طلال رسلان يكتب: الخلاف حول المرشد الجديد يفجر «تنظيم القطط» الإرهابي

السبت، 03 أكتوبر 2020 05:52 م
طلال رسلان يكتب: الخلاف حول المرشد الجديد يفجر «تنظيم القطط» الإرهابي
إبراهيم منير
طلال رسلان

أعضاء بالجماعة يعتبرون إبراهيم منير "قطة" ويدعون إلى دعمه عملاً بمبدأ: "لو أن قطة أُسميت مرشدا لاتبعتها غامض العين"

البيعة والطاعة العمياء أول طريق جماعة الإخوان الإرهابية للسيطرة على عقول الشباب وتحويلهم إلى دمى

 
"لو أن قطة أُسميت مرشدا لاتبعتها غامض العين".. جملة قالها قيادى بجماعة الإخوان الإرهابية ينتمى إلى محافظة الفيوم، لأحد أتباع الجماعة في الشرقية، من خلال اتصال هاتفى أذيعت تفاصيله الأسبوع الماضى، ورغم أنها جاءت في سياق اعتراض أعضاء الجماعة على قرار اختيار إبراهيم منير في مقعد المرشد العام للجماعة، لكنها كشفت عن كثير من حقائق الجماعة السرية.
 
طبيعة المصريين الساخرة حولت الجملة إلى هاشتاجات اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعى منها على سبيل المثال هاشتاجات بعناوين "مرشد الاخوان قطة"، و"المرشد قطه" و"مرشدكم قطه ورئيسنا اسد"، و"مرشدكوا طلع قطة"، فيما سخر أحد المصريين من وضع الجماعة، وقال: "نشيد الجماعة الجديد: القطة المشمشية حلوة بس شقية نطت حتة نطة، خطفت ورك البطة"، فيما قال أخر "انتوا بقر ولا خرفان ولا قطط ولا إيه، ارسوا على بر وبلغونا إحنا مش ناقصين لخبطة".
 
وبعيداً عن سخرية المصريين من الجماعة وتعاملهم وكأنهم "تنظيم قطط"، فإن هذا التصريح أعاد إلى الأذهان تاريخ الجماعة الغارق في سمع وطاعة المرشد العام بداية من تنفيذ أعمال التنظيم الخاص الإرهابية والاغتيالات حتى التطرق إلى حياة عناصر الإخوان الشخصية.
 
"بيعة المرشد على السمع والطاعة" ذلك المصطلح الذي اتخذته جماعة الإخوان كمحرّك أساسي في بناء المعبد، وتحول إلى شرط وجوب وكفاية لرسم دولة خلافة، وكانت البيعة شهادة على إعلان العقيدة الإخوانية التي يرتئيها المرشد، ولا يكون الإخواني إخوانيا إذا لم يمرّ بمحنة البيعة.
 
وفي أرشيف الجماعة المحفوظ بذاكرة التاريخ وسيرتهم، تظهر اللوائح التي يصيغها المرشد، ويتلقاها كل عناصر الإخوان دون مناقشة لإرساء نظام داخلي قائم على التمكين بكافة الطرق واستخدام أي شيء وكل شيء لتنفيذ مشروع دولة الإرهاب، حتى لو وصل الأمر إلى كون هذا المرشد حيوانا، فله ما له وليس عليه أي مأخذ.
 
"أبايعك بعهد الله وميثاقه على أن أكون جندياً مخلصا في جماعة الإخوان، وعلى أن أسمع وأطيع في العسر واليسر والمنشط والمكره إلا في معصية الله، وعلى أثرة عليَّ، وعلى ألا أنازع الأمر أهله، وعلى أن أبذل جهدي ومالي ودمي في سبيل الله ما استطعت إلى ذلك سبيلا. والله على ما أقول وكيل، فمن نكث فإنما ينكُث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما".. تلك الصيغة التي ظهرت مع نشأة تنظيم القطط، بوصف القيادي الإخواني في التسريب الصوتي، عام 1928، بما أخذ المرشد المؤسس حسن البنا البيعة لنفسه وهو شاب لم يتجاوز ثلاثة وعشرون عاما من العمر، وقد أضحت  تقليدا راسخا داخل الجماعة منذ ذلك الحين.
 
وفقا للنص أعلاه فإن العلاقة تبدأ بين التنظيم (المرشد) وبين العضو الذي يدخل تحت الأمر والطاعة بتحول عقلي وتنظيمي؛ فعلى المستوى العقلي سيتحول ذلك العضو المبايع إلى "قطعة مخلصة" على أتم الاستعداد لتنفيذ جميع الأوامر والتعليمات، أما على المتسوى التنظيمي فإنها تجبر العنصر الإخواني على التبعية الكاملة للجماعة ولقيادتها ممثلة في المرشد.
 
من خلال تتبع تاريخ الجماعة فإن أعضاءها يتنازلون عن حقهم كاملا في التفكير أو حتى مجرد إبداء الرأي في جميع القضايا، ويكون هذا الحق حصريا قائما على عقل المرشد، وهذا ما يضعنا مباشرة أمام الأسباب التي على أساسها يقوم الأعضاء بتنفيذ مهام، وصولا إلى المسلح منها وإراقة الدماء، وهم لا يدركون عنها شيئاً بعد تنازلهم عن حقهم في التفكير أو مجرد المعرفة.
 
في كتابه "الإخوان المسلمون والتنظيم السري" كتب الدكتور عبد العظيم رمضان أن عضو الجماعة عبد المجيد حسن الذي نفذ اغتيال محمود فهمي النقراشي، قال في اعترافاته أن أكبر الأسباب التي دفعت به إلى هذا العمل والتأثير عليه مباشرة قبل العملية باقتناع كامل كانت الدراسات الروحية والبيعة، وكذلك الاعتقاد بمشروعية الأعمال كما أقرها المرشد العام للجماعة.
 
يقول الدكتور عبد العظيم رمضان في كتابه، إن ذلك العنصر، الذي محى إلى الأبد عقل عضو الجماعة، تأثيره ليس فقط في إرغام عبد المجيد حسن على اغتيال النقراشي دون تردد وكما رُسِم له، وإنما تتمثل فى أن زوال هذا العنصر فيما بعد قد دفع عبد المجيد حسن إلى الاعتراف بكل ما صدر عنه وكأن الأمر طبيعيا وهذه مهمته في الحياة التي أوكلها الله له على لسان المرشد.
 
فحين اطلع عبد المجيد حسن على البيان الذي أصدره حسن البنا وفيه ُيظهِر أسفه، الملطخ بالدماء بالطبع، على حادث اغتيال النقراشي وفيه معنى استنكار الجريمة، كان لهذا البيان أثر كبير في إقرار المتهم بالجريمة، فمع تمسكه فى البداية بالإنكار إلا أن مفعول البيان دفعه إلى التفكير ثم الإعتراف، وقد أسهم بيان حسن البنا في استعادة عبد المجيد حسن لوعيه الذي تم استلابه تحت تأثير البيعة، وأدرك الأخير أن القيادة التي منحها عقله وتنازل لها طوعا عن حقه في المعرفة والتفكير قد غرَّرت به ودفعته للقتل، وفى النهاية تنصلت منه وأعلنت تبرءوها من من الحادث أو مسئوليتها عن كل ذلك!.
 
تلك الواقعة التي تتشابه بشكل مباشر، عبر التاريخ، مع قضية اغتيال النائب العام السابق الشهيد هشام بركات، من خلال اعترافات المتورطين في العملية وصدر في حقهم حكم الإعدام، بأن قيادات الجماعة وجهتهم بالأمر المباشر إلى التخطيط والتنفيذ، ثم ما لبث أن خرج إبراهيم منير، الذي دفعت به الجماعة قائما بأعمال المرشد مؤخرا، أن تنصل من الشباب المتورطين في أعمال العنف بالداخل المصري بقوله علانية دون مواربة "إن الإخوان لم تجبر أحدا بالانضمام إليها".
 
الخطير في إقرار البيعة للمرشد وقيادات الجماعة هو أن العضو المبايع ملتزم ببذل دمه في "سبيل الله" تلك العبارة المبهمة التي يحدد معناها المرشد وحده، ومن ثم فإن ذلك العضو سيتورط في أعمال العنف والإرهاب وإراقة الدماء، وفقا للأوامر التي يحكمها أطماع سياسية مرتبطة بالنفوذ وبعيدة كل البعد عن "سبيل الله"، ومن بعدها يغسل المرشد يده من الدماء كما رأينا حسن البنا يغسل يده عن أعضاء الجماعة الذين نفذوا عملية اغتيال المستشار الخازندار ويقول عبارته الشهيرة "ليسوا إخوانا وليسوا مسلمين".

الإخوان والإرهابيين.. البيعة واحدة

وليس مستغربا أن يطابق نص بيعة جماعة الإخوان محتوى البيعة لدى الجماعات الإرهابية، المهم أن يكون الغرض الأساسي من الأمر هو إحكام السيطرة على العضو وسلب إرادته في مقابل إرادة المرشد، وبالتالي تحويله لأداة قابلة لتنفيذ الأوامر دون تردد بما في ذلك أوامر القتل، لذلك يقول نص بيعة تنظيم "داعش": "أبايع خليفة المسلمين أمير المؤمنين أبي بكر البغدادي الحسيني القرشي الفاطمي على السمع والطاعة في المنشط والمكره والعسر واليسر ولا أخالف السمع والطاعة إلا أن أرى كفرا بواحا عندي فيه من الله برهان والله على ما أقول شهيد".
 
وبتتبع الأحداث بعد سقوط حكم الفاشية الإخوانية بثورة شعبية في 30 يونيو 2013 وحتى الآن لم يتخل قيادات الجماعة عن محاولة السيطرة على ما تبقى من التنظيم بمبدأ السمع والطاعة للقيادات، سواء داخليا بتحريك الأحداث والتخطيط لاستهداف مصر بداية من الاعتصامين المسلحين في رابعة والنهضة، مرورا بالعمليات الإرهابية في جميع المحافظات المصرية وحتى دعم النظيمات الإرهابية في سيناء وصولا إلى تنفيذ مخطط إشعال مصر، وتحريض عناصر الإخوان على النزول في الشوارع من خلال أدوات الجماعة التي تتضمن أذرع إعلامية وكتائب إلكترونية وأشخاص تختبئ الجماعة تحت وجوههم وتحركهم كالدمى بأوامر وتمويل مثلما حدث مع المقاول الهارب محمد علي.
 
لكن مع انكشاف لعبة دعوات التظاهرات الإخوانية أمام الشعب، بمخطط فبركة الفيديوهات والتدليس، وفشل قيادات الإخوان في تنفيذ أجندة سيناريو سوريا والعراق بحذافيره في مصر، التي وضعت بأوامر مخابراتية تركية وقطرية، بدت صورة قيادات الجماعة الهاربين في الخارج مهتزة أمام عناصرها فشهدت الأيام الأخيرة على ألسنة اللهب المتصاعدة من داخل الجماعة بما أنذر بانقلاب على ممثل المرشد، خاصة في أعقاب سقوط الصيد الثمين محمود عزت في يد أجهزة الأمن المصرية، وبحث الجماعة عن بديل لتحريك المخطط الإرهابي.
 
ومنذ وقتها، مرورا بفشل دعوات الإخوان التحريضية ضد مصر، ولا تزال أصداء الصراع الأكبر في تاريخ جماعة الإخوان، مستمرة على وسائل الإعلام وعبر صفحات مواقع التواصل الاجتماعي المحسوبة على الجماعة، بعد تصدير اسم إبراهيم منير في منصب القائم بأعمال مرشد.
 
ويبدو أن "القطة منير" لم ترق إلى شباب الإخوان الذي ما لبث أن انقلب على قطط الجماعة التي تحاول الخداع والاستجداء بما تبقى من الهاربين في الخارج والمغيبين في الداخل لإيقاف النزيف. 
 
وفي محاولة لإيقاف حالة العصيان التي دبت في جسد الجماعة بسبب رفض الشباب لإبراهيم منير الذي يريد الانفراد بالسلطة والتمويل ومعه جماعته، خرج منير على عناصر الإخوان الهاربين في الخارج بخطاب يسعى إلى إعادة تنظيم الجماعة داخليا بهيكل واضح بعد شتات الجماعة أعقاب انهيار سلطة الإخوان بثورة شعبية مصرية في 30 يونيو 2013.
 
جاء خطاب القطة العجوز لما تبقى من جماعته ممهورا بتوقيعه على أنه نائب مرشد الإخوان وليس قائما بأعمال، ما عكس بشكل واضح الخلاف الداخلي المحتدم حول المنصب، وبدا المشهد محاولة فاشلة من منير لوضع قدم في ذلك المنصب رغما عن البقية. 
بقراءة المشهد الداخلي لجماعة الإخوان، فإن لائحة الإخوان تتضمن خلو منصب المرشد حاليا، على اعتبار أن محمد بديع محبوس فتعطل عمله، لذلك كان الخلاف الكبير بين قيادات الجماعة حول ذلك الأمر، في الوقت الذي لم يحصل فيه إبراهيم منير على بيعة لذلك لا يمكن أن يكون هو المرشد أو القائم بأعمال المرشد.
 
ويشير خطاب إبراهيم منير إلى إقراره بإلغاء منصب الأمين العام، بما يعني إقصاء قيادات من الجماعة من مناصبها، وتوحي الوتيرة المتسارعة لنشر الفيديوهات والشهادات التي تفضح إبراهيم منير وقيادات الإخوان على مواقع التواصل الاجتماعي بأن الوضع في داخل جماعة الإخوان خرج عن السيطرة ووصل إلى نقطة اللاعودة، إما النزول على رغبة الشباب وإقصاء إبراهيم منير وهذا بالغ الصعوبة في ظل تمسك عجوز الجماعة بكرسي القيادة وحب السلطة، أو إكمال مسار الانقلاب الشبابي فيبشر بتقريب نهاية الجماعة إلى الأبد.
 
قبل مشهد خطاب إبراهيم منير بأيام كشفت وثائق مسربة من داخل تنظيم الإخوان الإرهابي تفاصيل اجتماع مكتب إرشاد الجماعة بقيادة إبراهيم منير القائم بأعمل المرشد، أعقاب القبض على الصيد الثمين محمود عزت، وفي التفاصيل، تناول اجتماع مكتب إرشاد الإخوان ما آلت إليه أوضاع الجماعة في الداخل المصري، وتوجيه التعليمات باستغلال ما وصفوه بحالة الغضب التي تؤججها كتائب الجماعة الإلكترونية وقنواتها على مواقع التواصل الاجتماعي بالتحريض على التظاهر، والعمل على إشعال فتيل الثورة، وانتظار أوامر إبراهيم منير للتحرك في عدد من المحافظات لتحقيق أهداف الجماعة بإسقاط مصر في دوامة العنف والإرهاب من جديد.
 
حاولت قيادات الجماعة دغدغة مشاعر عناصرها من خلال استشهاد الاجتماع السري للجماعة بكلمات سيد قطب، الذي وصفه بالشهيد، بضرورة السير على نهج قيادات الإخوان في استخدام العنف والدفع بشباب الجماعة في مواجهة السلطات المصرية كوقود للتظاهرات، وفقا لموقع العربي الحديث.
 
نص محضر الاجتماع الذي حصلنا على نسخة منه، والذي تم توزيعه على مسئول المكاتب الإارية لتعميمه على عناصر الجماعة من خلال الجروبات الخاصة على واتساب ومواقع التواصل الاجتماعي، دعا إلى رفع حالة الاستعداد داخل الجماعة بمعونة كتائبها السرية لانتظار ساعة الصفر بجاهزية كاملة لإحراق مصر بتظاهرات مفتعلة من عناصر سرية.
 
 وجاء في محضر الاجتماع التوجيه بانتظار الأوامر المباشرة من مكتب الإرشاد تحت إمرة إبراهيم منير، وإعداد العدة من خلال الجاهزية بصورة دائمة لأي تحركات وأعمال التظاهرة التي تمكن التنظيم الإرهابي من الوصول على أهدافه في الداخل المصري.
 
منذ وقتها لم تنقطع فيديوهات الإخواني الهارب عصام تليمة، يفند فيها فضائح قيادات الجماعة وتقسيم سبوبة التمويل والأموال التركية والقطرية، ويكشف لعبة إبراهيم منير وما لحقته من اتهامات بالخلاص من محمود عزت في مصر للانفراد بكرسي الإخوان وبداية تقسيم ما تبقى من تركة الجماعة.
 
 وفي إحدى منصات الإخوان والممولة من قطر، قال عصام تليمة، تلميذ يوسف القرضاوي، إن الأزمات أصبحت تضرب الإخوان بشكل يفوق كل الأزمات التي واجهت التنظيم من قبل، وهي أمر تاريخى وليس وليد اللحظة، والأزمة تدور في فلك القيادات وقواعد التنظيم، وأزمة الإخوان ليست مع مؤسسات الدولة فقط لا غير بل مع الشعب المصرى، ورزقت الجماعة بقيادات تبحث عن الخلاف بأي شكل، وفتت كل كيان في الجماعة كان موحدا حولها، لمجرد النقاش والخلاف، يريد الصف شيئا، وتريد هذه القيادة عكسه، ثم النظر على الخسارة التي تكبدتها الجماعة في ظل هذه القيادة من حيث خسارتها على مستوى: العلاقات، والدول، والأفكار، والتعاطف الدولي والشعبي، ينبئ بحجم الكارثة".

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق