ويبقى الأثر

السبت، 03 أغسطس 2019 02:23 م
ويبقى الأثر
شيرين سيف الدين

 
لا يبقى من الإنسان بعد وفاته سوى الأثر والعمل إما طيبا أو كريها ونحن من نختار..
 
في طريقي إلى مقر عملي أمر يوميا على منطقة المقابر، وما أن أصل إلى هناك حتى  أجدني أُخفض صوت الراديو تلقائيا وأدعو لجميع الموتى منذ بدء الخليقة بالرحمة، ويوميا عند تواجدي في تلك البقعة أنظر لهؤلاء القابعين تحت الثرى منذ آلاف السنين ويذهب خيالي بعيدا حول كيف كانت حياة هؤلاء وأين هم الآن، ومهما كانت همومي أو سعادتي اشعر فجأة بأن لا قيمة لشئ دنيوي فحياتنا الأولى حتما إلى زوال وهذه هي الحقيقة الوحيدة الثابتة، فلما الحزن الشديد أو الفرح والغرور والخيلاء والنهاية واحدة.
 
إن ما يستحق التفكير حقا هو ما نقدمه لحياتنا الحقيقية، إذ أن ما نحياه اليوم ما هو إلا حلم أو كابوس عابر لابد أن نصحو منه يوما ما، إن عاجلا أو آجلا لنحيا الحياة الحقيقية الأبدية، ألم يعلمنا الله أن الإنسان إذا ما قضى حياته الدنيا بشكل خاطئ يأتي يوم القيامة مؤنباً لنفسه بقوله " يا ليتني قدمت لحياتي "، إذاً فحياتنا ليست ما نحياها اليوم بل هي تلك التي تلي أيامنا في هذه الدنيا .
 
عزيزي القارئ ما هي معلوماتك عن والد جد جدك أو الأجيال السابقة له؟ جميعنا لا يعرف عن أجداده ومن نحن من نسلهم سوى أقرب الأجيال لنا وبعض مما قصوه علينا حول أجدادهم إن كانوا قد عاصروهم ولهم معهم بعض الذكريات، وهل نعلم شيئا عن من سكنوا منازلنا مثلا -إن كانت بنيت منذ مئات السنين -؟..  فبالتأكيد كانت هناك قصص وروايات ومشكلات وفرح وسرور ملأوا يوما أرجاء المكان الذي نحيا به الآن، وكانت هناك أسرا أمثالنا عاشت بين نفس الجدران ولم يعد يتذكرها أحد لا هي ولا أحداث حياتها، كذلك حالنا نحن في يوم من الأيام .
 
كثيرا ما أفكر وأتساءل عند مروري بالمقابر وقراءتي لبعض الأسماء المكتوبة على أبوابها هل يا ترى يتذكر هؤلاء أحد؟ كيف كانت حياتهم؟.. بالتأكيد كان منهم السعداء والناجحون وفي المقابل هناك فشلة وتعساء، منهم من عاش ومات بسلام، ومنهم من مرض أو مات مقتولا، أجيال وراء أجيال سارت على نفس الأرض واستظلت بنفس السماء.. حاربت وجاهدت من أجل مستقبل أفضل وحياة أكثر رخاء وها هم والكثير من نسلهم أصبحوا نسيا منسيا، فمن عمل بشرف لم يبق له سوى ثواب الجهد ومن ظلم وأذى وحطم لم يبقى له إلا ما اقترف .
 
عندما يتصادف وقوفي لفترة في هذا الطريق بسبب الازدحام المروري أشعر بأن لهذا الازدحام حكمة كي أتأمل وأتفكر في أهمية الحياة الدنيا وبالفعل هي ( دنيا )، وأدنى وأقل بكثير من القيمة التي نعطيها لها ونحن أحياء، هي بالفعل لا تستحق الخبث والتخابث ولا الغل والحقد، ولا تستحق المعافرة والشقاق والأذى النفسي الذي يتسبب فيه البعض للبعض الآخر، هذه الدنيا ما هي بالفعل إلا دار زوال، أعلم جيدا أن العمل عبادة والرغبة في السعادة والنجاح هي رغبة مشروعة بالطبع وأن أعمار الأرض فريضة على كل إنسان ولكن بهدوء وبتقبل لقضاء الله وقدره والصبر على المكاره ففي النهاية كلنا زائلون ، لا منصب ولا مال ولا بنون لهم قيمة بعد وفاة الإنسان ، وتبقى القيمة الوحيدة لتقوى الله  وللخير الذي قدمه الإنسان في حياته سواء العطاء المادي أو المعنوي فالعطاء الطيب على أقل تقدير يطيل من ذكرى الإنسان ويمنحه المزيد من الدعوات بعد وفاته.
 
أتفكر أحيانا في إنسان غرس في أبنائه أو في أي إنسان عاصره أخلاقا طيبة أو صفات طيبة وبالتبعية غرس ذلك الإنسان نفس ما تعلمه من جميل الطباع في أجيال لاحقة واستمرت تلك البذرة الطيبة تثمر دون توقف أليس هذا ما يلحق به ويفيده بعد ذهابه والعكس صحيح؟.
 
إذا وبعد التفكر والتأمل لماذا كل هذا التكالب على الدنيا ؟ ولماذا يستحل البعض الإيذاء والمال الحرام والظلم والغدر وغرس الدنئ من الأخلاق ، أليس من الأفضل أن نترك حبا في القلوب وخيرا مستمرا وباقيا يرسل لنا المزيد من الثواب في الدار الآخرة؟.
 
حقا لا يبقى من الإنسان سوى" الأثر " لفترة محدودة في الدنيا ، والثواب ورحمة الله الأبدية والغير محدودة في الآخرة ولذلك علمنا الله أن " الآخرة خير وأبقى".
 
 دعونا نعاهد أنفسنا إن قابلنا في الحياة أصحاب النفوس الشريرة والمريضة أن نُدير لهم ظهورنا ، وألا ندعهم يسقطوننا معهم في المستنقع ، وأن ندرب أنفسنا على أن نحيا بسلام وأن ننزع من قلوبنا الحقد والغل والشر واستباحة أذى النفوس ولنفشي الخير و الحب بيننا والله المستعان .
 

 
لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق