40 سنة مسرح إلا 365 يوما

لماذا قرر يوسف وهبي اعتزال المسرح عام 1933؟

الثلاثاء، 06 نوفمبر 2018 04:00 م
لماذا قرر يوسف وهبي اعتزال المسرح عام 1933؟
يوسف وهبي
كتب- معتمد عبد الغني

 قوام فارع، وحنجرة قوية، مع تنغيم الصوت من الهدوء إلى الغضب الأشبه بحمم بركانية تسقط على رأس صاحب الخطيئة في لحظة اعتراف استثنائية، مشهد لم يمل الجمهور من متابعته في مسرح فنان الشعب. في كل ليلة عرض يصفق الأفندية بحرارة، بينما سيدات المجتمع الراقي يخرجن المناديل الحريرية عند لحظة الذروة؛ استعدادًا لمأساة إنسانية يجسدها أعضاء فرقة مسرح "رمسيس" لصاحبها يوسف وهبي..ابن الذوات الذي سقط عمدًا -وعن طيب خاطر- من جنة رفاهية الأثرياء المنعمين، إلى عوالم الفن ودهاليزه، وكأنه يجسد بملامحه الأقرب لفارس روماني أنهكته المعارك، ملحمة شعرية جديدة لمن اختار الشقاء في سبيل الخلود.   
يوسف-وهبي-في-مسرحية-الإستعباد
 
 في زمن كان يستبعد فيه "المشخصاتي" من الإدلاء بشهادته أمام القضاة، وتأبى العائلات المحافظة من مصاهرة العاملين في الفن؛ من منطلق أنهم امتداد طبيعي للمهرج الذي يلقي النكات، والأراجوز الصعلوك سليط اللسان، يظهر يوسف وهبي عام 1923 فوق خشبة المسرح ليقدم الميلودراما المقتبسة من الأدب الفرنسي، والإيطالي، والإنجليزي.
فور الحصول على تذكرة الدخول، يشعر المتفرج أنه أمام تجربة مختلفة كليًا عن الكوميديا السوداء التي يقدمها نجيب الريحاني، أو الارتجال الشعبي الذي يتقنه على الكسار، أمام صاحب كرسي الاعتراف، وراسبوتين، وبيومي أفندي، تكنيك التمثيل مختلف، لذا انخفضت سريعًا النظرة الاستعلائية المجهزة سلفًا للمشخصاتية، ويصعد ابن الباشا بقيمة ما يقدمه إلى مصاف مسارح أوروبا التي تأثر بها (تلك المعضلة مازالت يعاني منها حتى الآن فناني الكوميديا في العالم أجمع أمام القصص المأساوية، دومًا تذهب الجوائز لمن يُبكي الجمهور أكثر).
 
يوسف-وهبي-سفير-جهنم
يوسف-وهبي-سفير-جهنم

تسع سنوات منذ تأسيس فرقة رمسيس المسرحية، ويوسف وهبي يربح رهانات التقدير والتبجيل من الجمهور، يسعى بشغف لإسقاط ورقة التوت عن عيوب المجتمع، وينهل من أدب شكسبير، وإسبن، وبورماشيه، وجان أبكار، ثم يضفي على الرواية طابعًا مصريًا، لكن في الموسم المسرحي 1933- 1934، يشعر وهبي أنه مثل سيزيف الأغريقي، الذي كلما وصل إلى القمة حاملًا صخرة، تسقط مرة أخرى في الوادي، تلك المرة يواجه "وهبي" صراعًا سبقه إليه كثيرين، ومازال يصطدم به اللاحقون.. إنها "الرقابة".
 
عام 1928، تعرض وهبي لأزمة فنية كادت أن تنهي مسيرته الفنية، القصة تتلخص هو محاولة تجسيده لشخصية النبي محمد في فيلم سينمائي من إنتاج فرنسي، لكن تدخل الأزهر والملك فؤاد الأول، جعلاه يتراجع عن خوص تلك التجربة المحفوفة بالمخاطر، ورغم عودته للنمط المسرحي الذي اعتاد عليه الجمهور، إلا أن تأثير تلك المغامرة الفنية جعله تحت أنظار الرقابة الفنية في مصر.
 
بعد خمس سنوات، يقدم يوسف وهبي لقلم الروايات بوزارة الداخلية، نص مسرحيته الجديدة (الهلال والصليب)، وكانت "لجنة المراقبة الأدبية" الملكفة بقراءة النصوص المسرحية، والسينمائية، والأغاني، ليس بها فنان واحد، بل تشمل مجموعة من كبار موظفي إدارة الأمن العام، لهذا رُفضت الرواية بعد عدة أشهر من تقديمها، بحجة تعرضها للأديان.
 
394992
 
 لك أن تتخيل رد فعل يوسف وهبي، بطريقته المسرحية جحظت عيناه، وردد مقولته الشهيرة: "ياللهول"، لم يستسلم لقرار الرقابة، وقرر أن يتخذ من صفحات الجرائد مسرحًا يلقى فيه منولوجًا عن أزمة الفن مع الرقابة المتشددة، خاصًة أن تلك الفترة كانت الرقابة تمنع الأعمال الفنية لأسباب مثيرة  للغرابة، صدق أو لاتصدق، منع فيلم من العرض السينمائي لأن الأسرة المصرية في الفيلم كانت تأكل "طبق ملوخية" على طبلية، هذا المشهد اعتبرته الرقابة صورة تسيئ للشعب للمصري!!
 
عودة إلى يوسف وهبي، لم يتوقف فنان الشعب عن إرسال البرقيات إلى الصحف؛ يدافع عن نص روايته التي تدعو إلى نبذ الخلافات الدينية ويسقط حجج الرقابة، كما طالب بمشاركة الفنانين في اللجان المكلفة بقراءة النصوص المسرحية؛ تحد من سلطة الرقابة الواسعة.
 
a9ce9f1b5d626a5739908b3cdace7630
 
بعد عدة أسابيع، يتيقن يوسف وهبي أن رواية "الهلال والصليب" التي كان يأمل أن تحقق نجاحًا جماهيريًا ونقديًا، لن تظهر للنور بسبب الرقابة، والكساد الاقتصادي في العالم كله ظهرت تأثيراته السلبية على كافة المهن، لذا لم يكن أمامه سوى أن يتخذ قرارًا مصيريًا.. الاعتزال.
 
يوسف وهبي  مع أعضاء فرقته
يوسف وهبي مع أعضاء فرقته

في 11 ديسمبر 1933، يجمع يوسف وهبي أعضاء الفرقة، ويتلو عليهم بيانًا أعلن فيه أن فرقة رمسيس لن تعمل في موسم 1933- 1934، وأن كلا منهم حر في العمل في الفرق المسرحية المنافسة، خاصة أن وزارة المعار لم تقدم الدعم المادي للفرقة كما توقع وهبي، لذا قرر التفرق للسينما هذا العام بعيدًا عن الكمبوشة، وكواليس المسرح، ورفع الستار.
 
إضافة إلى حجب الرقابة لنص "الهلال والصليب"، وعدم وجود مورد مالي يدعم الفرقة، كان يوسف وهبي منتشيًا بالنجاح السينمائي الذي حقق عام 1932، في فيلم أولاد الذوات، الذي شاركته البطولة أمينة رزق، والفرنسية "كوميت راروفيل"، وهو أول فيلم ناطق في السينما المصرية، كل هذه العوامل دفعته لإيقاف الفرقة، لكنه لم يتخلص تمامًا من الأداء المسرحي في أفلامه، وكان يتعامل مع السينما على أنها مسرح ذات طبيعة خاصة، وبعد سنوات يسخر من أداءه الخطابي المبالغ فيه، في مشهد كوميدي ساخر في فيلم "إشاعة حب"، وعندما حاول عمر الشريف إيقاف كلماته المزخرفة بالفصحى: "ياعمي خلاص مشيوا".. يقول وهبي: "لامؤاخذ يا حسين يا بني .. الجلالة خدتني".

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق