"بلاش هرى".. الرئيس السيسي يضع يده على مصدر تنغيص حياة المصريين وينصحهم بتجنبه

السبت، 24 يوليه 2021 11:30 م
"بلاش هرى".. الرئيس السيسي يضع يده على مصدر تنغيص حياة المصريين وينصحهم بتجنبه
مصطفى الجمل

"هقولكم كلمة بتقولوها كتير بلاش هري".. بهذه الجملة أنهى الرئيس عبد الفتاح السيسي حديثه عن أزمة سد النهضة خلال كلمته التي ألقاها نهاية الأسبوع الماضي بإستاد القاهرة أمام عشرات الآلاف من المواطنين الذين حضروا للاحتفال مع الرئيس وأعضاء الحكومة وكوكبة من الإعلاميين والسياسيين ورموز الفن والرياضة بتدشين المشروع القومي «حياة كريمة»، والذي قال عنه الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء إنه الأكبر على مستوى العالم، فلم يسبق لدولة أن تنفذ لمواطنيها في الريف مشروعاً بهذا الحجم وبهذه التكلفة.

قال الرئيس كلمته ليطمئن شعبه على مصير مياهه وزراعته، ويؤكد لهم مجدداً أن الدولة المصرية لم تفرط سابقاً في حق بسيط من حقوقها، حتى تفرط مستقبلاً في حقها في مياه النيل.

قالها الرئيس السيسي ليتم تداول الكلمة على مستوى عال عبر مواقع الأخبار والصحف وصفحات مواقع التواصل الاجتماعي خارج حدود مصر وداخلها، و «الهري» كلمة شائعة الاستخدام في الشارع المصري حديثاً وبالتحديد منذ 5 سنوات أو أكثر قليلاً ، تطلق ليُعنَى بها الكلام منعدم الفائدة، وفي معاجم اللغة العربية يمكن رد الكلمة إلى مصدرها «الهراء»، والذي يعني أيضاً الكلام عديم الفائدة، وفي هذا المجال تعج منصات التواصل الاجتماعي، وجلسات المقاهي والمواصلات العامة، وبعض البرامج التليفزيونية بالعديد من الأحاديث صفرية الجدوى، بل هناك المضر منها.

في أزمة سد النهضة أدلى الجميع بدلوه، وتحولت الملايين – يتساوى في ذلك الحاصل على الدكتوراه مع الأمي – إلى خبراء عسكريين واستراتيجيين، وتجاوزوا فكرة اتخاذ قرار الضرب نيابة عن القيادة السياسية، ووضعوا خططاً لها، ليس ذلك فقط بل وصلوا إلى مرحلة تسمية قيادات ستشارك في هذه الضربة، والتي بالطبع ستخرج من مطار القاهرة الدولي على حد وصفهم، وكأنها رحلة ترفيهية إلى أحد البلاد المجاورة.

المصريون بطبيعتهم خيالهم خصب وواسع ويصلح لصياغة آلاف من أفلام الخيال العلمي، وهذا أمر محمود إن وظف في موضعه، ولكن هذا أحياناً يقتل صاحبه، ويصبح دليل إدانة في مواضع الدولة بريئة منها تماما، ولذلك كان تحذير الرئيس من هذا الأمر أكثر من مرة، واشتدت لهجة التحذير عندما انتقلت بعض هذه الموضوعات محل الهري من الشارع إلى المنصات الإعلامية.

«هري المصريين» مختلف باختلاف المجالات، ولكن مصدره واحد، فتجد نفس الشخص الذي يلعب في مجلسه على المقهى أو على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي دور الخبير الاستراتيجي، هو ذاته الذي ينقد مسلسل أو أي عمل فني وكأنه دارس لعشرات السنين النقد الأدبي، وهو ذاته الذي يقرر رحيل هذا المدرب الفني لكرة القدم أو بقائه، وهو أيضاً الذي يضع روشتات العلاج من فيروس كورونا، والتخلص من آثار حريق الجسد وكأنه طبيب شامل جامع، وهو الذي لا يتأخر في تحريم هذا وتحليل ذاك، وإجازة زواج هذا من هذه وتطليق ذلك من تلك، وهو الفصيح بالإنجليزية الذي لا يتأخر في وصف طريق لسائح ضل طريقه بأحد شوارع المحروسة، وهو التربوي العالم ببواطن الثانوية العامة ومستقبل تنسيق كليات القمة، وهو الخبير المائي العالم بمناسيب مياه النيل وزيادتها ونقصانها وأثر ذلك على زراعات الأرز والمانجو والقصب والتين الشوكي منه و«البرشومي» أيضاً.

«هري المصريين» يتغير كل يوم بتغير الأخبار التي تستفزهم سلباً أو إيجاباً، ويمكن أن يتغير في اليوم الواحد مرتين أو ثلاثة، ولا يمكن أن يوقفه مرض أو موت، فمرضت ياسمين عبد العزيز فتوجه الملايين لها بالدعاء وتسلل البعض ليخمن طبيعة المرض التي لم تعلنه هي نفسها أو أي من أسرتها، وتوفيت الفنانة القديرة رجاء الجداوي، فأدخلها البعض فسيح جناته، وأنزلها آخرون الدرك الأسفل من النار، وكأن الفريقين مضى لهما الله توكيلاً عنه يتصرفون به مع عباده كيفما يشاءان.

وفي خناقة نجل أبو اسحق الحويني ونقيب الممثلين أشرف زكي، التي اتهم فيها الأول الأخير بالـ«دياثة» أدلى الكل بدلوه وانقسموا لفريقين، يتعاركان حول القضية الوهمية، التي خلقها نجل الشيخ الراعي للمتطرفين بلا داعي سوى أن يحتل مساحة جديدة من القيل والقال المحققة للشهرة الزائفة بطبيعة الحال، ثم انتقلوا سريعاً لمعركة جديدة تتعلق بكرة القدم وفوز النادي الأهلي ببطولة أفريقيا لكرة القدم للمرة العاشرة في تاريخه والثانية على التوالي، وتهنئة غريمه التقليدي نادي الزمالك له، ثم سحبها، بعد ردة الفعل السلبية من قبل الصفحة الرسمية للنادي الأحمر.

ودقت طبول الحرب من جديد، فرقة تسب نجم نادي الزمالك الأسمر محمود عبد الرازق شيكابالا، وفرقة تقلل من إنجاز النادي الأهلي بتحقيق بطولتين أفريقيتين متتاليتين للمرة الثالثة على التوالي، وينسبونه للحظ ومساندة الحكام رغم وجود تقنية الفيديو لمراجعة القرارات التحكيمية الـ«VAR».

وانتقلت جماهير الفريقين للتصارع على أحقية كل منهم في حسم لقب الدوري المصري، المتبقي منه حوالي 7 مباريات للأبيض وضعفهم للأحمر تقريباً، وفارق النقاط حال فوز النادي الأهلي بالمؤجلات نقطتين عن نادي الزمالك، الذي تمني جماهيره نفسها بهذه البطولة حتى لا تخرج من الموسم خالية الوفاض بعد الخروج من بطولة أفريقيا، ووجود النادي الأهلي في بطولة كأس مصر حجر عثرة أمام تحقيقهم اللقب.

ومن المجالات التي ثرثر فيها المصريون كثيراً، أخبار الثانوية العامة، ومدى صعوبة الامتحانات وتضارب الآراء، وهل هي في مستوى الطالب المتوسط أم الممتاز، ومدى تطابقها مع ما كان يدرس في الكتب والدروس، وبكاء الطلاب ونحيب أولياء الأمور، وتجاوز البعض هذه الأخبار السطحية إلى توقع من وضع هذه الاختبارات ومن سيصحهها، وهناك من وضع صوراً لنماذج الإجابة وكأن نجل خالته يدير كنترول الثانوية العامة، وهناك من توقع نسبة النجاح في كل مادة على حادة، حتى قبل أن تخرج نتيجة العينة العشوائية بعد تصحيحها، وهناك أيضاً من توقع نسب القبول في الكليات هذا العام، وللأسف هناك من يصدق هذه الأخبار ويسير خلفها حتى يفاجئ بأنه يصحو على كابوس زيف كل تلك الأنباء التي صدقها يوما ما.

عودة إلى كلمة الرئيس وسياقها التي قيلت فيه، ستجد أن بعد المصريين عن «الهري» سيريحهم في حياتهم اليومية، ويبعدهم عن مواطن القلق، وسيجعلهم كما قال الرئيس يعيشون حياتهم بمنتهى السعادة والأريحية والاطمئنان إلى أن هناك دولة مصرية قوية قائمة بها مؤسسة وطنية مخلصة، ترعى مصالحهم ولا تخشى في حقوقهم لومة لائم.

قال الرئيس ضمن كلمته أن مصر أصبح لديها الأدوات السياسية والقوة العسكرية، التي تمكنها من حفظ حقوقها  في أي مجال، والسوابق الدالة على ذلك لا أكثر منها، بداية من انتزاع مصر من جماعة دينية اختطفت مصر لمدة عام وزالت بثورة شعبية غارمة، سارت الدولة بعدها تجفف منابع الإرهاب في كل ربع من ربوعها، وبالتوازي خاضت معركة تنمية شاملة، وضعت مصر في مقدمة الدول المستقرة اقتصادياً بشهادة المؤسسات الدولية الكبرى في العالم، كصندوق نقد الدولي والبنك الدولي وغيرها الكثير والكثير، بعدما كانت على شفا الوقوع في حفرة الانهيار والإفلاس قبل 2013.

وضع الرئيس للمصريين وهم يحتفلون بعيدهم الأضحى المبارك روشتة السعادة الأبدية، وهي البعد عن الحديث عديم الجدوى، مع إقراره بأن قلقهم مشروع، ولكنه لا يصح أن يتجاوز الحد، أو كما قال سيادته لا يليق بنا أن نقلق، لا يليق بنا أن نهتز ونحن الآن ينظر إلينا العالم لينقل تجربتنا الفريدة في التنمية، بعد هذا الكم من المشروعات التي تم تنفيذها في فترة لم يكن أشد المتفائلين لمستقبل هذه البلد أن يتوقعه.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق