جولة العمق الاستراتيجي وتحقيق المصالح..

نتائج قمة البيت الأبيض الثانية.. مسار «إصلاحي» بين السيسي وترامب

الأحد، 14 أبريل 2019 03:00 ص
نتائج قمة البيت الأبيض الثانية.. مسار «إصلاحي» بين السيسي وترامب
السيسى وترامب

ترامب: السيسى شخص عظيم.. ومصر حققت تقدما كبيرا فى مجال مكافحة الإرهاب.. والقاهرة شريك تجارى كبير لواشنطن

السيسى: مصر حريصة على تدعيم وتعميق الشراكة الاستراتيجية الممتدة مع الولايات المتحدة الأمريكية التى تمثل ركيزة مهمة للحفاظ على الأمن والاستقرار بالمنطقة

«أنت شخص عظيم».. هكذا استقبل الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، الرئيس عبدالفتاح السيسى، خلال لقاء القمة المصرية الأمريكية التى استضافها البيت الأبيض الثلاثاء الماضى، وهو استقبال يلخص- إلى حد كبير- مسار العلاقات بين البلدين فى الوقت الراهن، فبعد أن كان التوتر هو السائد بين القاهرة وواشنطن، جاءت الإدارة الحالية لتؤكد أن عصرا جديدا فى العلاقات قد بدأ، وأن عنوان هذا العصر  يتلخص فى اسم واحد، هو «السيسى»، الرئيس الذى يحظى بتقدير كل الشخصيات الأمريكية، لما يملكه من رؤى وخطط تستهدف النهوض ليس فقط بمصر، وإنما بكل دول الإقليم، وتجنيبها ويلات الحروب والإرهاب.
 
«قمة استثنائية فى ظروف استثنائية»، هذا هو الوصف الذى يمكن إطلاقه على القمة المصرية الأمريكية التى شهدها البيت الأبيض، فرغم أنها القمة السادسة بين الرئيسين، والثانية فى البيت الأبيض، لكن الأجواء المحيطة بها، منحتها زخما كبيرا، وجعلتها محط أنظار الكثيرين، فى البلدين وفى منطقة الشرق الأوسط، فقد جاءت دعوة ترامب للرئيس السيسى لزيارة واشنطن فى توقيت بالغ الأهمية بالنسبة للدولتين وللمنطقة، مع وجود ملفات ثنائية وإقليمية مهمة على مائدة هذه القمة تحديدا، فبالإضافة إلى ملفات العلاقات الثنائية بأبعادها الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية والعسكرية وغيرها، هناك تطورات الأحداث فى منطقة الشرق الأوسط والأزمات المحتدمة بها والتى تزداد تعقيدا، وفى مقدمتها قضية فلسطين، وعملية السلام فى الشرق الأوسط والتى تحظى بأولوية كبرى لدى مصر، فضلا عن الأوضاع فى سوريا وليبيا واليمن وغيرها، بالإضافة إلى ملف مكافحة الإرهاب الذى يحظى بأولوية لدى كل من البلدين.
 
كل هذه الأحداث فرضت على العاصمتين المزيد من التشاور السياسى المكثف، فمصر دولة محورية على المستويين الإقليمى والقارى، فضلا عن رئاستها للاتحاد الأفريقى، والولايات المتحدة دولة عظمى منخرطة فى كل قضايا المنطقة ومؤثرة فيها، ويصعب تجاوز أى من الدولتين عند البحث عن حلول لكل هذه القضايا.
 
بالتأكيد، العلاقات الثنائية، كانت هى العنوان الرئيسى للقمة، ولمجمل زيارة الرئيس السيسى لواشنطن، خاصة قضية مكافحة الإرهاب، التى نالت الجزء الأكبر من المباحثات، لكن الملفات الإقليمية الملتهبة كانت حاضرة بقوة، خاصة فى ظل التوتر الحادث فى فلسطين وسوريا وليبيا واليمن، وهى ملفات تحظى باهتمام مصرى أمريكى مشترك، وتتطلب أن يكون هناك تشاور دائم ومستمر بين قيادات البلدين، وهو ما حدث فى واشنطن، وسيحدث طيلة الفترة المقبلة.
 
وخلال «قمة الثلاثاء»، أكد الرئيس عبدالفتاح السيسى أن العلاقات المصرية الأمريكية فى أفضل حالاتها على مدار عقود طوال، موجها التحية والتقدير للرئيس دونالد ترامب على دعمه لمصر، مشيرا إلى أن الرئيس ترامب يدعم مصر فى مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية.
 
فى المقابل أكد دونالد ترامب أن الولايات المتحدة حققت تقدما كبيرا مع مصر فى مجال مكافحة الإرهاب، وقال موجها حديثه للرئيس السيسى: «شرف كبير أن أكون هنا اليوم مع الرئيس السيسى، ولدينا مواضيع كثيرة يجب أن نبحثها تتعلق بالقطاعين العسكرى والتجارى، وعلىَّ أن أقول إن تقدما كبيرا تم تحقيقه بأشكال متنوعة فى مكافحة الإرهاب ومجالات أخرى مع مصر وداخلها، وما حدث رائع جدا»، مشيرا إلى أن مصر تعد شريكا تجاريا كبيرا للولايات المتحدة، مضيفا: «إننا نقوم بعمل مشترك كبير ولم تكن العلاقات بين مصر والولايات المتحدة، فى حالة أفضل مما هى عليه الآن».
 
وأكد ترامب أن السيدة الأولى للولايات المتحدة زارت مصر مؤخرا واستمتعت بمشاهدة الأهرامات والتقطت الكثير من الصور وكانت لحظات رائعة بالنسبة لها، مشيرا إلى أن نصف العالم يتطلع لزيارة مصر.
 
الرئيس عبدالفتاح السيسى ذهب إلى واشنطن حاملا معه مجموعة من الرسائل، تخص العلاقات الثنائية والأوضاع الإقليمية، وكانت الرسالة الأولى أن مصر حريصة على تدعيم وتعميق الشراكة الاستراتيجية الممتدة مع الولايات المتحدة الأمريكية، والتى تمثل ركيزة مهمة للحفاظ على الأمن والاستقرار بمنطقة الشرق الأوسط، معربا عن تطلعه لتعظيم التنسيق والتشاور مع الجانب الأمريكى خلال الفترة المقبلة بشأن مختلف الملفات السياسية والأمنية ذات الاهتمام المشترك.
 
الرسالة الثانية خاصة بالقضية الفلسطينية، التى كانت حاضرة بقوة فى زيارة الرئيس السيسى، الذى جدد أمام المسئولين الأمريكيين الموقف المصرى الواضح تجاه القضية باعتبارها على رأس أولويات السياسة والتحركات المصرية، فخلال استقبال الرئيس- مساء الإثنين الماضى بمقر إقامته فى «بلير هاوس»- لوزير الخارجية الأمريكى، مايك بومبيو، وكبير مستشارى الرئيس الأمريكى، جاريد كوشنر، أكد الرئيس أن مصر ستظل داعمة لأى جهد مخلص يضمن التوصل لحل عادل ودائم للقضية الفلسطينية، استنادا إلى قرارات ومرجعيات الشرعية الدولية وحل الدولتين وما تضمنته المبادرة العربية، على نحو يحفظ الحقوق الأصيلة للشعب الفلسطينى، الأمر الذى من شأنه صياغة واقع جديد بمنطقة الشرق الأوسط يحقق تطلعات شعوبها فى الاستقرار والبناء والتنمية والتعايش فى أمن وسلام، مشددا على ضرورة تفاعل المجتمع الدولى لإنهاء المعاناة الإنسانية فى سائر أنحاء الأراضى الفلسطينية المحتلة، خاصة قطاع غزة، وموضحا الجهود المصرية المركزة مؤخرا لاحتواء الأوضاع فى غزة وتخفيف المعاناة عن سكان القطاع، فضلا عن الجهود الرامية لتحقيق المصالحة الوطنية.
 
وعبر وزير الخارجية الأمريكى عن تقدير بلاده البالغ تجاه الجهود المصرية الأخيرة فى احتواء الوضع فى قطاع غزة ومنع تفاقم الموقف، مبديا تطلعه لاستمرار التشاور مع مصر فى هذا الخصوص، فيما أكد «كوشنر» الأهمية البالغة التى توليها بلاده للتشاور مع مصر فى هذا الإطار، باعتبارها مركز ثقل لمنطقة الشرق الأوسط، ولما لديها من خبرات طويلة ومتراكمة فى التعامل مع كافة الأطراف المعنية فى هذا الخصوص.
 
وكانت رسالة الرئيس السيسى الثالثة من واشنطن أنه لا سبيل لتسوية الأزمات التى تشهدها المنطقة، وتحديدا فى كل من ليبيا وسوريا واليمن، إلا من خلال الحلول السياسية، بما يحافظ على وحدة أراضى دولها وسلامة مؤسساتها الوطنية، ومن ثم يوفر الأساس الأمنى لمكافحة التنظيمات الإرهابية ومحاصرة عناصرها للحيلولة دون انتقالهم إلى دول أخرى بالمنطقة.
 
هذه هى الزيارة الثانية التى يقوم بها الرئيس السيسى إلى العاصمة الأمريكية واشنطن، فقد كانت الزيارة الأولى فى أبريل 2017 والتى دشنت لمرحلة جديدة من العلاقات المصرية الأمريكية ومثلت نقطة انطلاق جديدة فى مسار العلاقات مع الولايات المتحدة فى المجالات الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، تقوم على الصداقة والاحترام المتبادل، وأتاحت فرصة كبيرة لفتح صفحة جديدة فى العلاقات المصرية الأمريكية سعت خلالها مصر إلى التعريف بالفرص الاستثمارية والمشاريع القومية الكبرى، وفتح آفاق التعاون مع الشركات ورجال الأعمال الأمريكيين.
 
كما زار الرئيس نيويورك خمس مرات للمشاركة فى اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة فى الدورات: «69، 70، 71، 72، 73»، وجمعت بين الرئيسين خمس قمم بدأت بالاجتماع الأول بنيويورك مع المرشح الجمهورى للرئاسة وقتئذ دونالد ترامب، ثم توالت الاجتماعات فكان اللقاء الثانى فى واشنطن خلال زيارة الرئيس، الأولى، إلى واشنطن فى أبريل 2017، والثالث على هامش مشاركتهما فى «القمة الإسلامية- الأمريكية» بالرياض فى مايو 2017، فيما كان اللقاءان الرابع والخامس على هامش مشاركتهما فى اجتماعات الجمعية العامة بنيويورك فى سبتمبر 2017 وسبتمبر 2018 على التوالى.
 
 وخلال تلك اللقاءات والزيارات، أكد الرئيس السيسى أهمية العلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، مشيرا إلى أهمية قيام الجانبين بالعمل الدءوب والمستمر للحفاظ على هذه العلاقات وتعزيزها، كما أعرب الرئيس عن تطلع مصر لمزيد من التنسيق والتشاور مع الولايات المتحدة بشأن مختلف قضايا المنطقة، وخاصة مكافحة الإرهاب، كما رحب الرئيس بمشاركة الشركات الأمريكية الكبرى فى المشروعات الجارى تنفيذها فى مصر والاستفادة من الفرص الاستثمارية التى تتيحها هذه المشروعات.
 
 كما عكست تصريحات الرئيس اهتمام مصر بعلاقات الشراكة مع الولايات المتحدة ومسيرة التعاون الممتدة عبر عقود، مشيرا إلى أهمية الارتقاء بتلك العلاقات إلى مرحلة جديدة تتناسب مع المتغيرات الإقليمية والدولية الراهنة، وما تفرضه من تحديات ومخاطر، مرحبا بنتائج الحوار الاستراتيجى بين البلدين الذى عُقد خلال شهر أغسطس 2015، حيث عكست تلك النتائج حرص الجانبين على دعم الشراكة والتعاون بينهما فى مختلف المجالات.
 
يشار إلى أن مصر والولايات المتحدة ارتبطتا بعلاقات استراتيجية وثيقة استمرت على مدى العقود الأربعة الماضية، أخذت فى الاعتبار الدور المؤثر للولايات المتحدة فى كافة القضايا العالمية والإقليمية، وكذا الدور المحورى لمصر فى منطقة الشرق الأوسط، وأفريقيا، والعالم الإسلامى، وظل التنسيق والتشاور المصرى الأمريكى قائمًا فى كافة قضايا المنطقة، خاصة ما يتعلق بالقضية الفلسطينية والأوضاع فى سوريا ولبنان والسودان والعراق وإيران، فضلا عن مكافحة الإرهاب.
 
 وتعد الولايات المتحدة الأمريكية من أكبر الشركاء لمصر فى المجال الاقتصادى منذ أواخر السبعينيات من القرن الماضى، وتحتل مصر المرتبة الـ52 فى قائمة أهم شركاء الولايات المتحدة التجاريين، وقد وصل حجم التبادل التجارى بين البلدين لعام 2017 نحو 5.6 مليار دولار ليحتل المرتبة السادسة على مستوى الشرق الأوسط والأول فى قارة أفريقيا وبزيادة 13% عن عام 2016 الذى بلغ فيه حجم التجارة 4 مليارات و974 مليون دولار، كما شكلت الاستثمارات المباشرة لأمريكا فى مصر جانبًا مهمًا فى هذه العلاقة، حيث تعد مصر أكبر مستقبل للاستثمارات الأمريكية المباشرة فى أفريقيا بنسبة 38 % من الاستثمارات الأمريكية المباشرة فى القارة فى عام 2016، كما احتلت المرتبة الثانية بين الدول الأكثر استقبالا لتلك الاستثمارات فى الشرق الأوسط، وهو ما يعكس متانة العلاقات بين البلدين، وتبلغ الاستثمارات الأمريكية فى مصر 23.7 مليار دولار تتنوع ما بين استثمارات صناعية وخدمية وإنشائية وزراعية وتمويلية وتكنولوجية، منها نحو مليار دولار تدفقات جديدة دخلت إلى مصر خلال عام 2017-2018 كاستثمارات جديدة وتوسيع نشاط لبعض الشركات الأمريكية.
 
وتتمثل الصادرات المصرية لأمريكا فى الملابس الجاهزة والنفط والقطن الخام، والأسمدة، والحديد والصلب، والورق، والخضر والفاكهة، واللدائن، ومنذ عام 2005 تعتبر الملابس الجاهزة عماد الصادرات المصرية لأمريكا، بعد توقيع اتفاقية «الكويز» التى سمحت للصادرات المصرية من الملابس الجاهزة لدخول أمريكا بتسهيلات، بينما تعتمد مصر على واردات من أمريكا تتمثل فى العدد والآلات ووسائل النقل، والطائرات المدنية وأجزائها، والفول الصويا، والفحم الحجرى، والكيماويات، والقمح الذى يحتل مرتبة متقدمة فى العلاقات التجارية بين البلدين.
 
ويمثل قطاع السياحة أهمية كبيرة لمصر، وكان عام 2010 أفضل السنوات التى تدفق فيها السائحون الأمريكيون لمصر، حيث تجاوز عددهم نصف مليون سائح، ولكن نسبتهم من إجمالى عدد السائحين لمصر فى نفس العام بلغت 3.8%، وتراجعت أعدد السائحين الأمريكيين بعد عام 2010، وكانت فى عام 2015 بحدود 294 ألف سائح، وبنسبة تصل إلى 3.2 % من إجمالى السائحين الوافدين لمصر فى العام نفسه، ويعمل البلدان على تعزيز تدفق السائحين الأمريكيين إلى مصر.

 
لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق