الهدايا الأربع من الرئيس للموظفين وأصحاب المعاشات.. من أين جاء التمويل؟

الأحد، 07 أبريل 2019 09:00 ص
الهدايا الأربع من الرئيس للموظفين وأصحاب المعاشات.. من أين جاء التمويل؟
عادل السنهورى

60 مليار جنيه تكلفة حزمة الإجراءات الاجتماعية يستفيد منها 16 مليون مواطن

الإجراءات الاجتماعية التى أعلن عنها الرئيس تدشن لعقد اجتماعى جديد بين الدولة والمجتمع المصرى

ساهم برنامج الإصلاح الاقتصادى فى وضع حلول جذرية لمشكلات الاقتصاد المصرى المزمنة والصعبة

الصبر مفتاح الفرج.. وبعد العسر يسر.. وكان لا بد أن يأتى الفرج واليسر بعد الصبر والعسر.. وعلى مدى سنوات طالت من بعد 25 يناير 2011، وحتى سنوات ما بعد ثورة 30 يونيو 2013، عانى المصريون كثيرًا من تردى الحالة الاقتصادية والمعيشية فى ظل ظروف غاية فى القسوة والصعوبة، مع تراجع مصادر الدخل القومى.. ثم جاءت سنوات «شد الحزام» مع مرحلة إعادة بناء الدولة أمنيًا وسياسيًا واقتصاديًا، وفى أقل من 4 سنوات، حققت مصر المعجزة فى مرحلة البناء والعمران والتنمية، وعادت الحياة مرة أخرى، تدب فى شرايين الاقتصاد المصرى بعد حزمة إجراءات اقتصادية، فى إطار برنامج الإصلاح الاقتصادى،  أعادت الاتزان إلى جوانب كثيرة فى ملامح الاقتصاد الوطنى، بما يحقق فى النهاية الهدف والغاية، وهو تحسين أحوال المواطن المصرى، الذى استحق بجدارة جائزة الصبر والتحمل، ونال التقدير والاستحسان على شجاعته وتحمله من الداخل والخارج.

ثم جاءت لحظة الوفاء والتقدير من القيادة السياسية، كإعلان عن بداية مرحلة جنى الثمار الحقيقية بالهدايا الأربع، التى أعلنها الرئيس عبد الفتاح السيسى فى يوم المرأة المصرية، بزيادة الحد الأدنى للأجور والمعاشات فى مصر، ومنح علاوة استثنائية لجميع العاملين بالدولة لمكافحة ارتفاع معدلات التضخم، وإعلان أكبر حركة ترقيات بجهاز العمل بالدولة.

عمال  حديد

 
والنتيجة بإيجاز زيادة الحد الأدنى لأجور جميع العاملين بالدولة سواء المخاطبين أو غير المخاطبين بقانون الخدمة المدنية، ليصل إلى 2000 جنيه بدلًا من 1200 جنيه بمعدل زيادة بلغ 67 %، وهذه الزيادة ستكلف الدولة 30.5 مليار جنيه، وهو ما يعنى ارتفاع مخصصات الأجور فى موازنة العام المقبل إلى 300.5 مليار جنيه من 248 مليارًا.
 
كما رفع الرئيس  السيسى الحد الأدنى للمعاشات لتصل إلى 900 جنيه شهريًا مع زيادة العلاوة السنوية إلى 15 % بحد أدنى 150 جنيهًا. 
 
كما قرر الرئيس، منح علاوة استثنائية لجميع العاملين بالدولة 150 جنيهًا، لمجابهة التضخم الذى بلغ 14.4 % فى فبراير الماضى، وفقًا لبيانات البنك المركزى المصرى.
 
الإعلان الرئاسى عن رفع الحد الأدنى لأجر العاملين فى القطاع الحكومى، ليعوض هؤلاء -ولو جزئيًا- عن تآكل أجورهم الحقيقية بفعل التضخم الذى شهدته مصر خلال السنوات الخمس الماضية، هذا الإجراء مفيد من الناحية الاقتصادية من أجل دعم النمو والتوظيف، ومساعدة الشرائح الأفقر على تحسين فرصها فى الصحة وفى التعليم، ومن ثم تحسين أوضاعها المعيشية والخروج من الدائرة المفرغة للفقر.
 
القرارات الأخيرة  بقدر ما أشاعت الفرحة والبهجة فى أوساط حوالى 30 مليون مواطن، هم المستفيدون منها، فإنها أثارت التساؤل المنطقى جدًا، وهو  كيف استطاعت مصر وحكومتها، توفير هذه الأموال، لتخفيف الأعباء على المواطنين، خاصة العاملين فى الجهاز الحكومى، وأصحاب المعاشات.
 
خبراء الاقتصاد والمراقبون، يجيبون عن السؤال، فمصر استطاعت اتخاذ إجراءات حوكمة فاعلة فى الإدارة المالية والنقدية، أدت إلى خفض العجز المالى من 8.5 % إلى 7.2 % العام المالى الحالى، مع التوقعات الأكيدة باستمرار المؤشر فى الانخفاض فى موازنة 2019-2020، وتحقيق نسبة نمو تلامس سقف 6 %، والتوقع فى ارتفاع مؤشر النمو فى السنوات القليلة المقبلة إلى 7 %.
 
نسيج
 
كما كان لإصلاح المنظومة الضريبية وعملية التحصيل الضريبى فى السوق المحلية، الأثر الكبير فى زيادة الحصيلة الضريبية بنسب كبيرة لصالح الموازنة العامة للدولة.
 
الأمر الآخر، هو أن مصر تمكنت بعد ترسيم الحدود البحرية مع قبرص واليونان، واكتشاف كميات ضخمة من الغاز، وبدء التشغيل فى هذه الاكتشافات، من الوصول إلى مرحلة الاكتفاء ثم التصدير وتوفير حوالى 12.5 مليار دولار سنويًا، كانت تذهب لعمليات الاستيراد.
 
والأهم أيضًا هو زيادة معدلات الدخل من إيرادات قناة السويس والسياحة التى بدت معدلاتها تقترب كثيرًا من معدلات 2010، علاوة على ترشيد الاستيراد وزيادة الصادرات المصرية بالخارج مع انخفاض العجز فى الميزان التجارى. 
 
وجاء استقرار سوق الصرف إلى ارتفاع تحويلات المصريين بالخارج بأرقام قياسية بلغت حوالى 27 مليار دولار، وتوفير احتياطى نقدى كبير من العملة الأجنبية فى السوق المحلية، وأدت القوانين والتشريعات إلى جذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية، وتوفير فرص عمل كثيرة وانخفاض معدل البطالة.
 
هذه ببساطة الاجابة عن السؤال الذى قد يكون قد طرأ على أذهان البعض بعد سماع قرارات الرئيس التى سيتم تنفيذها يوليو المقبل.   
 
وتكشف الدكتورة هالة السعيد، وزيرة التخطيط والمتابعة والإصلاح الإدارى، أنه تم الاستقرار على السيناريو الذى أعلن عنه الرئيس عبد الفتاح السيسى، بعد دراسة استغرقت 10 شهور، وهو المقترح الذى يعمل على تخفيف الأعباء على المواطنين، وذلك بعد توجيهات الرئيس خلال الفترة الماضية بإصلاح منظومة الأجور. 
 
ولفتت وزيرة التخطيط والمتابعة والإصلاح الإدارى إلى أن تنفيذ هذا المقترح، يأتى فى إطار نتائج وثمار الإصلاح الاقتصادى الذى تنفذه مصر، وهى النتائج التى تتيح مبالغ فى الموازنة العامة للدولة لتحسين وإصلاح منظومة وهيكل الأجور.
 
وزير الاتصالات فى الهيئة العربية للتصنيع المحرر محمد احمد طنطاوى تصوير سامى وهيب 10-11-2013‎ (49)
 
فيما أكدت وزارة المالية أن حزمة الإجراءات الاجتماعية، التى أعلن عنها الرئيس تدشن لعقد اجتماعى جديد بين الدولة والمجتمع المصرى، وتعكس تقدير الرئيس لحجم التضحيات التى تحملها شعب مصر العظيم، فهو البطل الحقيقى الذى وقف مع بلده لانجاح برنامج الإصلاح الاقتصادى، وتحمل الكثير من أجل عودة الثقة فى الاقتصاد المصرى، ووضعه على الطريق السليم، وليتمكن الشعب من تأمين مستقبله الاقتصادى، وجنى ثمار هذا الإصلاح الشامل، ليس فقط للجيل الحالى، ولكن للأجيال القادمة من أولادنا وأحفادنا.
 
الوزارة قالت إن حزمة الإجراءات الاجتماعية ستكلف الخزانة العامة نحو 60 مليار جنيه، تتضمن نحو 30.5 مليار جنيه لتمويل زيادات الأجور والمرتبات، بجانب 28.5 مليار جنيه لتمويل زيادات المعاشات الاجتماعية ونحو مليار جنيه لتمويل ضم 100 ألف أسرة جديدة لبرنامجى تكافل وكرامة.
 
وأوضحت المالية أنه لولا الإصلاح  الاقتصادى الكبير الذى تحمله شعب مصر العظيم لما كان من الممكن وضع حلول جذرية لمشكلات الاقتصاد المصرى المزمنة والصعبة، والتى تراكمت عبر فترات وعقود طويلة دون حلول حقيقية وجذرية، وهو ما عمل  الرئيس السيسى  على مواجهته بحلول شاملة حتى ولو كانت صعبة أحيانًا، مؤكدًا أن برنامج الإصلاح الاقتصادى، يمكن الموازنة العامة للدولة من الاستمرار فى منظومة الحماية الاجتماعية وتحسين المرتبات والمعاشات. 
 
وكشفت أحدث الدراسات الإحصائية الصادرة عن الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، بشأن العاملين بالجهاز الإدارى للدولة، أن عدد موظفى القطاع الحكومى التابعين للجهاز الإدارى للدولة والخاضعين لقانون الخدمة المدنية، بلغ 5.4 مليون مواطن، وبلغ عدد العاملين بالقطاع العام والأعمال العام نحو 841.3 ألف مواطن، ويستفيد من قرارات الرئيس برفع الأجور والمعاشات نحو 16 مليون مواطن، تشمل 7 ملايين موظف بالحكومة إلى جانب أكثر من 9 ملايين مواطن من أصحاب المعاشات. 
 
وتعد حزمة الإجراءات الاجتماعية التى أعلن عنها الرئيس عبد الفتاح السيسى يوم السبت الماضى، هى المسار الموازى لعملية الإصلاح الاقتصادى فى مصر، لتخفيف الأعباء عن المواطن المصرى، الذى يعد بطل عملية الإصلاح فى مصر.
 
وصاحب قرار تحرير سعر الصرف، رفع أسعار الفائدة بنسبة وصلت إلى 7 %، والتى ساهمت فى دعم دخل الأسر المصرية خلال العامين الماضيين مع مسار وإجراءات الإصلاح التى تنفذها الحكومة، وتنتهى خلال العام الجارى.
 
وساهم برنامج الإصلاح الاقتصادى، الذى شمل إعادة هيكلة الدعم وتحرير سعر الصرف، وإقرار القوانين والتشريعات الداعمة للاستثمار، فى وضع حلول جذرية لمشكلات الاقتصاد المصرى المزمنة والصعبة، ما يمكن الحكومة من تحقيق وفورات مالية فى الموازنة العامة للدولة، لتحسين وإصلاح منظومة الأجور وزيادة الإنفاق على برامج الحماية الاجتماعية.

بعض المهتمين طرحوا سؤالا، هل خطوة الزيادات فى الاتجاه السليم؟
نعم، لأن المبلغ الجديد يعادل بالكاد الزيادة التى طرأت على أسعار المستهلكين، وهو أقل من تعويض أثر الزيادة فى أسعار سلة الغذاء، التى تمثل العنصر الأكبر فى إنفاق الفقراء، وكانت آخر زيادة فى الحد الأدنى للأجر عام 2013، ووصلت به إلى 1200 جنيه، وعلى مدى خمس سنوات أكل التضخم القيمة الحقيقية لمرتبات صغار الموظفين الحكوميين، والذين يشكلون حوالى ربع العاملين بأجر فى مصر.
 
إذا حسبنا القيمة الحقيقية للحد الأدنى الحكومى قبل الزيادة، والبالغ 1200 جنيه (الذى تقرر فى سبتمبر 2013)، بأسعار المستهلكين فى فبراير 2019، فإنها تساوى 2626 جنيهًا (باحتساب الرقم القياسى لأسعار المستهلك فى شهر فبراير 2019).
 
وذلك بناءً على أن الرقم القياسى لأسعار المستهلك فى سبتمبر 2013 (والذى يقيس معدل التضخم)، كان 141.6، والرقم القياسى لأسعار المستهلك فى فبراير 2019، كان 304.2، وبالتالى القيمة الحالية لـ 1200 جنيه بأسعار المستهلكين فى فبراير 2019 = 1200* 304.2/ 141.6= 2578 جنيهًا.

لماذا نحتفى بزيادة الحد الأدنى كإجراء اقتصادى؟
لأنه إجراء يؤدى إلى زيادة النمو العادل والتوظيف، عبر دفع الطلب الكلى المحلى، فعندما تزيد الأموال المتاحة للإنفاق فى الشرائح الداخلية الأفقر، فإن تلك الأموال تتوجه كلها إلى شراء المزيد من السلع والخدمات، ما يدفع عجلة الإنتاج، وينشط الاقتصاد، ويكون أغلب طلب تلك الشرائح من السلع والخدمات من الصناعة المحلية، على عكس الشرائح العليا التى تفضل شراء السلع المستوردة، ما يكون له أثر إيجابى على التوظيف والاستثمار.

وما هو دور الحد الأدنى للأجر فى رفع معدلات النمو على المدى الطويل؟
الحد الأدنى للأجر، هو الأداة الأنسب فى مصر للقضاء على الفقر، كما أنه يؤدى إلى تحسين التفاوت الكبير بين دخول المصريين. وانخفض نصيب الأجور من الدخل القومى خلال ربع القرن الماضى، وفى المقابل، ارتفع نصيب الأرباح (دخول أصحاب المشروعات والشركات)، وارتفع نصيب أصحاب الريوع (أصحاب الأراضى والعقارات وأصحاب أوراق الدين الحكومى)، وتخلق تلك التشوهات فى اقتسام عوائد النمو قيدًا على فرص رفع معدلات النمو، حيث أن عدم قدرة الشرائح العريضة من الفقراء على الالتحاق بتعليم جيد والحصول على غذاء ملائم ورعاية صحية، يعنى عدم القدرة على الترقى الاجتماعى، وعدم توفر أيدى عاملة ماهرة وصحية قادرة على تطوير الاقتصاد.

وهل هناك خطورة لذلك الإجراء وغيره من حزمة الإجراءات الاجتماعية على عجز الموازنة؟
لا يوجد أثر سلبى على عجز الموازنة،  فمصر  تعتزم ضغط عجز الموازنة إلى أقل من 8 ٪ خلال العام المقبل، الذى يشهد تلك الحزمة، وهو ما يمكن تسميته بـالعجز الحميد، فالحزمة المقررة مخصصة لجبر الضرر، ومعالجة تفاوت الدخول بين الشرائح المختلفة، وفى المقابل، يفترض أن الحكومة تزيد مواردها من الشرائح الدخلية الأكثر ثراءً واستهلاكا من خلال الضرائب، ويسمى ذلك فى نظرية المالية العامة: الدور التوزيعى للموازنة، وذلك بدلًا من زيادة عجز الموازنة من أجل دعم الأغنياء، وهو العجز الخبيث، والذى تعانى منه مصر منذ سنوات طويلة، عبر ضرائب تنازلية غير عادلة ودعم سخى، يذهب إلى مؤسسات حكومية، وكذلك شركات خاصة غير كفؤة، وعن غير استحقاق.
 
لكن بعض المراكز الاقتصادية، تمنت أن يمتد القرار إلى القطاع الخاص، فكما تظهر الأرقام الرسمية، فإن عدد العاملين بعيدًا عن الجهاز الإدارى للدولة، ومنهم العاملين بالقطاعين الخاص والاستثمارى وغير الخاضعين لقانون الخدمة المدنية، يبلغ نحو 18.5 مليون، من الإجمالى العام للعاملين بالدولة بجميع القطاعات، ويبلغ 24.8 مليون.
 
وبالتالى فهناك مطالبات بأن يشمل  الإجراء الحالى العدد الأكبر من العاملين بأجر من الفقراء، وهم أولئك العاملون فى القطاع الخاص الرسمى وغير الرسمى، وأن يتضمن آلية للمراجعة الدورية.

ولماذا يجب مد مظلة الحد الأدنى إلى العاملين فى القطاع الخاص أيضا؟
لأن أولئك هم ثلاثة أرباع القوة العاملة، وأوضاعهم أسوأ كثيرًا من العاملين بالمؤسسات الحكومية، وتتركز النسبة الأكبر من الفقر لدى العاملين فى القطاع الخاص، وتسمى فرص عمل غير رسمية، حيث يقع الاستغلال الأكبر لتلك الأيدى العاملة، فهى فرص عمل غير منتظمة، ودون أى نوع من التأمين، ولا ساعات عمل محددة أو إجازات سنوية ومرضية، وبلا فرص للتطوير والتدريب والترقى، وتنطبق تلك الظروف أيضًا على نسبة كبيرة من القطاع الخاص الرسمى (عدد صغير من الشركات الكبيرة)، على رأسها شركات التشييد والتطوير العقارى، حيث ترتفع نسبة الفقراء من العاملين فى هذا القطاع إلى حوالى 80 ٪ من إجمالى العاملين به.
 
الخطوة القادمة المنتظرة الآن، أن يبادر القطاع الخاص باتباع الإجراء الرئاسى برفع الحد الأدنى وزيادة الأجور، فهل يفعلها القطاع الخاص؟.

 
لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق