إذا أرادت مصر فعلت

الأحد، 11 أبريل 2021 09:00 ص
إذا أرادت مصر فعلت
حمدى عبدالرحيم

- هل نحن فى حالة حرب؟
- وهل هذا سؤال، نعم نحن نحارب الآن، بل نحارب منذ سنوات، وقد كانت القيادة السياسية واضحة وصريحة عندما وصفت مفاوضاتنا بشأن السد الإثيوبي، بحرب المفاوضات.
- هل سننتصر؟
- لا لنا خيار آخر سوى النصر.
- كيف ننتصر؟
- بالتفاصيل.
- لا أفهم ما تعنيه بالتفاصيل.
- أعنى تلك التفاصيل التى تكمن فيها الشياطين، وتكمن فيها أيضا أسباب النصر.
- هل من مثال شارح؟
- نصرنا العظيم والخالد فى معركة العاشر من رمضان كان خير دليل على أن أسباب النصر تكمن فى التفاصيل، وكذا أسباب الخيبة، وقد قمنا يومها بتعظيم أسباب النصر مستندين إلى الاهتمام الفائق بأبسط التفاصيل فلم نترك شيئا لعبث العشوائية أو مأزق الارتجال.
فى سياق احتفالها بذكرى النصر العظيم قامت جريدة الأهرام العريقة بنشر ملف خاص عن المعركة فى العام 2014، وقد ركّز الملف على التفاصيل، والملف كله مأخوذ من الوثائق الرسمية، وليس من وحى خيال الأهرام، ومن ذلك الملف توقفت عند أمور غاية فى الدقة والخطورة، ما أنهما يبدو للمتعجل من الأمور البسيطة أو التافهة.
نشرت الأهرام ما ملخصه: «أنشأت الحكومة المصرية محطة إذاعية تذيع باللغة العبرية وتعمل على مدى 12 ساعة يوميا، وكانت هذه المحطة موجهة إلى إسرائيل وتذيع موسيقى غربية خفيفة تتخللها نشرات إخبارية وتعليقات تدعو للسلام».
هذه يمكن تسميتها بالتنويم المغناطيسى، فعندما كانت الإذاعة تبث أناشيد السلام، كان جيشنا العظيم يعمل بأقصى إمكانياته لتحقيق النصر العسكرى الحاسم والواضح.
وتضيف الأهرام: «قام جيشنا بتمثيل عملية العبور بأقل تفاصيل ممكنة، ونقلت الصحف المصرية سير هذه العملية التى شهدها جنود العدو فى خنادقهم على الضفة الشرقية للممر المائى، وهذا التكرار للتدريب على عملية العبور كان أكبر خدعة للعدو، إذ إنه لم يثر فيهم سوى الضحك والاستهزاء من عدم قدرة القوات المصرية على القيام بذلك وعبور أكبر خط دفاعى عرفه التاريخ، والشىء المثير هو أن عبور القوات المصرية يوم 6 أكتوبر كان بالضبط نفس ما حدث قبل ذلك بكل تفاصيله الدقيقة، وهكذا كان العدو يعتقد أنه تدريب اعتيادى يقع أمام عيونه، وهو حقا كذلك، فى حين أنه كان فى نفس الوقت تدريبا عمليا على خطة العبور».
ثم يكشف ملف الأهرام عن لحظة الصفر التى ظهر فيه معدن خبرائنا النفيس، لقد نظروا باهتمام شديد لأدق أمر من أمور العبور، قالت الأهرام: «لقد صدرت الأوامر بعدم نفخ قوارب المطاط المعدة للعبور قبل بدء الضربة الجوية، لأن التجارب أثبتت أن صوت الجنود وهم ينفخون الهواء بالفم فى هذه القوارب يمكن أن يسمع على مسافة 800 متر».
هل رأيت الدقة والالتزام الصارم بتنفيذ الرؤية الكلية للعبور؟
ثم كان يجب توفير مستشفيات للقوات التى ستعانى من إصابات بعد اشتعال الجبهة فانظر ماذا صنع المصريون.
تقول الأهرام: «كان من المهم إخلاء عدد من المستشفيات وإعدادها لاستقبال الجرحى الذين سيتوافدون مع بداية المعركة، وكان ذلك يعد من أهم مبادئ الإعداد للحرب، ولما كان إجراء بمثل هذه الضخامة سيثير بالتأكيد شك مخابرات العدو كان على المخابرات المصرية أن تجد حلا لإخلاء عدد المستشفيات المطلوب بدون إثارة أدنى شك، وتم إعداد خطة محكمة ضمن خطة الخداع حيث قام الجيش بتسريح ضابط طبيب كبير كان مستدعى للخدمة العسكرية، وأعيد هذا الطبيب إلى الحياة المدنية، وفور تسلمه وظيفته السابقة بوزارة الصحة أرسل للعمل فى مستشفى الدمرداش التابع لجامعة عين شمس، والذى وقع عليه الاختيار لكبر حجمه، ليكون فى أول قائمة المستشفيات.
وحسب الخطة، اكتشف الطبيب بعد وصوله إلى المستشفى، أن ميكروب التيتانوس يلوث العنابر الرئيسية للمرضى، ولأن هذا الطبيب كان منزعجا وقلقا من هذا الميكروب الذى يهدد حياة المرضى، وبعد ضياع يومين من الرسائل المتبادلة بين المستشفى ووزارة الصحة مع بعض الروتين اللازم لحبك الخطة، ومناقشات الأطباء والمذكرات، أمرت وزارة الصحة بإخلاء المستشفى من المرضى تماما وتطهيره، وتم تكليف الطبيب بالمرور على بقية المستشفيات لاستكشاف درجة تلوثها، وقامت الصحف بنشر التحقيقات الصحفية حول المستشفيات الملوثة، ونشر الصور وعمال التطهير يرشون المبيدات الخاصة بالتطهير فى عنابر المستشفيات، وما إن حل أول أيام أكتوبر حتى كان العدد اللازم من المستشفيات قد أخلى نهائيا، وأصبح على أتم استعداد لاستقبال الجرحى والمصابين كإجراء احتياطى مهم.
- ما هذه العظمة، هل نستطيع تكرارها مرة ثانية؟
ـ بل قد فعلناها فى الأسبوع الماضى، وكان اهتمامنا بأدق التفاصيل سببا رئيسا فى النجاح الساحق الذى حصده موكب نقل مومياوات اثنين وعشرين ملكا وملكة من ملوك مصرنا القديمة من متحف التحرير إلى متحف الفسطاط.
- هل تقصد نجاح العرض الفنى والتصوير والأضواء والموسيقى؟
- لا، بل أقصد التفاصيل التى قد لا يهتم بها أحد، هل لفت نظرنا أن الحفل كان سيفسد أو على الأقل سيتراجع نجاحه لو تعالى نباح كلاب الشوارع؟
لقد قامت الأجهزة المعنية بالتفاصيل بالتنسيق مع جمعيات الرفق بالحيوان لكى تهتم بكلاب الشوارع حتى لا يعكر نباحها صفو الموكب، والعجيب أن مواطنا من سوريا الشقيقة عمل مع جمعيات الرفق بالحيوان متبرعا لكى يشارك بوقته وجده فى نجاح الموكب والحفل، وقد قال للإعلام: الحدث قومى وعز مصر عز لكل العرب!
صديقى عندما أنشد الأبنودى:
ومصر عارفة وشايفة وبتصبر
لكنها فى خطفة زمن تعبر
وتسترد الاسم والعناوين
لم يكن شعره مجرد قصيده أو أغنية، لقد كانت كلماته خير تعبير عن روح وطن أذا أراد فعل، مصر تستطيع دائما.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق