غزوة الأمل الكبرى

السبت، 09 مايو 2020 01:14 م
غزوة الأمل الكبرى
حمدي عبد الرحيم

نزل القرآن الكريم في شهرنا هذا، رمضان المعظم، فكان نزوله هو أول الإسلام وأهم خطوة من خطوات تاريخه، ثم جاءت الهجرة النبوية الشريفة فكانت ثاني أهم خطوة، ثم في العام الثاني من الهجرة وفي اليوم السابع عشر من رمضان كانت غزوة بدر، فكانت ثالث أهم خطوة .
وللحق فإن عزوة بدر لم تكن كغيرها من الغزوات، إذا أنها تعلو فوق التصنيف العسكري وتسمو فوق العمل الحربى، لقد كانت غزوة الأمل ولا شيء غيره، وكانت غزوة " نكون أو لا نكون".
نسمع معًا دعاء سيد الخلق قبل بدء الاشتباك :" اللهمَّ إنْ تَهلِكْ هذه العِصابةُ مِن أهلِ الإسلامِ فلا تُعبَدُ في الأرضِ أبدًا"، دعاء الرسول أوضح من أن يحتاج لتفسير، لو هلك المسلمون فسينتهي الدين، من حيث هو دين .
نحن الآن أعصابنا باردة فقد مرت أكثر من ألف وأربعمائة سنة على تلك الغزوة الفريدة، وما عاد القلق والخوف يضربان القلوب بقسوة، ولكن تعالوا نستحضر الواقعة لكي نحصد النتائج .
من ناحية مسرح العلميات فقد أحسن المسلمون اختيار مكان الاشتباك، الماء معهم وليس مع عدوهم، وهذه فقط هى نقطة تفوق المسلمين، أما غير ذلك، فالمنطق يقول: إن هزيمة مذلة كانت بانتظار المسلمين.
من ناحية العدد، وكانت له أهمية قصوى في تلك المرحلة التاريخية، كان عدد المسلمين لا يتجاوز الثلاثمائة والأربعين رجلًا، وبعض المؤرخين يهبط بالعدد إلى ثلاثمائة وتسعة رجال!.. هذا العدد كان كل جيش الإسلام، في مقابل ألف وثلاثمائة مقاتل من قوات العدو، وكان العدو معه مئة فرس وستمئة درع.
هذا التفوق الكاسح في عدد القوات يشير إلى النتائج النهائية، ثم مع تفوق العدو فهناك خط إمداد يصل بينه وبين قاعدته في مكة، المسلمون كانوا أصلًا يعانون من شظف العيش، فلو طالت المعركة وطلبوا مددًا من قاعدتهم في المدينة المنورة لم يكن سيصلهم شيء.
وفق الحسابات الباردة، سيكتسح العدو المسلمين بكل سهولة، ولكن هناك حسابات الشهداء الذين يقتلون أو ينتصرون، الشهداء الذين لا يعرفون الفرار، ولا يعرفون اليأس .. هذه كانت معركة الأمل ضد اليأس، معركة الفرج ضد العسرة، معركة الكرامة ضد المهانة.
انتهت المعركة بخسارة مذلة للمشركين، خسروا أسلحتهم وأحصنتهم وجمالهم، إضافة إلى سبعين سقطوا قتلى ومثلهم سقط في الأسر.
أين ذهب التفوق العسكري الذي تمتعت به قريش؟.. لقد تبخر تحت ضربات سيوف الأمل، المسلمون كانوا من الحكمة بحيث أنهم لم يثبتوا لحظة خروجهم خائفين من مكة، لقد أجبرتهم قريش بقوتها على مغادرة وطنهم بأيدي فارغة، ثم قامت قريش بالاستيلاء على أملاكهم، تلك اللحظة الجارحة، لم يستسلم لها المسلمون، بوصفها قدرهم الذي لا مفر منه ولا مهرب، بفطرتهم وقبل نزول الآيات الكريمة أدرك المسلمون أن الأيام دول والهزيمة لا يمكن أن تكون مستمرة ومتواصلة تواصل الليل والنهار.
لقد بذلوا أقصى جهدهم في التخطيط البشري للمعركة، لم يخافوا من جبروت قريش ومن قوتها الكاسحة، لم يقل أحدهم : لم تهزم قريش من قبل في معركة.
على الجانب الآخر، كانت قريش قد ثبتت لحظة طردها ومطاردتها للمسلمين، فصغر شأن الإسلام كله في عينها، فدخلوا المعركة والنصر في جيوبهم، بما في ذلك من خيلاء واستهتار بالخصم، فماذا كانت النتيجة النهائية؟.. لقد ذاقوا وبال أمرهم، وكسر المسلمون شكوتهم، وكانت بدر هى الباب الملكي لمكاسب قادمة.
هذا المثل العظيم يكاد يتطابق مع معركة المصريين في العاشر من رمضان، كان التفوق العسكري لصالح العدو لا شك في ذلك، اللهم إلا في ميزان عدد القوات، ومع وجود خط بارليف الحصين ومع سيطرة العدو على شاطئ القناة فعلها المصريون ولقنوا العدو درسًا لم ينسه يومًا.
الأمل سلاح يقهر أعتى الأسلحة فهم لم يخسر قط، واليأس عدو يجب اقتلاع جذوره من القلوب، والتاريخ كله يؤكد أن الأمم المنتصرة هى الأمم التي تتسلح بالأمل أولًا.
 

 
لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق