كل الكذب أحسن من نصف الحقيقة

الإثنين، 07 يناير 2019 03:29 م
كل الكذب أحسن من نصف الحقيقة
حمدى عبدالرحيم يكتب:

عندما أقول لك: أنا أكثر ثراءً من الملياردير الأمريكى بل جيتس، فأنا هكذا أقدم لك نفسى بكل وضوح وصراحة وشفافية (مجرد كذاب)، وعليك أنت أن تحدد طريقة تعاملك معى.

أيًا كانت الطريقة فهى لن تكلفك سوى عناء الاستماع إلى حفنة من الكلمات التى تعرف أنها محض أكاذيب، ولكن عندما أقوم بمراوغتك والتدليس عليك فأنا أهدم معنى الحقيقة وأقبض على قلبك وألقى به فى متاهات الحيرة.
 
طرق المراوغة والتلبيس وذكر أنصاف بل أرباع بل أثمان الحقيقة، تلك الطرق لها ناسها، الخبراء بها، العارفون بشعابها وسككها، يأتى الواحد منهم بجزء لا يكاد يرى من الحقيقة ثم يبنى فوقه بنيانًا عملاقًا من الأكاذيب، فيذهب سامعه إلى حيرة تفتت يقينه بكل شىء وبأى شىء، وعملية تفتيت اليقين خطيرة غاية فى الخطورة، فلا يحيا إنسان بدون يقين فى شىء ما.
 
الأسبوع الماضى كان ميعادنا مع واحدة من حوادث تشويه المعنى الجليل للحقيقة بحيث لا تقوم لها قائمة فى ذهن المتلقى.
 
ولتوضيح المثال سأذكر كل ملابساته، فقد كانت المطربة اللبنانية ماجدة الرومى تقيم حفلًا غنائيًا بالمملكة العربية السعودية.
 
هذا الخبر هو جزء من الحقيقة، وهو خبر معلن من أسابيع.
 
بعد هذا الجزء الضئيل من الحقيقة يبدأ التلاعب، فيرمى أحدهم «الطعم» ليصطاد به أكبر قدر ممكن من السمك.
 
الطعم هو التلاعب بمكان الحفل، فيقول الذى يريد التدليس أن الحفل كان فى المدينة المنورة!
 
يلقى باسم مدينة الرسول ليصطاد الذين سيغضبهم إقامة حفلات فى مدينة لها خصوصية ورمزية لدى عامة المسلمين.
 
صاحب الطعم أو الصنارة أقطع أنا بأنه مدرب ولا يفعل أفعاله لوجه الشيطان، بل لصالح جهات يهمها إثارة بلبلة ما.
 
هاجت مواقع التواصل الإعلامى وماجت، بعضها يستنكر إقامة حفل غنائى فى مدينة الرسول، وبعضها يصفق لتجديد جلد المنطقة، وبين الفريقين تاهت الحقيقة، لقد ابتلعوا جميعا الطعم وحققوا لصاحب الهدف هدفه، وكفوه عبء الترويج لأكاذيبه فقد قاموا هم بنشرها على أوسع نطاق.
 
نعم كان هناك حفل، والحفل أقيم فى مدينة تسمى «الطنطورة» وتلك المدينة تتبع محافظة اسمها «العلا» وتلك المحافظة تقع شمال المدينة المنورة وبينهما مسافة تقدر بثلاثمائة كيلومتر!
 
فما الذى جاء بالقلعة إلى جوار البحر كما نقول فى مصر؟
 
التدليس جاء من جملة بسيطة جدًا تقول: إن محافظة العلا تابعة إداريًا لمنطقة المدينة المنورة.
 
تلك الجملة البسيطة زيفوا من أجلها معالم وثوابت الجغرافيا، فجعلوا من محافظة العلا التى تبعد بثلاثمائة كيلومتر عن المدينة المنورة جزءًا لا يتجزأ من البقعة المقدسة، كأن العلا تقع على بعد أمتار من الروضة الشريفة!
 
هذا التدليس يجب ألا يغفل عن مواجهة أحد، لأن الذى يدلس فى هذه يدلس فيما هو أكبر وأهم وأخطر منها، باغيًا زرع شك مقيم فى القلوب التى تبحث عن أمان الحقيقة وسكينتها. 

 
لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق