«هدم وإغلاق السينمات في مصر» جريمة.. 100 مليون نسمة يشاهدون الأفلام فى 430 دار عرض فقط

الأحد، 27 يناير 2019 04:00 م
«هدم وإغلاق السينمات في مصر» جريمة.. 100 مليون نسمة يشاهدون الأفلام فى 430 دار عرض فقط
عادل السنهورى

230 دار عرض تم إغلاقها وهدمها و
 
هل أصبح من السهل والسهل جدا، أن تغلق دار عرض أو تهدم أخرى فى مصر دون أن تتحرك الدولة ووزارة الثقافة أو يبدى المعنيون بالسينما اعتراضهم وتحفظهم، وهل نام القانون الذى يواجه هدم أو غلق سينما؟
 
أوجه السؤال بمناسبة هدم سينما فاتن حمامة بحى المنيل بالقاهرة فى يوليو الماضى، وهو القرار الذى لم يفجر دهشة أحد أو يثير غضب مسئول، وهذا القرار ليس الأول، ولن يكون الأخير، ففى تسعينيات القرن الماضى، بدأت هوجة إغلاق السينمات فى أماكن متفرقة من القاهرة والجيزة، وباقى محافظات مصر، وهى السينمات التى كانت نافذة التنوير والفرجة والمتعة والفسحة أيضا للطبقات الفقيرة والوسطى، ولا نعرف لصالح من الصمت والسكوت على إغلاق دور العرض أو هدمها، هل لصالح الموجة الجديدة لسينمات مراكز التسوق (المولات)؟.
 
وتم بناؤها فى الأربعينيات، وأعيد افتتاحها فى نهاية ديسمبر ١٩٨٤ بقرار من المرحوم عبدالحميد رضوان، وزير الثقافة الأسبق، لتصبح أول دار عرض سينمائى، يطلق عليها اسم أحد نجوم السينما المصرية، وهى سيدة الشاشة «فاتن حمامة»، التى حضرت افتتاحها مع العديد من الشخصيات العامة، ونجوم السينما المصرية، وهذه السينما العتيقة، حضر فيها الرئيس الراحل محمد أنور السادات عرضا سينمائيا ليلة ثورة يوليو، وشاهد فيها الرئيس جمال عبدالناصر حفلا غنائيا لكوكب الشرق أم كلثوم.
 
وأعيد بناء السينما بتكلفة 600 ألف جنيه، واحتوت على 1100 مقعد، وكانت تحتوى على أحدث ماكينة للعرض السينمائى من ألمانيا، وتوقفت عن العمل منذ ثلاث سنوات إلى أن تم هدمها الصيف الماضى، وكان أول الأفلام التى عرضت بها فيلم «عندما يبكى الرجال» لفريد شوقى ونور الشريف وفاروق الفيشاوى ومديحة كامل.
السؤال المهم هنا، هل السينما المصرية- كصناعة- ينقصها هدم وإغلاق دور العرض؟، هل لا يكفى وضع السينما المصرية والأرقام لا تستحق أن تذكر مقارنة بالسينما العالمية، فالإيرادات وفقا للأرقام الرسمية بلغت 160 مليون جنيه من إنتاج 24 فيلما فقط عام 2015، وفى عام 2017، الذى كما يقول صناع السينما فى مصر إنه من الأعوام المتميزة على الصعيد الفنى، فقد حقق إيرادات 285 مليون جنيه من إنتاج 45 فيلما، هل هذه هى الصناعة التى كانت ذات يوم تمثل أحد مصادر الدخل القومى لمصر؟.
 
قبل ترشحه للرئاسة عقد الرئيس عبدالفتاح السيسى، اجتماعا موسعا حضره عدد كبير من الفنانين المصريين، وبحث معهم إمكانية النهوض بالفن عموما والسينما المصرية خاصة، وأكد فى اللقاء دور الفن والثقافة فى نشر الوعى ضد التطرف والتشدد، وتحدث الرئيس عن الأهمية الاقتصادية للسينما المصرية، التى كانت تعد ثانى مصادر الدخل القومى المصرى بعد محصول القطن، بما يعنى أن صناعة السينما كانت جزءا مهما من الدخل القومى فى مصر، مثل باقى الدول المتقدمة التى ترى فى السينما شريكا فى النهوض الاقتصادى.
 
هل تعرف عزيزى القارئ ما حجم مساهمات صناعة السينما فى الدخل القومى للدول بما فيها عدد كبير من الدول النامية.. حسب الأرقام المتاحة، فإن صناعة السينما على مستوى العالم، جاءت كدخل قومى فى الأعوام الثلاثة الأخيرة بما يقرب من 100 مليار دولار، بما يعنى أن السينما تحولت إلى صناعة حقيقية ذات مقومات اقتصادية لا يمكن الاستهانة بها، بل تلعب دورا مهما فى اقتصادات الدول والمجتمعات التى تهتم بهذه الصناعة المتميزة كأحد مصادر التمويل أو أحد مصادر الدخل القومى، مثلها مثل أى صناعة قومية أخرى، تشكل نسبة مهمة فى إجمالى الناتج القومى لتلك الدول، مثل الولايات المتحدة الأمريكية والهند وغيرهما من البلدان الأخرى التى أولت هذه الصناعة اهتماما كبيرا، حتى أصبحت تؤدى عدة وظائف مختلفة منها التنوير والتثقيف والوعى، وهو ما طالب به الرئيس السيسى، إلى جانب، بالطبع، الأهمية الاقتصادية على سبيل المثال.
 
تعالوا نرى ما تمثله صناعة السينما الأمريكية، ورمزها الأكبر هوليوود من دخل قومى، يقدر بحوالى 10 مليارات دولار أمريكى سنويا داخليا فقط، ودون احتساب ما يوزع خارجيا، أما السينما الهندية ورمزها مدينة السينما فى بوليوود فى مدينة حيدر آباد بولاية أندرا براديش، فحدث ولاحرج، فقد حققت العام قبل الماضى إيرادات أكثر من 25 مليار دولار بزيادة 10 مليارات دولار على العام 2010، وتنتج 1200 فيلم سنويا، حتى كوريا الجنوبية المحرك الرئيسى لصناعة الأفلام فى جنوب شرق آسيا، تحقق السينما لديها دخلا قوميا بحوالى 7 مليارات دولار، وتوفر فرص عمل مباشرة بما يقرب من 67 ألف فرصة عمل.
الأمثلة كثيرة فى كل أنحاء العالم بعيدا عن أوروبا وأمريكا والهند وكوريا الجنوبية، فصناعة السينما الأفريقية، تطورت بشكل كبير للغاية، وتفوقت فى بعض الأحيان فى إنتاجها على السينما الأمريكية، مثل نيجيريا التى يقترب عدد أفلامها السينمائية سنويا إلى حدود الألف فيلم.
 
أما فى مصر فالصناعة تدهورت وتواجهها مشاكل وصعوبات كثيرة، ربما من أهمها هى قلة دور العرض، هل تصدق أن مصر التى يبلغ عدد سكانها حاليا 100 مليون نسمة أو أكثر قليلا بها حاليا 430 دار عرض سينمائى فقط، وأن بعض محافظاتها لا يمتلك بعضها دار عرض واحدة، هذا الرقم الهزيل، ربما يتناقص قليلًا مستقبلًا فى أعقاب قرارات الهدم المستمرة بين الحين والآخر.
 
كل ذلك يحدث ولا ندرى ما هو دور الشركة القابضة، التى تم تأسيسها مؤخرًا للاستثمار فى المجالات الثقافية والفنية، التى صدر قرار بتأسيسها فى ٢٠ يونيو الماضى، وهل ستدخل مستقبلًا باعتبارها كيانًا وليدًا؟ ولماذا لم يطبق تفعيل القرار الوزارى، الذى صدر فى عهد وزير الثقافة الأسبق فاروق حسنى، فى مثل هذه الحالات التى تفرض على صاحب الملك فى حالة هدمه لدار عرض بناء أخرى فى نفس المنطقة.
ولا نعرف أيضا من المسئول عن إحالة دور العرض السينمائى للمعاش؟.
 
من الواضح أن دور العرض فى طريقها أكثر للاندثار فى ظل تجاهل الحكومة ووزارة الثقافة، التى لم تحرك ساكنا تجاه الصناعة رغم نداءات المهتمين بصناعة السينما لإنقاذ ما تبقى من دور العرض السينمائى، وكان على رأسهم النجم الراحل نور الشريف، الذى طالما نادى فى كل محفل بضرورة فتح سينمات جديدة، والحفاظ على بقية دور العرض، رغم الاجتماعات العديدة التى تم عقدها لكن دون جدوى.
أيضا يبدو أن وزارة الثقافة لا تدرك أهمية الوعى الثقافى الذى تنشره دور العرض، وبالتأكيد ليست الحكومة وحدها هى المسئولة عن انهيار السوق السينمائية بمصر فى السنوات الأخيرة التى شهدت إغلاق ما يقرب من 250 دار عرض، ما ترتب عليه «زيادة الطينة بلة»، بل هناك أيضا المنتجون الذين تربحوا من الصناعة ثم تركوها، فسينمات جودنيوز التى تتبع شركة عماد الدين أديب مغلقة بالكامل، وهى الشركة المسئولة عن «بوظان» السينما، إذ تسببت فى رفع أجور النجوم فترة طويلة، ورفعت شعار «الأكثر والأغلى إنتاجا»، هى وغيرها من شركات الإنتاج الأخرى.
 
فى عام 2015 اجتمع عدد من السينمائيين، مع السيدة فايزة أبو النجا، مستشارة الرئيس لشئون الأمن القومى وقتها، واللواء أحمد جمال الدين، ومنير فخرى عبدالنور، وزير الصناعة والتجارة الأسبق، لحل المشاكل التى تواجه صناعة السينما فى مصر، حيث حضر الاجتماع الفنانة يسرا وإلهام شاهين والكاتب الكبير وحيد حامد والمنتج صفوت غطاس، والفنانة سميرة أحمد والمنتج كامل أبو على والمنتج فاروق صبرى، رئيس غرفة صناعة السينما، والمنتج جابى خورى والمنتج محمد العدل والمنتجة إسعاد يونس ودكتور خالد عبدالجليل، ممثلا عن وزارة الثقافة، والمخرج داود عبدالسيد، والمخرج خالد يوسف، ود.أحلام يونس، رئيس أكاديمية الفنون. وناقش السينمائيون على مدار 4 ساعات عددا كبيرا من مشكلات صناعة السينما، وعلى رأسها مشكلة قرصنة الأعمال الفنية، وطالب السينمائيون خلال الاجتماع بسن القوانين اللازمة للقضاء على مشكلة القرصنة، وقدم المخرج شريف مندور دراسة جامعة لكل مشكلات الصناعة، وتضمنت الدراسة 19 مقترحا للقضاء على مشاكل السينما، مشيرا إلى أنه من أهم المقترحات التى تمت مناقشتها خلال الاجتماع هى مخاطبة فرنسا وشركتى «يوتل سات» و«نور سات» لمنع إذاعة الأفلام المقرصنة، ووقف ترددات القنوات التى تبثها. وأشار إلى أن الاستراتيجية قام بإعدادها كل من خالد عبدالجليل والمنتج جابى خورى، والمخرج خالد يوسف ومسعد فودة، نقيب المهن السينمائية، والمنتج محمد العدل، مؤكدا أنهم يعملون عليها منذ سنة. وأوضح أن السينمائيين ناقشوا زيادة إنشاء دور العرض فى المحافظات، وتدريب وتنمية عمال السينما، وتطوير المعاهد السينمائية، وناقشوا إنشاء سينمات، وأرشيف لحفظ التراث السينمائى، فيما أكد المنتج صفوت غطاس، أنهم ناقشوا تخفيض الرسوم فى أماكن التصوير والأماكن السياحية والوزارات والمطار والأماكن الأثرية. ولفت إلى أنهم التمسوا إرادة سياسية واضحة وصريحة، لحل مشاكل صناعة السينما من قبل ممثلى الدولة، موضحا أن الأسبوع المقبل سيشهد اجتماعات مكثفة لحل الأزمات.
فماذا حدث بعد الاجتماع، وقد مضى عليه أكثر من ثلاث سنوات ونصف السنة؟.
صناعة السينما فى مصر، سوف تستمر فى التدهور، إذا لم نواجه الأزمات والمشاكل والصعوبات المتعلقة بها، وإذا لم تتدخل الدولة لدعم صناعة السينما، واكتفت بالوقوف متفرجة على الحالة المؤسفة التى وصلت إليها.
 
ذكريات سينما مصر فى دسوق.. الأوبرا التى باعها وهدمها ورثة سمير عبدالعظيم 
سأحكى لكم هنا ذكرياتى مع إحدى السينمات التى تم هدمها بعد الفوضى التى صاحبت 25 يناير 2011.. هى سينما مصر بدسوق بمحافظة كفر الشيخ.. فى السبعينيات، لم أتجاوز سنواتى العشر الأولى عندما كان ثمن تذكرة الترسو فى «سينما مصر» فى دسوق ثلاثة قروش ونصف القرش لمشاهدة أفلام فريد شوقى الشهيرة، الأبطال، والعنيد وكلمة شرف، وأفلام «الأكشن والكاوبوى» الأمريكية، التى بدأت تغزو السينما المصرية، وتداعب خيال الأطفال والشباب الحالم والمتعطش للذهاب إلى أمريكا، حيث القوة والتقدم والحياة الرغدة الهنية، أو هكذا تصورنا واستسلمنا لواقع بدأ يتخلص من قيمه وثوابته، ويقفز إلى واقع جديد يفرض قانونه القائم على القوة والذراع.
 
طوال 5 سنوات منذ منتصف السبعينيات وحتى نهايتها، تمدد حلم الطفل- الذى هو أنا- فى اللهو والمرح والمتعة، والانفتاح على عوالم جديدة من الخيال المرئى وسط ظلام ساحر، يبعث على إشباع المتعة الصغيرة، التى تشبثت بعالم السينما وخيالاته وأبطاله وأساطيره.
 
إلى سينما مصر كان مشوارى الصيفى لإشباع متعتى مع أبطالى الأقوياء الشداد، وبطلاتى الجميلات الفاتنات أيضا! تشكل وجدانى وتعلق بشاشة السينما و«شارع السيما»- هكذا كان يطلق على الشارع الكائن فيه مبنى السينما العتيق بعد أن اختفى اسمه الحقيقى، واستمررت أواظب على مشوارى الصيفى مرة كل يوم اثنين أسبوعيا حتى انتهيت من مرحلة الدراسة الإعدادية، ولم أتوقف عنه رغم العقاب الأبوى فى حالة الوشاية من جار أو صديق للأب، الذى كان هو نفسه يحكى لى عن ذهابه للسينما فى سنوات الأربعينيات حتى بداية الخمسينيات !
 
كانت سينما مصر هى السينما الوحيدة فى المدينة والقرى المجاورة لها- 39 قرية تتبع مركز دسوق- وفى الأعياد والمناسبات كانت متعة أبناء القرى عند مجيئهم للمدينة هى الذهاب للسينما، ومشاهدة بقايا الإنتاج الحكومى، وبدايات المنتجين المهمومين والمهتمين قبل ظهور سينما «هاتى بوسة يا بت»، و«أديك فى الأرض تفحر».
 
تبدلت الأيام ومرت سنوات طويلة، تغيرت معها ملامح السينما، وتغير جمهورها، ولم يتبق منها سوى طرازها المعمارى الأوروبى، حيث صممها مهندسون مصريون عند بنائها عام 1941 على الطراز الإيطالى، الذى يشبه دور العرض فى ميلانو بالمسرح الداخلى و«البنوارات» المميزة والبلكون الممتد بمساحة الصالة التى تتسع لحوالى 650 مقعدا، وكان يرتادها عمدة المدينة فريد باشا زعلوك، ومأمور المركز والأعيان قبل ثورة يوليو 52، وخصصت «بنوارات» خاصة لهم.
 
ويردد الكبار من أبناء المدينة أن كوكب الشرق السيدة أم كلثوم عند زيارتها لدسوق فى نهاية الأربعينيات فى مناسبة مولد العارف بالله إبراهيم الدسوقى، غنت على مسرح سينما مصر، وفى هذه الزيارة سمعت «الست» المطرب الشاب وقتها ابن المدينة محمد رشدى وأعجبت بحنجرته، وقالت له يومها «روح.. يا ابنى أنت هتبقى مطرب»، وطار من الفرح بهذه الشهادة التى غيرت مجرى حياته.
 
كانت السينما فى البداية ملكا لأحد أثرياء مدينة طنطا بالشراكة مع أحد تجار دسوق، وبعد وفاتهما اشتراها المنتج والمؤلف الإذاعى والسينمائى المعروف الراحل سمير عبدالعظيم، واستمرت فى عرض الأفلام، وكان عبدالعظيم يصطحب معه نجوم السينما إلى دسوق أمثال الفنان محمد عوض، وأحمد بدير، ونجاح الموجى، وممدوح موافى وغيرهم لجذب الجمهور إلى السينما.
 
وفى 28 يناير عام 2001، توفى سمير عبدالعظيم عقب تعرضه لنوبة قلبية، وتوقف نشاط السينما، وسكنها الصمت وانطفأت أنوارها وأغلقت براويزها الخارجية التى كانت تعرض فيها أكثر لقطات الأفلام إثارة لجذب الجمهور.
 
مرت 10 سنوات كاملة، وباع الورثة المبنى التراثى العتيق لأحد التجار الذى قام فجأة بهدم السينما، وبناء مبنى ضخم شاهق على ارتفاع أكثر من 15 طابقا، واختفت السينما، وأصبحت أثرا بعد عين، ولم يعد لها وجود ولم يبحث عنها أحد فى سنوات الانفلات والفوضى وضياع هيبة الدولة، ولم يتبق منها سوى اسم فقط للشارع حتى الآن، ولم يجد أكثر من نصف مليون نسمة هم عدد سكان المدينة والقرى المجاورة متعة أخرى سوى المقاهى والتسكع فى الشوارع.
 

 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق