من هنا كانت البداية

الأحد، 23 فبراير 2020 02:54 م
من هنا كانت البداية
محمد أبو ليلة يكتب :

الزمان 3 يناير 2011.. أتذكر ذلك التاريخ جيدا، وقتها كنت ما أزال طالبا فى السنة الرابعة بكلية الآداب جامعة طنطا، عندما قررت السفر إلى القاهرة لأجرب حظى من أجل تحقيق حلم طالما كان يراودنى، أن أعمل صحفيا فى بلاط صاحبة الجلالة، شاءت الأقدار أن تطأ قدمى تلك «الفيلا» العريقة الكائنة بـ 9 شارع هيئة التدريس بحى الدقى.. «إنها مقر جريدة صوت الأمة»، تلك الجريدة التى ذاع صيتها فى العقد الأول من القرن الحالى، مَن مـِن المهتمين بالشأن العام المصرى آنذاك لا يعرف صوت الأمة؟! تلك الصحفية التى استوعبت ثُلثى صحفيى مصر على الأقل، كثيرون ممن عملوا فى الصحف الخاصة والأسبوعية آنذاك مروا على «صوت الأمة»، فالقضايا والخبطات الصحفية التى فجرها أساتذتنا فى «صوت الأمة» كانت الشوكة التى قصمت ظهر البعير وهددت عرش مبارك قبل ثورة يناير، اشتباكات الرأى التى قادها الدكتور عبدالحليم قنديل آنذاك كانت من مقدمات الثورة على مبارك ونظامه
 
أتذكر الشغف الكبير الذى كان يُسيطر على مشاعرى فى أول لحظة دخلت فيها جريدة «صوت الأمة» فى موعد مع رئيسة قسم المحافظات آنذاك الزميلة العزيزة إيمان محجوب، كى أطلب منها التدرب فى تلك الجريدة العريقة، وقتها لم يكن يتبق على موعد امتحانات الفصل الدراسى الأول سوى أسبوعين، اتفقنا أن أبدأ تدريب معها بعد نهاية آخر يوم من امتحاناتى الذى يوافق يوم 25 يناير 2011، الأحداث تسابقت بسرعة مذهلة ووقعت ثورة يناير بأحداثها وأيامها التى لا تزال محفورة فى ذاكرتنا حتى الآن، تقابلنا مرة أخرى فى ميدان التحرير فى اعتصام الـ 18 يوما، أنا وزميلتى العزيزة إيمان محجوب لنعمل معا على إنتاج أول قصة صحفية نُشرت لى فى تلك الصحيفة العريقة عن الثورة الضاحكة، رصدنا فيها لافتات وشعارات كوميدية رفعها المتظاهرون فى ميدان التحرير للمطالبة بإسقاط حسنى مبارك، ونُشرت هذه القصة فى الصفحة الأولى من العدد الأسبوعى للجريدة، كان ذلك بالنسبة لى سعادة غامرة أن يُنشر اسمى فى الصفحة الأولى وأنا ما زلت طالبا وبرفقة أستاذة وزميلة عزيزة من أشطر صحفيى جيلها، زميلتى إيمان محجوب التى حصلت على جائزة نقابة الصحفيين التشجيعية عام 2008 فرع التحقيق الصحفى عن تحقيق بعنوان «سرقة وتزوير 907 وثائق من دار الكتب».
 
مرت الأيام كثيرا وكانت «صوت الأمة» حاضرة طوال الأحداث السياسية والاجتماعية التى وقعت بعد ثورة يناير، وأتذكر جيدا تلك الخبطة الصحفية التى قامت بها زميلتى إيمان محجوب عندما تسللت لسجن مزرعة طرة واستطاعت الحصول على صور حصرية لوزراء مبارك المحبوسين بـ البدلة الزرقاء، وكان لـ «صوت الأمة» السبق بين كل الصحف المصرية فى نشر الأوضاع المعيشية لرجال مبارك داخل السجن.
 
وعندما جاء الإخوان للسلطة كانت «صوت الأمة» حاضرة بقوة تحت إدارة الأستاذ النبيل عبدالحليم قنديل، حيث نشرنا العديد من الملفات التى تُدين حكم مرسى وجماعته، كانت كتيبة «صوت الأمة» حاضرة فى كل الأحداث، أحداث الاتحادية ديسمبر 2012، عندما قتل الإخوان الحسينى أبوضيف، عجلت ملفات «صوت الأمة»- مع العديد مما نُشر فى وسائل الإعلام وقتها- بنهاية حكم الإخوان، وكانت الجريدة شريكا أساسيا فى ثورة الـ 30 من يونيو وخارطة طريقها.
 
لم يكن عبدالحليم قنديل مجرد رئيس تحرير يدير صحيفة تصدر كل أسبوع، ففكره وبساطته وتأثيره فى الرأى العام ذروة ثورة يناير وما قبلها، كانت كفيلة بإصابتك بحالة من الانبهار والتقدير بمجرد الجلوس معه فى مكتبه، فأنت أمام رجل بكل ما يحمله من نزاهة ونضال فكرى وصحفى لا يزال بسيطا فى أن يظل نصف ساعة يستمع لكلام لا قيمة له من محرر صغير لا يمتلك سوى الحماس والشغف، فهو قادر على أن يستوعب كل هذا الحماس ويحوله لأفكار صحفية صالحة للتنفيذ.
 
العمل فى الصحف الخاصة أو الحزبية ما قبل ثورة يناير كانت أجواؤه تتسم بالنرجسية نوعا ما، خصوصا لو كنت محررا صغيرا لاتزال تشق طريقك، لكن عبدالحليم قنديل كان يتفاعل مع الصغير قبل الكبير، وباب مكتبه كان مفتوحا دائما لكل المحررين، وكان سكرتيره الراحل الأستاذ طلال رفعت، الذى كنا نناديه دوما بـ «عم طلال»، هو صورة أخرى لاكتمال حالة الشغف والسكينة التى تُسيطر علينا بمجرد أن يُطل بابتسامته المعهودة رحمه الله ويقول «أستاذ فلان دكتور عبدالحليم عايزك». 
 
مرت الأيام كثيرا وكانت النقلة الكبرى الأخرى لـ «صوت الأمة» عندما انتقلنا فى فبراير عام 2017 للمقر الجديد، وانضمامنا لمجموعة إعلام المصريين، ومنذ اللحظة الأولى من انتقالنا كان تشجيع الأستاذ خالد صلاح -رئيس مجلس إدارة اليوم السابع- لنا حاضرا وبقوة، اشتغلنا تحت إدارة تحرير أستاذنا عادل السنهورى والعزيزين هشام السروجى ويوسف أيوب وحمدى عبدالرحيم بكافة القوالب الصحفية من خبر لتقرير تحليلى لحوار، وصولا إلى التحقيق الصحفى والقصص الصحفية المُعمقة، خلال الثلاث سنوات الماضية أنتجنا قصصا عالية الجودة، بنزاهة تحريرية صارمة استطعنا أن نحرك الرأى العام تارة، وتارة أخرى حصلنا من خلالها على جوائز صحفية.
 
حيث نشرت زميلتنا العزيزة هناء قنديل قصة صحفية بعنوان «صوت الأمة تخترق العالم السرى لــ نجوع قنا قرى الدم ومثلث الرعب فى الصعيد الجوانى» استطاعت أن تفوز هذه القصة بجائزة التغطية الإخبارية المحلية ضمن مسابقة التفوق الصحفى لعام 2018 لنقابة الصحفيين، كما نشرنا قصة صحفية أخرى معمقة تكشف كواليس وأسباب انتحار سيدة الإيدز المنتحرة بحى بولاق الدكرور، وفازت هذه القصة أيضا بجائزة نقابة الصحفيين التشجيعية فرع صبرى غنيم للقصة الإنسانية عام 2018.
 
ونشرنا قصة صحفية أخرى مُعمقة عن المصانع المغلقة بعنوان «على أعتاب المصانع المغلقة.. بيوت العمال لم تعد عمارا»، حيث فازت هذه القصة بجائزة التميز الصحفى بنقابة الصحفيين كثانى أفضل قصة خبرية لعام 2019، تلك القصة كشفت الضرر البالغ الذى أصاب أكثر من 200 ألف عامل مصرى بعد إغلاق المصانع وتعثرها، ومن خلال معايشتنا داخل عشرات من المصانع المغلقة بمدينة السادس من أكتوبر والتى يوجد بها ما يقرب من 700 مصنع مغلق، حيث استطعنا توثيق شهادات لأصحاب هذه المصانع الخاوية وتأثير إغلاقها على الاقتصاد المصرى، هذه القصة التى نُشرت فى عام 2018، كُللت تفاصيلها بالنجاح عندما طالب الرئيس عبدالفتاح السيسى مطلع الشهر الجارى- فبراير 2020- الحكومة باتخاذ كل الإجراءات الفورية التى تدعم عودة هذه المصانع المغلقة مرة أخرى.
 
كما كشفنا فى سلسلة تحقيقات عام 2018 ثغرات عدة فى القانون رقم 144 لسنة 2006 الخاص بهدم المبانى التراثية، من بينها تحقيق صحفى حمل عنوان «فيلا أجيون.. تدمير تراث الإسكندرية بدأ من هنا»، وتحقيق صحفى آخر حمل عنونا «فى عمارة راقوده.. ذكريات يوسف شاهين تنهار»، وتحقيق آخر حمل عنوان «مذبحة الهدم العشوائى بفيلات المهندسين»، كشفنا من خلال التحقيقات الثلاثة عن قيام سماسرة ومقاولين بهدم عدد من الفيلات التراثية بالإسكندرية وبمنطقة المهندسين بالجيزة مُستغلين ثغرة فى قانون الهدم تسمح لهم بشراء تلك الفيلات وهدمها وبناء مكانها أبراج سكنية شاهقة بالمخالفة لقانون البناء وهذا الهدم ساهم فى تشويه النسق الحضارى للحى العريق.
 
هذا التحقيقات الثلاثة أسفرت عن تقديم عدة طلبات إحاطة بالبرلمان المصرى لتعديل قانون الهدم، أسفرت مؤخرا عن إقرار القانون رقم 3 لسنة 2020، والخاص بتعديل بعض أحكام القانون رقم 144 لسنة 2006، فى شأن تنظيم هدم المبانى والمنشآت غير الآيلة للسقوط والحفاظ على التراث، حيث يهدف القانون الجديد لـزيادة فترة تقديم التظلمات من القرارات الصادرة على المبانى والمنشآت، وزيادة الرسم المقرر بمقدار يتماشى مع الحقبة الزمنية الحالية، وذلك للحفاظ على حقوق المواطنين وحق الدولة فى الوقت ذاته، ومن أجل الحفاظ على الكتلة السكنية.
 
وللحديث بقية..
 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق