هوامش على أول زيارة تاريخية لبابا الفاتيكان إلى الإمارات والخليج

السبت، 09 فبراير 2019 11:42 ص
هوامش على أول زيارة تاريخية لبابا الفاتيكان إلى الإمارات والخليج
عادل السنهوري

■ اللقاء الثالث بين فرنسيس وشيخ الأزهر فى أبو ظبى محاولة جادة لمواجهة التطرف والإرهاب والتعصب

الدعوة للزيارة والتوقيع على «وثيقة الأخوة الإنسانية» هو الأساس لمواجهة دعاوى التطرف والصراع بين الأديان والحضارات

من الواضح أن البابا فرنسيس، بابا الفاتيكان، كان سعيدا بالزيارة التاريخية للإمارات، الأسبوع الماضى، وكان سعيدا أيضا بالحفاوة البالغة لحسن وروعة الاستقبال من قادة الإمارات وشعبها بوجود فضيلة شيخ الأزهر الشريف الدكتور أحمد الطيب..

كان أكثر سعادة عندما شاهد أكثر من 135 ألف كاثوليكى يحضرون قداسا تاريخيا فى الإمارات ولأول مرة فى مكان مفتوح فى ملعب زايد لكرة القدم بالعاصمة أبو ظبى، والذى أقيم فيه مذبح وصليب ضخم. 
 
أهمية الزيارة التاريخية لبابا الفاتيكان والتى جاءت بناء على دعوة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولى عهد أبو ظبى، تأتى لكونها أول زيارة لبابا الفاتيكان على الإطلاق إلى الجزيرة العربية، وهو ما اعتبره مراقبون قرارا مثيرا للدهشة، يعبر به البابا حدودا لم يعبرها آخرون قبله، وهو الذى يبدى اهتماما لافتا بالفقراء ومعاناتهم، وعدم قلقه من تزايد عدد المهاجرين المسلمين لأوروبا، فهو ليس من النوع الذى يعتبر ذلك تهديدا للمسيحية أو الحضارة الأوروبية، لأنه من الساعين دوما والمؤمنين بأهمية الحوار بين الأديان والحضارات.
 
الزيارة ينظر لها أساتذة الأديان بأنها تبدو الحلقة الخيرة فى مسلسل العلاقة بين المسيحية والمسيحيين من جانب ومنطقة الخليج من جانب آخر، فالبابا فرنسيس لا بد أنه قرأ واطلع على أحوال المسيحية والمسيحيين ليس فى دولة الإمارات فقط وإنما فى منطقة الخليج عامة، والتى يزورها لأول مرة.
 
فالعلاقة كما يذكر التاريخ قديمة جدا وترجع إلى القرن الرابع الميلادى، حيث تم العثور على آثار لمجتمعات مسيحية فى منطقة القصر بالكويت الحالية وسير بنى ياس فى الإمارات.
 
ويقول التاريخ أيضا إن بعض القبائل العربية التى كانت على صلة بمركز المسيحية فى الحيرة بوسط العراق ربما ساهموا فى انتشارها فى الخليج، كما أن اضطهاد النساطرة فى الإمبراطورية الفارسية بين عامى 309 و379 دفع المسيحيين للهجرة خارج الإمبراطورية ربما للخليج.
 
وفى القرن السابع الميلادى انتشر الإسلام فى منطقة الخليج العربى، حيث بات الدين الأكثر انتشارا حتى اليوم.
 
وبالقفز لسنوات كثيرة ومع الحقبة النفطية جاء كثير من الوافدين الأجانب وكان من بينهم مسيحيون، وتشير التقديرات إلى أنه يوجد فى الإمارات نحو نصف مليون مسيحى.
 
كما يوجد فى دبى الكثير من الكنائس وجميعها على أراضٍ تبرع بها الشيخ محمد بن راشد آل نهيان، وقبل ذلك فى عام 1966، عام اكتشاف النفط، تبرع الشيخ راشد بقطعة أرض لبعثة مسيحية من الرومان الكاثوليك.. والطقوس المسيحية فى الإمارات لها ما يميزها بإقامة الصلاة الرئيسية يوم الجمعة، فهو يوم العطلة الأسبوعية بالنسبة للكثيرين.
 
أصحاب الديانة المسيحية لا يقتصرون على الإمارات فقط وإنما فى البحرين والكويت وعمان وقطر والسعودية بسبب العمالة الوافدة ويبلغ إجمالى عدد المسيحيين فى البحرين نحو 250 ألف شخص وفى الكويت نحو نصف مليون و150 ألفا فى قطر.
 
وبالنسبة للسعودية تشير التقديرات إلى وجود نحو مليونى وافد من المسيحيين، وكانت إقامتهم لشعائرهم محظورة، ولكن مؤخرا وفى ظل التغييرات التى يقودها ولى العهد محمد بن سلمان، أقيم قداس خلال زيارة البابا تواضروس للرياض العام الماضى. 
 
بالعودة للزيارة التاريخية فقد شهدت اللقاء الثالث بين أكبر مرجعيتين دينيتين فى العالم، الفاتيكان والأزهر الشريف، منذ أن أصبح فرنسيس البابا رقم 66 للفاتيكان فى مارس 2013 وكان اللقاء الأول بين البابا والشيخ فى مايو 2016 فى مقر الفاتيكان بروما، واتفقا على عقد مؤتمر عالمى للسلام، وعودة حوار الأديان الذى شابه التوتر فى العلاقات بين الجانبين أثناء فترة البابا بنديكت السادس، ثم كان اللقاء الثانى فى القاهرة خلال الزيارة التاريخية للبابا فرنسيس لمصر فى نهاية أبريل 2017.
 
ثم جاء اللقاء الثالث فى الأسبوع الماضى على أرض الإمارات، وهو ما يعتبر تكريسا لثقافة الحوار والتسامح والسلام والمحبة بين الأديان، وأكدت للعالم أجمع نهج التسامح والتعايش الدينى، وأن هذه الزيارة الدينية التاريخية تحمل صفحة جديدة فى تاريخ التآخى والتسامح بين البشر على اختلاف دياناتهم وثقافاتهم واستنادا إلى شعار الملتقى (ملتقى الحوار العالمى بين الأديان حول الأخوة الإنسانية) الذى يرسخ الحوار بين أبناء الديانات ونشر قيم التسامح والاعتدال والحوار بين الجميع، ولإعطاء هذا اللقاء أهمية.
 
لقاء البابا والشيخ على أرض الإمارات، التى أعلنت عام 2019 عاما للتسامح، وعينت الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزيرا للتسامح، كان له مغزى عميق بأن المسيحية والإسلام تعايشا فى محبة وتسامح وعيش مشترك فى كنف الحضارة العربية واعتماد مبادئ الحوار الأخوى والتفاهم بين أتباع الديانتين وكل المستويات الشعبية والرسمية لتكريس أسس الوفاق والتقارب ومد جسور المحبة والأخوة وقبول الآخر وتبادل الثقة فى وطن واحد، ليكون قاعدة المواطنة ومبدأ سيادة القانون والمساواة من أجل وطن يضمن للجميع العيش بحرية وكرامة.
 
اللقاء أيضا أكد أن التطرف والإرهاب والتعصب هى ظواهر شاذة لا يمكن أن تؤدى إلى الصراع بين الأديان، وخبرة وتجارب الماضى بالمسيحيين والمسلمين أدت إلى الانصهار فى بوتقة واحدة هى الحضارة العربية، مع احتفاظ كل منهم بأصالته الدينية وخصوصيات عاداته وتقاليده، ويشكل هذا التراث الحضارى المشترك ضمانا لاستمرارية التفاعل الذى يواجه اليوم مستجدات لا بد من استيعابها، وإمكانيات لا بد من بلورتها، وتحديات لا بد من مواجهتها، وهذا كله يفتح الأبواب واسعة أمام مستقبل هذه الخبرة بكل حيويتها وأصالتها، أن استمرار التعايش الإيجابى فى الغالب الأعم من الدول العربية. 
 
فالإرهاب والتطرف ظاهرتان لا يعانى منهما المسلمون فقط وإنما المسيحيون أيضا، ولذلك فاللقاءت المشتركة وسيلة وأداة مهمة لمواجهة هذه الظاهرة وكضرورة لتخفيف التوترات فى بقاع كثيرة من العالم. 
 
هنا يبدو الحوار المسيحى – الإسلامى ضروريا وحتميا، نظرا للأحداث والتغيرات فى المنطقة، فالحوار يرسخ المواطنة والهوية العربية للمسيحيين والمسلمين على حد سواء فى الشرق الأوسط، وأن المنطقة التى خرجت منها المسيحية إلى العالم كله وما زالت هى المكان الذى يقصده مسيحيو العالم أجمع لزيارة الأماكن المقدسة، ومن هذه المنطقة أيضا خرج الإسلام إلى العالم وما زالت هى المكان الذى يقصده مسلمو العالم لأداء فريضة الحج.
 
إذن الدعوة للزيارة واللقاء والتوقيع على «وثيقة الأخوة الإنسانية» هو الأساس والسلاح الأمضى فى مواجهة دعاوى التطرف والصراع بين الأديان والحضارات ونبذ الكراهية والتعصب سواء فى الشرق أو الغرب. 
 
الترحيب الذى لقاه البابا فرنسيس فى الإمارات جسّده الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، الذى أكد أن هذه الزيارة تكتسب أهمية خاصة على صعيد تعزيز قيم ومفاهيم الأخوة الإنسانية والسلام والتعايش السلمى بين الشعوب إلى جانب أهميتها فى ترسيخ روابط الصداقة والتعاون لما فيه خير الإنسانية، لافتا أن الإمارات العربية المتحدة كانت وستظل منارة للتسامح والاعتدال والتعايش وطرفا أساسيا فى العمل من أجل الحوار بين الحضارات والثقافات ومواجهة التعصب والتطرف أيا كان مصدرهما أو طبيعتهما، تجسيدا للقيم الإنسانية النبيلة التى تؤمن بها وما يتميز به شعبها منذ القدم من انفتاح ووسطية.

 
لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق