حقيقيا وجادا لهيكلة الملكيات الزراعية، والوصول إلى قدر من التوازن بين كبار المُلاّك وعموم الفلاحين والمزارعين. في الحقيقة كانت الخطوة الجادة الوحيدة تقريبا صدور قانون الإصلاح الزراعي بعد أسابيع من ثورة يوليو.
 
جمال عبد الناصر  (1)
 

تطورات الإصلاح الزراعي

الضربة الأولى التي أحدثتها ثورة يوليو بالقانون 178 لسنة 1952 كانت تمهيدا لمسار إصلاحي طويل، ونتيجة طبيعة المرحلة في 1952 والميراث الذي تركته القرون والسنوات السابقة، كان إنجاز أي رؤية إصلاحية شاملة يحتاج قدرا من التدرج المحسوب، لهذا نص القانون الأول على تحديد الملكية بـ200 فدان مع حق كل مالك في هبة 100 فدان لأبنائه، وسمح للمُلاّك ببيع نصف أراضيهم بالطريقة التي يرونها، قبل أن تعتمد الإدارة السياسية بعد يوليو الخطوة التالية في المسار الصاعد.

بعد 9 سنوات من الثورة أصدر الرئيس جمال عبد الناصر القانون رقم 127 لسنة 1961، الذي عُرف بـ"قانون الإصلاح الزراعي الثاني". في هذه المرحلة جرى تحديد الملكية الزراعية بـ100 فدان للفرد، إضافة إلى 50 فدانا للأبناء (للانتفاع فقط). ونص القانون على منع البيع من المالك لأبنائه، وأيضا ألغى كل الاستثناءات التي نص عليها القانون السابق، ومنها ما يخص الأراضي قليلة الخصوبة، وساهم هذا القانون في استعادة أكثر من 214 ألف فدان من قبضة كبار المُلاّك والعائلات الإقطاعية.

مرت ثماني سنوات أخرى قبل أن يصدر الرئيس عبد الناصر أيضا القانون رقم 50 لسنة 1969 (قانون الإصلاح الزراعي الثالث) الذي حدّد ملكية الفرد بـ50 فدانا. وكانت حصيلة القوانين الثلاثة منذ 1952 حتى 1969 توزيع قرابة المليون فدان على الفلاحين، منها أكثر من 775 ألف فدان (10% من إجمالي الأراضي الزراعية في مصر) انتُزعت من الإقطاعيين بموجب قوانين الإصلاح الزراعي بنسبة 77.5%، وحوالي 185 ألف فدان بنسبة 18.5% كانت في حوزة عدد من الجهات والمؤسسات الحكومية بنسبة، وأكثر من 30 ألف فدان من أراضي طرح النهر بنسبة 4%. وبلغ عدد المستفيدين من هذه التوزيعات وسنوات الإصلاح حوالي 325 ألفا و670 أسرة بما يقترب من مليوني مواطن.
 
أراضى-زراعية
 

فرحة الفقراء وبلطجة عدلي لملوم

تأسَّس قانون الإصلاح الزراعي على 6 مبادئ أساسية، هي: تحديد الملكية، وتوزيع الأراضي على الفلاحين، وإنشاء جمعيات تعاونية، وتنظيم علاقة المُلاّك والمستأجرين، وتنظيم علاقة صاحب الأرض والأُجراء. واشترط القانون في توزيع الأراضي على الفلاحين أن يكون المستفيد مصريا من أبوين مصريين، مشهودا له بحُسن السمعة والسلوك، وقادرا على الوفاء بالأعباء والالتزامات التي يرتبها عليه النظام الجديد للملكية.

وشمل القانون قرابة 775 ألف فدان كانت بحوزة 1789 مالكا. لكن بسبب النص الذي تضمنه القانون 178 لسنة 1952 وسمح لكبار المُلاّك ببيع الأراضي الزائدة على الحد الأقصى لمن يرونه، فإن قرابة نصف هذه المساحة لم يشملها الأمر، حتى أُدخل تعديل على القانون في أكتوبر 1953 بحظر بيع الأرض الزائدة بمعرفة مالكيها. لكن بتجاوز هذه الثغرة فإن القانون ساهم بدرجة كبيرة في ضبط أوضاع المستأجرين والأجراء وعمال التراحيل.

كان التفات القانون للعلاقة بين المالك والمستأجر تطورا مهما في النظرة التشريعية، التي كانت منحازة في السابق للمُلاّك على حساب المستأجرين. واستهدف من هذا النص ضمان قيام علاقة إيجارية متوازنة وتمتع الفلاح بحقوق الانتفاع بشكل مستقر وغير مكبّل بالأعباء أو معدوم الحقوق، إضافة لالتماس آليات واضحة وثابتة لتحديد القيمة الإيجارية النقدية أو مستحقات نظام الشراكة في المحصول، مع الالتفات لحماية الأجراء وعمال التراحيل من استغلال المُلاّك ومقاولي الأنفار، وأيضا إلغاء الائتمان الزراعي بضمان الأرض على أن يتحول الضمان إلى المحصول، وتعزيز دور الجمعيات التعاونية الزراعية للتوسع في التسليف العيني والنقدي.

الأثر الأوّلي الذي أحدثه القانون كان عاصفا، فبين ترحيب فئات واسعة من المجتمع، بين فلاحين وقانونيين وسياسيين، أخذت طبقة كبار المُلاّك وممثلوهم في دوائر السلطة مواقف حادة وعنيفة من القانون. بدأ الأمر باستقالة حكومة علي ماهر، تبع ذلك إعلان عشرات من كبار السياسيين مُلاّك الأراضي في الوقت نفسه، ووجوه بارزة من باشوات وأعيان الأحزاب السياسية معارضة القانون. لم يتوقف الأمر عند الاستهجان والانتقاد وإنما تطوّر إلى المجابهة العنيفة، وكانت الصورة الأكثر فداحة في المنيا مع تصدّي عدلي لملوم  وعشرات من عائلته الإقطاعية لسلطة ثورة يوليو وحشد مئات المسلحين لمنع تنفيذ القانون، ما اضطر الدولة لمواجهته وإلزامه بالقانون جبريا.

 

ملايين الفلاحين وعشرات المُلاّك

كانت هياكل الملكية قبل ثورة يوليو 1952 موزّعة على صور عدّة، أقلها عددا وقيمة الملكيات الفردية للمزارعين وصغار المُلاّك. بينما توزّعت الحصة الأكبر من أراضي مصر بين: "الشفلك" المملوكة للعائلة الملكية، و"الأبعادية" الممنوحة للأعيان وعلية القوم، و"العهدة" التي عجز الفلاحون عن زراعتها فعهدت الحكومة بها لأحد الأغنياء، و"الوسية" التي تُمنح لتابعي الملك ومواليه، و"الرزقة" التي تُخصّص لحاشية الملك وكبار الموظفين والأجانب، إضافة إلى ما استولى عليه الأعيان والمسؤولين وخدم الملك وتابعيه وشيوخ الأزهر والطرق الصوفية وغيرهم بوضع اليد وبالسيطرة المباشرة.

تتبّع المؤشرات والأرقام المتوفرة عن الملكيات الزراعية يشير إلى أن مسارا عكسيا سيطر على منحنى تملّك المزارعين وصغار المُلاك للأراضي، فرغم تزايد الرقعة الزراعية بشكل مضطرد في ضوء عمليات الاستصلاح المتواصلة، وزيادة عدد المُلاّك بدفع الزيادة السكانية المستمرة، فإن نسبة ما يحوزه صغار المزارعين من أراضٍ، ومتوسط ملكية الفرد، كانا في تراجع مستمر. بحسب أرقام رسمية فإن متوسط ملكيات الأفراد من صغار المُلاّك سار في منحنى هابط بين عامي 1894 و1952. وانهار من 0.04% في 1940 إلى 0.03% في 1952.

 

جمال عبد الناصر  (2)

هذه التركيبة وتغوّلها المتواصل ساهمت في أن تصل مصر إلى منتصف القرن العشرين، إلى أن 93.1% من إجمالي مالكي الأراضي الزراعية يملكون أقل من 5 أفدنة، بإجمالي 31.6% من الأراضي الزراعية وبمتوسط 21 قيراطا للفرد. في العام 1952 وقبل ثورة يوليو مثّل صغار المُلاّك 94.3% من إجمالي أصحاب الأراضي بنسبة 35.4% وبمتوسط ملكية 20 قيراطا للفرد. وبصورة أوضح فإن مليونيين ونصف المليون مالك (89% من مجموع المُلاّك) كانوا يملكون أقل من 3 أفدنة (الحد الأدنى اللازم لإعالة أسرة من 5 أفراد) بواقع 27% فقط من إجمالي الأرض الزراعية في مصر.

في الوقت الذي سجلت فيه المساحات الزراعية في مصر ما يتراوح بين 8 و10 ملايين فدان، وزيادة عدد صغار المُلاّك تبعا لزيادة السكان، كانت ملكياتهم في تناقص مستمر بفعل المواريث وتفتت الملكيات. كان التجلي الأكبر للصورة الفادحة في المرحلة السابقة على ثورة يوليو، بينما كان قرابة 1.5 مليون فلاح لا تزيد ملكية الفرد فيهم على 12 قيراطا تقريبا، وقرابة نصف المليون لا تزيد ملكياتهم على فدان واحد، بينما استحوذت حوالي 280 أسرة على قرابة 6 ملايين فدان، بمتوسط يتجاوز 21 ألف فدان للأسرة الواحدة.

هذه الحالة فرضت على ثورة يوليو أن تضع معادلة التوازن في الملكيات الزراعية ضمن أولوياتها، تالية للتحرر والقضاء على الاستعمار، فبحسب ترتيب المبادئ الستة للثورة، جاء "القضاء على الإقطاع" تاليا للقضاء على الاستعمار وأعوانه، وتلاهما: القضاء على الاحتكار ورأس المال، وإقامة جيش وطني، وإقامة عدالة اجتماعية وأخيرا إقامة حياة ديمقراطية.

طبيعة المشهد السياسي فيما قبل 23 يوليو 1952 يشير إلى أن كثيرا من العائلات الإقطاعية وكبار المُلاّك كانوا مرتبطين بعلاقات مباشرة مع الاحتلال الإنجليزي، ما يُعني أن التخلص من الاستعمار وأعوانه لا يمكن أن يتحقق دون تفكيك منظومة الإقطاع والاحتكار والسيطرة على الثروات ورؤوس الأموال، وربما لهذا السبب وفي ضوء تلك الأهمية انحاز الثورة لفكرة الإصلاح الزراعي مبكرا، وأصدرت القانون بعد شهر ونصف الشهر تقريبا من اندلاعها، أو بدقة بعد 48 يوما فاصلة بين 23 يوليو 1952 وصدور القانون 178 في 9 سبتمبر، الذي أصبح عيدا للفلاح.

 

هيكلة شاملة في حقول مصر

جاء قانون الإصلاح الزراعي رقم 178 لسنة 1952 في 40 مادة موزّعة على 6 أبواب. فنص في مادته الأولى على تحديد الملكية الزراعية للفرد بـ200 فدان، وسمح للمالك بأن يهب 100 فدان لأولاده، كما منحه الحق في بيع أرضه الزائدة على الحدّ الأقصى لمعرفته ولمن يريد. وفيما يخص تعويضات كبار المُلاك فقد قدّر القانون أسعار الأراضي بعشرة أمثال قيمتها الإيجارية مُضافا إليها الملكيات والتجهيزات مثل الأشجار والآلات والاستراحات، وحدّد آلية صرف التعويضات بنظام الأقسام الممتدة على 30 سنة بفائدة سنوية 3%.

فيما يخص توزيع الأراضي المُتحصّلة، فقد وضع القانون ضوابط وآليات لاستفادة الفلاحين من هذه الأراضي، بما يتراوح بين فدانين و5 أفدنة للأسرة الواحدة، وفق نظام من الأولويات يبدأ بمن يزرعون الأرض محل التوزيع بالفعل، سواء كانوا مستأجرين أو عُمّالا بأجر، ثم لمن يعول عائلة أكبر في القربة، ثم الأكثر فقرًا والأقل مالا، ثم الفقراء والفلاحين من خارج القرية. ومقابل هذه التوزيعات وُضعت قيمة رمزية للأرض وحدّد القانون آلية سدادها بأقساط ممتدة على 30 سنة بفائدة سنوية 3%، إضافة إلى 1.5% من إجمالي السعر مقابل الموجودات والملكيات الأخرى (آلات وأشجار واستراحات ومبانٍ).

في الباب الثاني تناول قانون الإصلاح الزراعي 178 لسنة 1952 تنظيم الجمعيات التعاونية الزراعية لخدمة الفلاحين وصغار المُلاّك في مناطق توزيع الأراضي. وسعيًا إلى تجنب الآثار السلبية المتوقعة للقانون وتطبيقه العملي وضع الباب الرابع عددا من الإجراءات التنظيمية لتأمين الكتلة الزراعية ومنع تفتيتها، وضمان القدرة على وضعه سياسة زراعية موحّدة ومُحدّدة لخطط الدولة للمحاصيل الاستراتيجية والاحتياجات الأساسية. في الفصل الخامس نظم القانون علاقة المالك بالمستأجر، وفي الفصل السادس وضع حدًّا أدنى لأجور العمال الزراعيين ونص على حقهم في تشكيل روابط وتجمعات وتأسيس نقابة عمالية لرعايتهم وإدارة شؤونهم.


صوت في إهناسيا وصدى في القاهرة

في القرن الحادي والعشرين قبل الميلاد صرخ "خن أنوب" عندما تعرّض للظلم، وكتب رسائله التسعة التي تفيض بالبلاغة والعذوبة والأسى، لكنه رغم الإنصاف يبدو أن روحه لم تشعر بالراحة، فظل صوت صرخته متردّدًا في أرجاء مصر قرابة 40 قرنا تالية، حتى سُمع صداه بقلب القاهرة في خريف العام 1952.

اليوم يحتفل ملايين من أحفاد "خن أنوب" بعيد الفلاح. الرقم المُعلن للذكرى 66 قياسا على البداية في 1952، لكن الرقم الحقيقي يقترب من 4200 أو يتجاوزه، عندما وقف الفلاح الفصيح مدافعا عن حضوره وحقه وموطئ قدميه على هذه الأرض، وصاغ رسائله، ودافع عن رباطه الوثيق بالتراب والطين، وعن صلته العميقة بالقمح والقطن.

جمال عبد الناصر  (3)

بين صرخة الفلاح الفصيح وقانون الإصلاح الزراعي مئات القرون. ظلت فيها الأيادي تكدّ والظهور تنحني، وظلت الأرض تخضرّ وتُثمر، وللأسف ظل القدر الأعظم من الخير ممنوعا على أصحابه، موجها لمن لا يشبه هذه الأرض ولا يعرق من أجلها. لهذا يحق للجميع أن يحتفلوا اليوم بعيد الفلاح، رغم ما يُمكن تسجيله على قانون الإصلاح الزراعي من ملاحظات بشأن تفتيت الملكية والعصف بالسياسة الزراعية، لكنه كان انتصارا مباشرا للأرض قبل مُلاّكها، وللطين قبل الفلاحين، كان انتصارا لـ"خن أنوب" الذي لم ير حلاًّ قبل 4 آلاف سنة إلى مناجاة إله الموت، فردّت عليه القاهرة قبل 66 سنة بعنوان إله الحياة.

شمل القانون قرابة 775 ألف فدان كانت بحوزة 1789 مالكا. لكن بسبب النص الذي تضمنه القانون 178 لسنة 1952 وسمح لكبار المُلاّك ببيع الأراضي الزائدة على الحد الأقصى لمن يرونه، فإن قرابة نصف هذه المساحة لم يشملها الأمر، حتى أُدخل تعديل على القانون في أكتوبر 1953 بحظر بيع الأرض الزائدة بمعرفة مالكيها. لكن بتجاوز هذه الثغرة فإن القانون ساهم بدرجة كبيرة في ضبط أوضاع المستأجرين والأجراء وعمال التراحيل.

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق