إحياء الآداب المنسية.. أدب الدَيْن
الخميس، 05 مارس 2026 01:33 م
شيرين سيف الدين تكتب:
ما أُخذ بسيف الحياء ليس حقًّا. قال النبي ﷺ: «لا يحلُّ مالُ امرئٍ مسلمٍ إلا بطيب نفسٍ منه»، وفي معنى هذا الحديث العظيم قاعدة أخلاقية راسخة أن ما أُخذ تحت ضغط الحياء، أو بدافع الإحراج، أو خوفًا من خسارة العلاقة، فليس عطاءً حقيقيًا، ولو سكت صاحبه وأضطر لتقديمه، وقد عبّر بعض السلف بقولهم "ما أُخذ بسيف الحياء فهو حرام" لأن استغلال حياء الطرف الآخر خُلُقًا غير محمود، بل هو أداة ضغط وانتزاع.
الحياء في الإسلام خُلُق نبيل، لكنه لا يجوز أن يتحول إلى نقطة ضعف تسمح للآخرين باستغلالنا، واستباحة حقوقنا.
فكثيرا ما يتحول الطلب إلى ابتزاز خفي من باب اللعب على خجل الطرف الآخر من الرفض وبعض الأشخاص يطلُب ما يعلم يقينًا أنه لا يُطلب، وكثيرا لا يسأل بدافع حاجةٍ ملحّة، بل بدافع تجربة الحظّ لعلمه بأن من أمامه يخجل ويخشى من جرح مشاعر الطالب، فيضعه في زاوية حرجة، ويعتمد على أنه سيمنحه ما يريد حتى لا يُتَّهم بالبخل أو “الندالة”، وهو ما يعتبر تعدٍ على مساحة نفسية كان ينبغي احترامها.
وهنا يجب أن نقف عند آداب وأصول الاستدانة، فلا خلاف أن الاقتراض جائز عند الضرورة، بل قد يكون واجبًا لإنقاذ نفس ٍ أو سدًّا لحاجةٍ ملحّة، لكن المشكلة حين نتعامل مع الدَين والاقتراض بتهاون دون حفظ حقوق المُقرِض، وهو الأمر الذي يجب أن يبادر به المقترض لحفظ حقوق صاحب المال الذي تفضل وقدم قرضاً حسناً رغبة في المساعدة وفك أزمة.
الغريب أن بعض الناس يقترض وهو يعلم أن المُقرِض سيستحي أن يطلب ضمانا مكتوبا، وبل وقد يتهمه بقلة المروءة إن تجرأ وطالب بتطبيق شرع الله!، وكأن مال الناس حق مكتسب، لا أمانة تُطلب بإذن وقواعد وأصول .
أليس الأولى أن يُراعى حال المقرِض كما يُراعى حال المقترض؟.. أليس من حقه أن يرفض دون أن يُحاصَر أخلاقيًا؟ أليس من حقه أن يطلب توثيقا للدين المقدم؟!
إن القرآن حسم مسألة التوثيق وقال الله تعالى في آية الدَين من سورة البقرة: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ … وَلَا تَسْأَمُوا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَىٰ أَجَلِهِ ذَٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَىٰ أَلَّا تَرْتَابُوا﴾.
هناك دقة في الأمر ووضوح: اكتبوه ولا تسأموا، صغيرًا أو كبيرًا، بل إن الآية فصلت في وجود الكاتب، والشهود، وحفظ الحقوق، حتى لو تعذّر وجود كاتب فهناك الإشهاد، فلماذا كل هذا التفصيل؟..لأن الله يعلم طبيعة البشر، ويعلم أن المال موطن فتنة، وأن النسيان والمماطلة واردان.
والمثير أن البعض اليوم يستحي أن يطلب توثيق الدين، ويعتبر كتابة إيصال “عيبًا”، وكأن الثقة تُلغِي الشرع! أيّ عيبٍ في امتثال أمر الله؟ وأيّ ثقةٍ تُبنى على مخالفة نصٍ صريح؟.
إن ترك التوثيق – عند الحاجة إليه – يُعرّض الطرفين للإثم إن ترتب عليه ضياع حق، لأن الله أمر به صراحة، فالإثم لا يقع على المقترض وحده، بل على الطرفين إن تهاونا في تنفيذ الأمر الإلهي.
“أنا محل ثقة”… جملة تحتاج مراجعة فقد يقول بعضهم: “كيف تجعلني أكتب إيصالًا؟ أأنا غير محل ثقة؟”.
والجواب: المسألة ليست اتهامًا، بل التزام. الشرع وضع نظامًا لحماية الجميع. فماذا لو مات المقترض؟ كيف يُثبت الدائن حقه أمام الورثة؟.. وماذا لو أنكر الدين؟.. وكم من علاقات فسدت، وقلوب تقطعت، بسبب دين غير موثق!.
الميت لا يسقط عنه الدين، والدَّين حق متعلق بذمته، ومن حسن نيّة المقترض أن يبادر هو بكتابة ورقة الدين وتسليمها للدائن، إثباتًا لسلامة قصده، وضمانًا لرد الحق إن طرأ طارئ.
إن الحياء المحمود أن تستحيي من ظلم الناس، وأن تستحيي من أكل أموالهم بغير حق، وأن تستحيي من المماطلة وأنت قادر على السداد.
أما أن تستحيي من طلب حقك، أو من توثيق مالك، فذلك حياء في غير موضعه.
أما المماطلة مع القدرة على السداد فهي ظلم صريح لصاحب المال.
العلاقات الصحية تُبنى على الوضوح والأصول والشرع، لا على الإحراج، والشرع حين أمر بالتوثيق لم يُرد أن يقطع المودة، بل أن يحفظها.
ليس كل صمتٍ رضا. وليس كل عطاءٍ طيب نفس. وما أُخذ تحت ضغط الحياء، أو خوف القطيعة، أو تجنب الإحراج، فليس مكسبًا حقيقيًا، بل دينٌ أخلاقي سيبقى في الذمة.
فلنربِّ أبناءنا على أن السؤال جائز، لكن القبول ليس واجبًا، وعلى أن الاقتراض قد يكون ضرورة، لا عادة، وعلى أن توثيق الحقوق طاعة، لا قلة ثقة.
بهذا فقط نحفظ أموالنا، ونحفظ قلوبنا، ونحفظ ديننا من أن يُستغل باسم المجاملة.