بائعة الخضار ووزيرة البيئة وأبو علقمة!

الجمعة، 23 أكتوبر 2020 11:49 ص
بائعة الخضار ووزيرة البيئة وأبو علقمة!
أيمن عبد التواب يكتب:

بينما تعاطف المصريون مع «بائعة خضار»، تجاهلوا «صدمة» وزيرة البيئة، الدكتورة ياسمين فؤاد، من «جهل البائعة» وعدم معرفتها بمصطلح «التنمية المستدامة»!  قائلة: «لما نزلت سوق الخضار في الغردقة اتصدمت أن السيدة إللي بتبيع مش فاهمة الكلام إللي بقوله بخصوص التنمية المستدامة»؟! 
 
الغريب أن الوزيرة اعترفت- في كلمتها بندوة الإعلام البيئي التي نظمها المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام- أن لدينا «محدودية في الثقافة البيئية»، ولذا «بدأت الوزارة في عملية تبسيط المصطلحات البيئية في المناهج التعليمية، بدءًا من الصف الثالث الابتدائي».. فإذا كانت ثقافتنا البيئية «محدودة»، باعتراف الوزيرة، فلماذا صُدِمت من «بائعة على باب الله»؟!
 
****
 
عن نفسي، لا أدري سر صمت المسؤولين على «بائعة الخضار»، التي تسببت في إحداث «صدمة» لوزيرة البيئة، نتيجة جهلها بمصطلح «التنمية المستدامة»؟ كيف تُترك هذه البائعة في الشارع؟ أين الحكومة؟ أين محافظ البحر الأحمر؟ أين مجلسا النواب والشيوخ؟ أين مجلس الأمن والمنظمات الدولية من هذه «المهزلة»؟ ألا يعلمون أن هذه البائعة من الممكن أن «تعدي» زميلاتها البائعات المثقفات العالمات بالذرة، والفلك والفضاء، ويعلمن «الكُفْت» أيضًا؟ 
 
اقتلوا بائعة الخضار أو اطرحوها أرضًا، تخلو لكم شوارع الغردقة وكل شوارع المحروسة، وتكونوا من بعدها مسؤولين صالحين! لا تأخذكم بها رحمة ولا شفقة؛ فمثل هذه «البائعة الجاهلة» يسيئ لنفسها، ولأولادها، ولمجتمعنا، ودولتنا التي بلغ عدد «الأميين» فيها 18.4 مليون نسمة بنسبة 25.8% في تعداد 2017، بحسب آخر بيان للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، فضلًا عن «أمية المتعلمين» وهم ملايين المواطنين الذين تخرجوا في المدارس والجامعات ولا يجيدون القراءة والكتابة!
 
إن كانت وزيرة البيئة لا تعلم هذه الإحصائيات والأرقام، فتلك مصيبة، وإن كانت تعلم، فالمصيبة أعظم، لأنها تدل على أن سيادتها وزيرة في دولة أخرى، وتعيش مع شعب آخر.. فلو كانت «واحدة مننا» لكانت أعلم الناس بأن ثقافتنا «محدودة» في كل المجالات، باستثناء «الفلهوة» التي سجلناها باسمنا في موسوعة جينيس!
 
****
 
ذات يوم كنت أصلي في «المدينة الجامعية»، خلف أحد الزملاء المحسوبين على «التيار الإسلامي».. حينها لم أكن أعرف من القراءات العشر إلا قراءة «حفص عن عاصم» فقط، وبدلًا من أن يقرأ الزميل «مالك يوم الدين»، قرأها «ملك يوم الدين»، فرددته مرة، فلم يستجب، فرددته مرة أخرى، إلا أنه واصل القراءة، وقرأ بعض الكلمات بطريقة غريبة عما اعتدتُ عليه.. وبعد انتهاء الصلاة أخبرني بأنه كان يقرأ برواية «ورش».
 
قراءة الزميل صحيحة، لكنه كان مخطئًا حين قرأ برواية «ورش عن نافع»، ما أثار البلبلة بين المصلين، خاصة وأن من بين المأمومين مَنْ هم مثلي، «جهلاء» بأي قراءة أخرى غير «حفص»، تمامًا مثل أكثر من 99 بالمئة من المصريين.. وما يصلح للعلماء لا يصلح للعامة من أمثالي!
 
****
 
رُوي عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، أنه قال: «خاطبوا الناس على قدر عقولهم».. فعلى الإنسان، خاصة لو كان مسؤولًا، إذا خاطب قومًا، أن يتخير كلامًا يفهمونه، ولا يتقعر بما لا يدركون معناه.. وإذا انتقى مصطلحات وأشياء من العلم، فعليه أن ينتقي أشياءً أساسية واضحة سهلة تتقبلها عقول البسطاء، ويترك الأشياء التي قد ينفر منها الناس لغرابتها.. وما نجح الشيخ الشعراوي- رحمه الله- في الوصول إلى قلوب ملايين المسلمين إلا بخطابه الذي يجمع بين الفصحى والعامية دون ابتذال.
 
****
 
لماذا لا يُستعان بوزراء سياسيين؟ فعلى مدى عقود جربنا مجموعة كبيرة من الوزراء «التكنوقراط»، المشهود لهم بالكفاءة والتميز في تخصصاتهم، لكنهم «يا مولاي كما خلقتني» في السياسة، وفي مخاطبة الجمهور.. فقد رأينا، في السنوات الأخيرة، كيف تسببت «زلات لسان» وزراء ومسؤولين في «إحراج» الحكومة، وأثارت جدلًا واسعًا في الأوساط الشعبية والإعلامية، وكانت سببًا في الإطاحة بهم!
 
فمن ينسى وزير الإعلام الإخواني، صلاح عبدالمقصود، الذي قال للمذيعة السورية «زينة اليازجي»: «أتمنى ألا تكون أسئلتك ساخنة مثلك»؟ ومَنْ ينسى تصريح «لا يحق لابن عامل النظافة الالتحاق بالسلك القضائي»، الذي كان سببًا في استقالة وزير العدل الأسبق، المستشار محفوظ صابر؟ ومَن ينسى تصريح وزير العدل الأسبق، المستشار أحمد الزند، حين قال إنه يمكن أن «يحبس النبي إذا خالف القانون»؟
 
****
 
اُشتهر أبو علقمة- النحْوي المعروف- بتقعره في الكلام، واستخدامه غرائب الألفاظ  في لغتنا الفصيحة.. وذات يوم ذهب إلى طبيب يُسمى «أعين»، يشكو له علته، قائلًا: أكلتُ من لحوم هذه الجوازل، فطسأتُ طسأةً، فأصابني وجع بين الوابلة إلى دأية العنق، فلم يزل ينمو حتى خالطَ الخلبَ، وألمتَ له الشراسيف. فهل عندك دواء؟ 
فقال أعين: أعد عليَّ.. فأعاد أبو علقمة ما قاله.. فلما يئس «أعين» منه، قال له: خذ حرقفًا وسلقفًا وشرقفًا، فزهزقهُ ورقرقهُ واغسلهُ بماء روثٍ واشربه بماء الماء. 
فقال له أبو علقمة: أعد عليَّ، والله ما فهمت شيئًا.
فقال أعين: لعن الله أقلنا إفهاماً لصاحبه، ويحك، وهل فهمت عنك شيئاً مما قلت؟

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق