«الجزيرة الخضراء».. قصة بطولة أسطورية لرجال عبروا وانتصروا.. ورحلوا فى صمت

الإثنين، 29 يوليه 2019 10:42 ص
«الجزيرة الخضراء».. قصة بطولة أسطورية لرجال عبروا وانتصروا.. ورحلوا فى صمت
عادل السنهورى يكتب:

بين فترة وأخرى تستعيد الذاكرة المصرية عافيتها وتسترد وعيها الحائر التائه لتنفض غبار سنوات التسطيح والتغييب والهلس وتعيد الاعتبار للأبطال الحقيقيين وبطولاتهم وتضحياتهم واستبسالهم للدفاع عن الأرض عقب هزيمة يونيو وبداية معركة التحرير فى حرب الاستنزاف حتى يوم العبور المجيد فى حرب أكتوبر.

هؤلاء الأبطال الشجعان قدموا أرواحهم فداءً لمصر وسطروا بدمائهم أسماءهم فى سجل الشرف والمجد بحروف وأسطر من ذهب.. ومنهم من استشهد فى المعارك ومنهم من انتظر بعد أن أدى دوره البطولى وعاش برضا وقناعة تامة بما أداه لوطنه.. ثم رحل فى صمت ودون ضجيج وصخب.
 
منذ أيام قليلة رحل عنا أحد هؤلاء الأبطال وهو العميد مجدى بشارة قلينى قائد معركة الجزيرة الخضراء فى حرب الاستنزاف وهى إحدى المعارك البطولية من بين معارك كثيرة للجيش المصرى فى طريق استعداده لمعركة التحرير والعبور الكبرى قى أكتوبر 73. 
 
ربما لا يعرف الكثيرون من الأجيال الجديدة قصة هذه المعركة الأسطورية التى دارت رحاها على أرض الجزيرة الخضراء، هى جزيرة صخرية صغيرة تقع فى البحر الأحمر جنوب قناة السويس على بعد ثلاثة كيلومترات جنوب بور إبراهيم وأربعة كيلومترات جنوب مدينة السويس وتبعد عن ميناء الأدبية بنحو ستة كيلومترات.
المعركة بدأت فى منتصف ليل 19 يوليو 1969، عندما حاولت قوات العدو الصهيونى الإغارة على الجزيرة للاستيلاء عليها وطرد القوات المصرية منها.. كان عدد القوات المصرية المتواجدة فوق الجزيرة نحو مائة جندى و5 ضباط، و30 صندوقا لقنابل يدوية، بالإضافة إلى قذائف لهب وذخائر وألغام بحرية تم زرعها تحت المياه لمواجهة ضفادع «إسرائيل» البشرية. 
 
كانت معركة بطولة وصمود رائعة.. واجهت خلالها قواتنا عملية إنزاللنحو 800 جندى إسرائيلى حاولوا التسلل ليلا لذبح كل الجنود المصريين، لتبدأ مواجهة عنيفة عجز الإسرائيليون خلالها عن دخول الصخرة بدماء شهدائنا. 
 
ودارت معركة شرسة نفدت خلالها الذخيرة، وصد الأبطال الغارة بأجسادهم واستشهد نحو 80 جنديا ولم يتبق من القوات سوى 24 فردا، وطلب مجدى بشارة قائد القوات المصرية  إمدادا من قائد الجيش الثانى، فأرسل له 40 جنديا عبر لانش بحرى لكنهم استشهدوا بغارة إسرائيلية قبل وصولهم، وبعدها جاء الرد لـ«بشارة»: «حارب بما هو موجود لديك»، فقال له بشارة: «أرجوك بعد 10 دقائق افتح كل مدفعية الجيش الثانى على الموقع لإبادة كل من فيه»، فرد قائد الجيش: «انت مجنون» فقال بشارة: «نموت أفضل من سقوط الموقع».
 
 أعطى «بشارة» أوامره لجنوده بنزول المخابئ، وتم فتح النيران ليحدث ما توقعه، فالقوات الإسرائيلية لم تتحمل وانسحبت، وأثناء الانسحاب طاردهم أبطالنا بمدفعين فأغرقوا لنشات إسرائيلية، وقتل 62 وإصابة 110 إسرائيليين، وهذا ما أعلنته إسرائيل، رغم أن العميد مجدى بشارة يتوقع عددا أكثر من ذلك.
 
وفى الساعة السادسة صباحا حطت 3 طائرات إسرائيلية على سطح المياه لانتشال خسائرهم. أعطى «بشارة» أمرا لجنوده بعدم الرد على أى غارة أخرى، لكن بطل مصرى اسمه العريف محمد إبراهيم الدرديرى كان على مدفع رشاش يطلق 3600 طلقة فى الدقيقة، شاهد طائرتين إسرائيليتين «ميراج» قادمتين، وفور وقوعهما فى دائرة التنشين فتح النيران فأوقعهما، فجنت إسرائيل لتكثف غاراتها بالطائرات يوم 20 يوليو، فواجهها أبطالنا البواسل الشجعان لتخسر إسرائيل 17 طائرة.
 
الرواية الإسرائيلية وبعد مرور 46 عاما من معركة الجزيرة الخضراء.. وفى عام 2015 كشفت النقاب عن محاضر الجلسات السرية للجنة الدفاع والخارجية فى الكنيست للاستماع إلى الشهادات التى أدلى بها لأعضاء اللجنة وزير الدفاع  وقتها موشيه ديان، ورئيس الأركان حاييم بارليف وعيزرا فايتسمان، وعدد من كبار الضباط الإسرائيليين.
 
تشير الوثائق إلى أن عملية الجزيرة الخضراء جاءت ردا على مقتل العشرات من جنود الجيش الإسرائيلى على جبهة القناة خلال القصف المدفعى المتبادل مع القوات المصرية، ومن أجل تغيير الآلية، وردع الرئيس جمال عبدالناصر عن الاستمرار فى حرب الاستنزاف، ولذلك فقد اقترحت القيادة العسكرية القيام بعمليتين منفصلتين ومتواليتين فى حين ألغيت عملية ثالثة تقضى بإنزال قوات كوماندوز غرب القناة.
 
كان القوات الإسرائيلية فى الشهر السابق للعملية ــ مايو ــ تكبدت خسائر كبيرة على يد القوات المصرية التى نجحت فى قتل وجرح ما يزيد على 160 جنديا إسرائيليا خلال عمليات قامت بها شرقى القناة. أما عن توقيت العملية فقد اختير لها أن تتزامن مع هبوط سفينة الفضاء أبولو 11 بقيادة رائد الفضاء أرمسترونج على القمر عندما يكون العالم مشغولا بهذا الحدث.
 
وتكشف الوثائق أن الهجوم على الجزيرة كان محل خلاف بين القيادة العسكرية من جانب وبين صغار الضباط من جانب آخر، فقد شكك كثير من الضباط ومن بينهم عوزى ديان ابن شقيق وزير الدفاع موشيه ديان، فى خطورة العملية وتعريض حياة الجنود للخطر، بينما كان رئيس الأركان والقيادة السياسية يرون أنها عملية ضرورية.. وبحسب الوثائق فقد قيل لعوزى ديان: بدلا من أن تسوى طائرات سكاى هوك الجزيرة بالأرض، فإنه من المتوقع زرع الرعب فى قلوب المصريين.
 
فى شهادتهم أمام اللجنة قال كبار الضباط: «أردنا أن نقتل أكبر عدد من المصريين فى هذا الموقع الحصين على القناة، وأن نرد لهم ما فعلوه بنا، وأن نصل إلى أصعب نقطة لدى المصريين لا مثلما فعلنا حتى الآن من الوصول إلى الجبهة الداخلية المصرية المكشوفة، أو المواقع الضعيفة على خليج السويس».
وأرجع القادة الإسرائيليون السبب فى كثرة عدد القتلى إلى طبيعة أرض الجزيرة «أردنا أن نتجنب قدر الإمكان أن يصاب جنودنا، وقلنا منذ البداية إن مقتل عشرة جنود يعنى الفشل».
 
وتستمر اعترافات القادة الصهاينة: «عرفنا أن المصريين ينتظرون عملا كبيرا من قبلنا، كنا نظن أنهم يعتقدون أن هذه هى العملية الكبيرة التى ستقلل من استعدادهم، ومن ثم نفاجئهم بالضربة الجوية، الأمر كله مسألة حظ، فلولا مصرى واحد يحمل مدفعا رشاشا، وآخر ألقى قنبلة يدوية لانتهت العملية دون قتلى أو انتهت بقتيلين فقط.. لكنها كانت الهزيمة».
 
أما البطل القائد العميد مجدى بشارة قلينى، والذى رحل عن عالمنا منذ أيام قليلة، فهو من أبطال سلاح الدفاع الجوى بحرب الاستنزاف ونصر أكتوبر 73 و يشاء القدر أن يكون رحيله فى الذكرى الخمسين فى قيادته لمعركة الجزيرة الخضراء وانتصار الجيش المصرى على القوات الإسرائيلية، شارك هو وأشقاؤه فى الدفاع عن تراب مصر، اللواء طيار وصفى بشارة بالقوات الجوية ميج 21 واللواء كمال بشارة بسلاح المدفعية.
 
شارك بشارة فى حرب يونيو 1967 بمنطقة فايد، رئيسا لعمليات كتيبة مدفعية مضادة للطائرات، وحروب الاستنزاف ومعاركها الشرسة منذ عام 1968 إلى عام 1970 على طول الجبهة، ومنها معركة الجزيرة الخضراء قائدا للفوج 63 مدفعية مضادة للطائرات.
 
ثم حرب أكتوبر 1973 بمنطقة فايد، قائد كتيبة 572 صواريخ دفاع جوى سام 3، حيث كبد العدو خسائر فادحة، تحت قيادة اللواء أ.ح. جورج ماضى عبده.
حصل العميد مجدى بشارة على درجة دراسات عليا فى العلوم العسكرية وعلوم الفضاء وتكتيكات الصواريخ بالاتحاد السوفيتى عام 1971.. وفى عام 76 تقدم باقتراح خاص بتعديل فى محطة توجيه صواريخ سام 3 لكى تعمل بنظام جديد وبكفاءة أعلى، كما قام بتصميم وتصنيع طائرة موجهة باللاسلكى بدون طيار لتدريب وحدات المدفعية والرشاشات المضادة للطائرات، وتم تجريبها بإطلاق النيران عليها 1980 أمام الرئيس الراحل أنور السادات وكبار رجالات الدولة والقوات المسلحة.
 
له مؤلفان فى التاريخ العسكرى يتم تدريسهما فى الكليات والمعاهد العسكرية، الأول باسم «معركة الجزيرة الخضراء- يوليو1969» بتكليف من هيئة البحوث العسكرية تمت طباعته عام 1979، والثانى باسم «نشأة وتطور قوات الدفاع الجوى» وتمت طباعته عام 1983.
 
المفاجأة أن العميد بشارة قام بوضع المادة العلمية لإنتاج فيلم عسكرى عالمى يمجد بطولات القوات المسلحة بتكليف من الرئيس السادات عام 1979 وبإشراف هيئة البحوث العسكرية، والفيلم باسم «معركة الجزيرة الخضراء» بصفته قائدا لهذه المعركة، وأطالب بإنتاج فيلم عن هذه المعركة البطولية لتعريف الأجيال الجديدة بما حققه آباؤهم فى معركة الشرف.
 
حصل على العديد من الأوسمة والنياشين منها نوط الشجاعة العسكرية من الطبقة الأولى من الرئيس الراحل جمال عبدالناصر 1969 عن معركة الجزيرة الخضراء، ونوط الواجب العسكرى من الطبقة الأولى من الرئيس الراحل أنور السادات عام 1971، ونوط الشجاعة العسكرى من الطبقة الأولى عن دوره فى حرب أكتوبر 1973. 

 
لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق