أن تُكتب «مصلحٌ» أو تُسجل «لاهثٌ»

السبت، 18 يناير 2020 08:55 م
أن تُكتب «مصلحٌ» أو تُسجل «لاهثٌ»
مصطفى الجمل

 
في الأثر سمعنا كثيراً عن رجالٍ صالحين، ساروا بين قومهم واعظين ناصحين باذلين ما بيمينهم ويسارهم لمساعدة الغير، مقدمين النموذج الحسن في إتقان ما يجيدونه من عمل، لا يبادرون بالإسائة ولا يتخاذلون عن صد المسيء، لغيرهم قبل أنفسهم، ولكن كل ذلك لم ينجهم يوماً من ويلات التشويه. 
 
حملات ممنهجة، لا هدف منها سوى تعكير صفو الماء الجاري في النهر، طالت رجالاً لم يقدموا سوى ما ينفع الناس وما يمكث في الأرض، وفي كل مرة كان المدخل واحداً، فلا يعبر المغرضون إلى المصلحين إلا عبر جسر تشويه السمعة. 
 
الأمر قديمٌ بقدم الرسالات السماوية، وطال نبينا محمد – صلى الله عليه وسلم – فيما يعرف تاريخياً بحادثة الإفك، وقبل أن ينتصب «المتحذلقون» ويتهموننا بالمساواة بين النبي وغيره من صحابته وتابعيه وأحبته، الذين طالتهم مثل تلك الحملات المشوهة لتاريخهم وسمعتهم ليس لشيء إلا لأنهم قدموا نماذج صالحة في المجتمع، يجب أن نؤكد أن مجال التشبيه هنا هدفه في الأساس رد الأمر إلى أوله وأصله، والتأكيد على أنه لا أحدٌ آمنٌ من تلك الحملات، فإذا كانوا تجرأوا على النبي وآل بيته وهم الأعلون شأناً، فهل سيستحون من غيرهم؟! 
 
مع تطور الزمن تطورت آليات التشويه، وظل المبدأ واحداً، لا بديل عن تشويه السمعة، واختراق الحياة الجنسية لهدم أي نموذج يلتف حوله المجتمع، ويشار إليه بالبنان، وفي عصر التطور  التكنولوجي الهائل، أصبح الأمر يسيراً، بل أيسر مما يتخيل أحد. 
 
فقط جهاز بإمكانات متوسطة، وتقني هاو، وصفحةٌ مكتظةٌ باللجان الإلكترونية، وعشر دقائق عمل، ستصبح قادراً على ملء صفحات الواقع الافتراضي، بفيديوهات وصور مفبركة، معنونة بما كان يطلق عليه قديماً «الصحافة الصفراء»، عناوين على هيئة شاهد فضيحة فلان، وهنا ننشر جزء من ملابس فلانة، وهكذا.
 
ماتت الصحافة الصفراء في المطابع وتوارت من أرصفة الجرائد، وبقي أثرها على صفحات الـ«سوشيال ميديا» المشبوهة، عنوانٌ مثيٌر ومتن في الأغلب مفبركٌ أو مضمحل، والرهان لأصحاب هذه الحملات يبقى على أنه لا أحد يقرأ ولا أحد يراجع لا أحد يفكر لحظة في تشغيل مخه، وعلى أسوأ التقديرات سيخرجه المشوهون بنتيجة إيجابية، إعمالاً للمنطق الغوغائي الحاكم «العيار اللي ميصيبش يدوش». 
 
لو أن يومين مروا دون أن يُصنع تريند على إثر فضيحة جنسية لفلان أو علان، لشعرت بأنك إزاء قوم من المدمنين المحرومين من الجرعة، الذين يقتفون أثرها حتى يجدونها ويبدأون توزيعها على بعضهم، حتى يقع مبتغاهم، وبعدها يبدأون رحلة البحث عن جرعة جديدة، حتى تفنى حياتهم في اللهث خلف صناعة التريندات الواهية، ويسير غيرهم في طريقهم للإصلاح والإعمار والتنوير، فيكتب هؤلاء عند الله «مصلحون» ويدون أعدائهم في باب «الكلاب اللاهثة».

 
لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق