الغوريلا بيلا

الخميس، 05 سبتمبر 2019 07:16 م
الغوريلا بيلا
هبه العدوى

 
طفلة أنا في الرابعة من عمري، أقف علي كرسي خشبي صغير، ألصق أذُني في سماعة الكاسيت، مستمعة لأجمل قصة عن الإنسانية.. حدوتة الغوريلا بيلا، تلك الحدوتة التي كان يحكيها فؤاد المهندس رحمه الله بطريقته الشديدة التشويق والإثارة، المفعمة بالأحاسيس التي تنقلك إلي حيث الروح والزمان والمكان مهما كان عمرك.. تقول أمي أني كنت أكررها بكثرة لا تسمح لها باستخدام الكاسيت علي الإطلاق طالما بقيت مستيقظة.
**************"
"الماية بتعلي بتعلي.. الماية غطت كوع بيلا وصلت لحد معصم الإيد وعواد خايف.. عواد بيتشعبط ويمسك بإيده في الرباط اللي ربطه على صباع بيلا".. أتذكر أنني كنت ألصق أذني في الكاسيت أكثر كلما وصلت أحداث القصة لذروتها، تأثراً وتعاطفاً مع تلك الغوريلا التي أحبت إنساناّ فصارت صديقته الصدوقة رغماً عن ضخامتها وتحديدا أرجلها التي كانت في حجم الشجرة !! 
 
تلك القصة التي تَشرّبت معانيها الجميلة منذ نعومة أظافري وغيري من الأطفال عن التضحية والحب والوفاء والإيثار والصداقة الحقيقية بين " بيلا " الغوريلا الذي رباه الصياد "عَوّاد" منذ كان صغيراً، فلما رآه يكبر ويصير جسده ضخماً فكّر في التخلص منه خوفاّ من حجمه الكبير، إلا أنه أنقذ حياته من خطر ما مرّ به  وأنقذ منزله من كارثة، فتراجع عَوّاد عن قراره بالتخلص منه، ظل بيلا صديقه المخلص حتي وصول الحدوتة للحظة المحتدمة، لحظة انفجار البركان.
**************
كنت أشبّ وقتها بكل قوتي من فوق الكرسي الخشبيّ لأصل للكاسيت متمنية لو وضعت أذني بأكملها داخل سماعته، تلك اللحظة التي ضحي فيها بيلا بنفسه لكي ينقذ صديقه، يرفعه أعلي أعلي حتي يموت بيلا في لحظة تختفي فيها كل أصابع يده، مضحياّ بنفسه من أجل صديقه، ويموت بيلا في لحظة مؤلمة.. كلما سمعتها تذكرت إحساسي الممتلئ بالألم والممتزج بالحزن، ذلك أن بيلا مات من أجل أن يعيش عواد.
**************
ولأنهم عودونا ووعدونا دوما بالنهايات السعيدة، فبيلا رغم البركان والعاصفة وكل الأحداث السابقة يعيش، ويبدأ عَوّاد يغني له الأغنية التي أعدها له خصيصا منذ كان صغيرا :
"بيلا بيلا بريلليلا ..راسك قد القلقيلة والمناخير فاطسة فاطسة وعلي جبينك بقليلة "
**************
الآن  ألصق السماعات في أذني كلما استمعت لقصة الغوريلا بيلا، وأتعجب أن نفس الإحساس يصلني منذ كنت في الرابعة من عمري، ألهذه الدرجة تُحفَر المشاعر داخل أعمارنا!!..  ألهذه الدرجة- لو قررنا -سنستطيع بناء طفل مصري علي كل المعاني الإنسانية فقط لو أردنا !!.. ألهذه الدرجة يكون الطفل مستوعباً بفطرته الناعمة, المعاني الجميلة التي جَبَله الله عليها منذ نعومة أظافره!.
 
رحم الله العبقري فؤاد المهندس بصوته وإحساسه الصادق، ورزقنا من يكونون مثله في صناعة وجدان الطفل المصرى.
 

 
لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق