هل كان النبي سبَّابًا ولعَّانًا؟

السبت، 23 مايو 2020 05:45 م
هل كان النبي سبَّابًا ولعَّانًا؟
أيمن عبد التواب

هناك مَنْ يرى أن النبي- صلى الله عليه وسلم- كان سبَّابًا، ولَعَّانًا.. مستشهدًا بحديث السيدة عائشة: «دخل على رسول الله رجلان، فكلّماه بشيء لا أدري ما هو؛ فأغضباه؛ فلعنهما وسبّهما...».. هؤلاء يرون أن حديث أم المؤمنين يتعارض مع حديث: «لم أبعث لعَّانًا».. فهل صحيح أن النبي لعن أحدًا؟ وإن كان فعل، ألا يتعارض ذلك مع الحديث النبوي: «إني لم أُبعث لعانًا، وإنما بُعثتُ رحمة للعالمين»، وغير ذلك من الأحاديث التي تحذر من السبِّ واللعن، وتنفيه عن المؤمنين؟.

ربما يتعجب كثيرون من إثارة مثل هذه التساؤلات؛ لأنهم على ثقة بأن النبي لم يفعل ذلك، وكيف يفعل وهو الرحمة المهداة، وكان رحيمًا بالحيوان، فكيف ببني الإنسان؟.. لكن ما لا يعلمه هؤلاء أن النبي فعلها ذات مرة، وهناك أحاديث نبوية صحيحة تثبت ذلك.. إلا أن المزايدين وبعض المستشرقين، والطاعنين في سنة النبي، حاولوا إثبات وجود تعارض وتناقض هذه الأحاديث مع أحاديث أخرى تخبرنا بأن النبي لم يُبعث لعانًا، ولا فاحشًا ولا بذيئًا.. فكيف نوفق ذلك كله مع حديث السيدة عائشة؟

جاء في «صحيح مسلم» عن أبي هريرة قال: قيل يا رسول الله! ادع على المشركين، قال: «إني لم أبعث لعانًا، وإنما بعثت رحمة»، وقال أيضًا: «لا ينبغي لصِدِّيقٍ أن يكون لعانًا».

وعن أبي الدرداء، قال: سمعت رسول الله يقول: «إن اللعانين لا يكونون شهداء ولا شفعاء يوم القيامة».

في هذه الأحاديث ينفي النبي عن نفسه أن يكون لعَّانًا، بل ويجعل اللعن يتنافى مع مقام النبوة ورتبة الشهادة والصديقية، فالحلم والأناة وعفة اللسان من أعظم صفات نبينا محمد، حتى إن الثناء عليه بهذه الصفات سبق في كتب الأنبياء تَنَزُّلَه في القرآن الكريم، ويقول الله عز وجل: «فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ».

ولم تكن رحمته صلى الله عليه وسلم مقتصرة على المسلمين، بل نالت رحمته وشفقته كثيرًا من المشركين والمنافقين، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: «قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ادْعُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ؟ قَالَ: إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً».

غير أنه لا يلزم من كون الرحمة والشفقة هي الهدي الغالب النبي، أن لا يقع منه عليه الصلاة والسلام نزر يسير في بعض المواقف التي تقتضيه، بحكم الطباع البشرية، وفقًا لموقع «الإسلام سؤال وجواب»، الذي أنقل عنه نص الإجابة.

وفي ذلك صور عديدة من الحكم البالغة، منها:

1- أن النبي كان ولي أمر المسلمين، والولي يحتاج إلى شيء من الشدة في بعض المواقف، كي يستقيم حال الناس، وتعتدل أمورهم، ولا يغرهم حلم الوالي، ولا صفح الحاكم، ألا ترى معي كيف أمر النبي برجم الزاني، مع ما في ذلك من الشدة والإغلاظ في العقوبة، لكن إصلاح المجتمعات لا يكون إلا بإقامة العدل، وتطبيق الشرع، وإلا أفسد الحلم حياة الناس.

2- ولعل من أعظم الحكم أيضا هو تحقيق مقام القوة الكاملة الذي نصبه الله عز وجل في هذا الرسول الكريم، وذلك في قوله سبحانه وتعالى: «لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ».

والشدة وإغلاظ القول إذا وقع موقعه الصحيح من الضرورات التي يلجأ إليها القادة والرعاة في هذه الأمة، والرسول قدوتهم في ذلك، فالإصلاح لا يكون إلا باجتماع جناحي الترغيب والترهيب، والخوف والرجاء.

وعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: «وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ لِنَفْسِهِ إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ بِهَا».

 ومن ذلك أيضا الحديثان المذكوران؛ والذي دعا إلى هذا الإغلاظ في القول منه صلى الله عليه وسلم ما نقله المفسرون والشراح من أن الرجلين اللذين أفسدا على المسلمين عين الماء في تبوك كانا من المنافقين، وكان ما وقع منهما على وجه القصد والعمد لأذية المسلمين وقطع الماء عنهم، فعاقبهما النبي بأقل ما يمكن أن يعاقب به الحاكم من التعزير بالقول والإغلاظ في الكلام.

3- النبي «غير معصوم من الخطأ في قوله»، أو سبق اللسان؛ وقد يظن في إنسان أنه مستحق للعن أو السب، فيسبه بحكم ما بدا له من ظاهر أمره، فإذا لم يكن مستحقًا لهذا السب أو اللعن من النبي، في حقيقة أمره، فقد شارط الرؤوف الرحيم ربه أن يجعل هذا في ميزان حسنات من سبه، وأن تكون زكاة له، وكفارة لذنبه: فقد روى مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ  قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللَّهُمَّ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ؛ فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ سَبَبْتُهُ أَوْ لَعَنْتُهُ أَوْ جَلَدْتُهُ: فَاجْعَلْهَا لَهُ زَكَاةً وَرَحْمَةً».

قال النووي: «هَذِهِ الْأَحَادِيث مُبَيِّنَة مَا كَانَ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الشَّفَقَة عَلَى أُمَّته, وَالِاعْتِنَاء بِمَصَالِحِهِمْ, وَالِاحْتِيَاط لَهُمْ, وَالرَّغْبَة فِي كُلّ مَا يَنْفَعهُمْ. وَهَذِهِ الرِّوَايَة الْمَذْكُورَة آخِرًا تُبَيِّن الْمُرَاد بِبَاقِي الرِّوَايَات الْمُطْلَقَة, وَأَنَّهُ إِنَّمَا يَكُون دُعَاؤُهُ عَلَيْهِ رَحْمَة وَكَفَّارَة وَزَكَاة وَنَحْو ذَلِكَ إِذَا لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِلدُّعَاءِ عَلَيْهِ وَالسَّبّ وَاللَّعْن وَنَحْوه, وَكَانَ مُسْلِمًا, وَإِلَّا فَقَدْ دَعَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْكُفَّار وَالْمُنَافِقِينَ, وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُمْ رَحْمَة.

فَإِنْ قِيلَ: كَيْف يَدْعُو عَلَى مَنْ لَيْسَ هُوَ بِأَهْلِ الدُّعَاء عَلَيْهِ أَوْ يَسُبّهُ أَوْ يَلْعَنهُ وَنَحْو ذَلِكَ؟ فَالْجَوَاب مَا أَجَابَ بِهِ الْعُلَمَاء, وَمُخْتَصَره وَجْهَانِ:

أَحَدهمَا: أَنَّ الْمُرَاد لَيْسَ بِأَهْلٍ لِذَلِكَ عِنْد اللَّه تَعَالَى, وَفِي بَاطِن الْأَمْر, وَلَكِنَّهُ فِي الظَّاهِر مُسْتَوْجِب لَهُ, فَيَظْهَر لَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِسْتِحْقَاقه لِذَلِكَ بِأَمَارَةٍ شَرْعِيَّة, وَيَكُون فِي بَاطِن الْأَمْر لَيْسَ أَهْلًا لِذَلِكَ, وَهُوَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَأْمُور بِالْحُكْمِ بِالظَّاهِرِ, وَاَللَّه يَتَوَلَّى السَّرَائِر.

وَالثَّانِي: أَنَّ مَا وَقَعَ مِنْ سَبّه وَدُعَائِهِ وَنَحْوه لَيْسَ بِمَقْصُودٍ, بَلْ هُوَ مِمَّا جَرَتْ بِهِ عَادَة الْعَرَب فِي وَصْل كَلَامهَا بِلَا نِيَّة, كَقَوْلِهِ: تَرِبَتْ يَمِينك, عَقْرَى حَلْقَى... وَنَحْو ذَلِكَ، لَا يَقْصِدُونَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ حَقِيقَة الدُّعَاء, فَخَافَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُصَادِف شَيْء مِنْ ذَلِكَ إِجَابَة, فَسَأَلَ رَبّه سُبْحَانه وَتَعَالَى وَرَغِبَ إِلَيْهِ فِي أَنْ يَجْعَل ذَلِكَ رَحْمَة وَكَفَّارَة, وَقُرْبَة وَطَهُورًا وَأَجْرًا, وَإِنَّمَا كَانَ يَقَع هَذَا مِنْهُ فِي النَّادِر وَالشَّاذّ مِنْ الْأَزْمَان, وَلَمْ يَكُنْ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا وَلَا لَعَّانًا وَلَا مُنْتَقِمًا لِنَفْسِهِ, وَقَدْ سَبَقَ فِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّهُمْ قَالُوا: اُدْعُ عَلَى دَوْس, فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اِهْدِ دَوْسًا» وَقَالَ: «اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ».

 

 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق