نعم للترشيد لا للتعتيم.. حياة المواطن أولا

الأربعاء، 25 مارس 2026 05:49 م
نعم للترشيد لا للتعتيم.. حياة المواطن أولا
شيرين سيف الدين

في ظل ما يشهده العالم من تحديات اقتصادية متلاحقة وارتفاعات غير مسبوقة في أسعار الطاقة، لم يعد ترشيد استهلاك الكهرباء رفاهية أو خيارًا ثانويًا، بل أصبح ضرورة ملحّة تفرضها الظروف وتقتضيها المسؤولية المشتركة، فلا هي تقع على عاتق الحكومة وحدها، ولا يتحملها المواطن بمفرده، بل هي معادلة تكاملية لا تنجح إلا بتعاون الطرفين ووعي كل منهما بدوره.
 
في منازلنا يمكن أن يبدأ الترشيد من أبسط التفاصيل التي قد تبدو صغيرة، لكنها في مجموعها تصنع فارقًا كبيرًا، مثل إطفاء الأنوار غير المستخدمة، والاعتماد على الإضاءة الطبيعية نهارًا، واستخدام المصابيح الموفرة للطاقة، وفصل الأجهزة الكهربائية عند عدم الحاجة إليها، كلها خطوات بسيطة لكنها فعّالة. كما أن ترشيد استخدام التكييف في فصل الصيف، وضبط درجات الحرارة، وتشغيل الأجهزة الثقيلة في أوقات غير الذروة، تعد من الوسائل التي تساهم بشكل مباشر في تخفيف الضغط على الشبكة الكهربائية.
 
بالطبع لا يمكن إنكار أهمية القرارات الأخيرة للحكومة المصرية، مثل تقليل إضاءة الإعلانات، وغلق المحلات والمقاهي في أوقات مبكرة، جاءت في توقيت حساس وتعبّر عن إدراك حقيقي لحجم التحدي، وبالرغم من أن القرارات قد تبدو قاسية للبعض، لكنها في جوهرها ضرورية لحماية الموارد وضمان استمرارية الخدمة للجميع.
 
لكن وبينما نؤيد هذه الإجراءات وندعم أهدافها تظل هناك نقطة شديدة الحساسية لا يمكن التغاضي عنها، لأنها ببساطة مسألة حياة أو موت وهي ظاهرة الإظلام الكامل لبعض الطرق السريعة، مثل الدائري والمحاور الرئيسية، خاصة في المناطق التي تشهد أعمال صيانة أو إنشاءات كمحطات الأتوبيس الترددي وغيرها، إن العتمة التامة في هذه الطرق لا تحقق الترشيد بقدر ما تفتح أبواب الخطر، وقد تؤدي إلى حوادث جسيمة وفقدان أرواح لا تعوض.
 
الحل هنا ليس في إلغاء الترشيد، بل في إدارته بذكاء، فيمكن ببساطة اعتماد نظام الإضاءة المتناوبة، بحيث يتم تشغيل عمود وإطفاء الآخر، مما يحقق قدرًا كافيًا من الرؤية دون إسراف في استهلاك الكهرباء ، وبهذه الطريقة تتحقق معادلة توازن بين الأمان والكفاءة، بين الحفاظ على الأرواح وتحقيق أهداف الدولة.
 
ومن ناحية أخرى، فإن الأزمة الحالية تمثل فرصة حقيقية لإعادة التفكير في منظومة الإضاءة بالكامل، لماذا لا يتم التوسع في استخدام الطاقة الشمسية لإضاءة لوحات الإعلانات، مع إلزام الشركات المستأجرة بتحمل تكلفة التحول، هذا الحل لا يخفف فقط من استهلاك الكهرباء، بل يضمن استمرار الإضاءة حتى في أوقات الأزمات ، بل ويمكن أن نذهب أبعد من ذلك، بالنظر في استبدال أعمدة الإنارة التقليدية بأخرى تعمل بالطاقة الشمسية، خاصة على الطرق السريعة المفتوحة التي تتعرض لأشعة الشمس بشكل مباشر طوال اليوم ، فمصر تمتلك ثروة هائلة من الطاقة الشمسية، وربما تكون هذه اللحظة هي الأنسب لاستثمارها بشكل أوسع وأكثر جدية ، وبدلًا من أن تكون الأزمة عبئًا، يمكن أن تتحول إلى نقطة انطلاق نحو مستقبل أكثر استدامة واعتمادًا على الطاقة النظيفة.
 
في النهاية، ترشيد الكهرباء ليس مجرد قرار يُفرض، بل ثقافة يجب أن تُبنى، وسلوك يومي يجب أن نلتزم به جميعًا ، لكن في الوقت نفسه، يجب أن يتم هذا الترشيد وفق خطة مدروسة، توازن بين الضرورة والإنسان، بين الاقتصاد والأمان، ولا ينبغي أن يتحقق الوفر على حساب الأرواح ، وفي هذه المرحلة الحرجة نحتاج إلى تنظيم، لا عشوائية .. إلى حلول مبتكرة، لا مجرد ضغط زر.. وإلى رؤية بعيدة تضع مصلحة المواطن في قلب كل قرار، فلا ضرر ولا ضرار.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر قراءة