"وفديناة بذبح عظيم".. القرابين في الأديان

الجمعة، 16 يوليه 2021 03:39 م
"وفديناة بذبح عظيم".. القرابين في الأديان
عنتر عبد اللطيف

 
حاول الإنسان عبر العصور التقرب إلى الخالق بوسائل شتى، منها تقديمه القرابين حتى يرضى عنه ويلحقه بالأخيار فينال الرحمة والمغفرة وينجو من العذاب الأليم الذى ينتظر الأشرار، والقربان في اللغة هو "ما يتقرب به من ذبائح وغيرها إلى الله سبحانه تعالى، وجمع قربان هو "قرابين".
 
عرفت الأديان السماوية الثلاث تقديم "القرابين" وروت كتبها المقدسة نصوصا كشفت عن أهمية القربان، وحرص الإنسان على التقرب به للسماء، فقد روى ابن كثير قصة أول قربان قدمه الإنسان لله في التاريخ وذلك في تفسيره للآية الكريمة "وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ، قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ" "الآية 27- سورة المائدة"، قائلا: "قال السدي - فيما ذكر- عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس -وعن مرة عن ابن مسعود- وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان لا يولد لآدم مولود إلا ولد معه جارية، فكان يزوج غلام هذا البطن جارية هذا البطن الآخر، ويزوج جارية هذا البطن غلام هذا البطن الآخر، حتى ولد له ابنان يقال لهما: قابيل وهابيل وكان قابيل صاحب زرع، وكان هابيل صاحب ضرع، وكان قابيل أكبرهما، وكان له أخت أحسن من أخت هابيل وإن هابيل طلب أن ينكح أخت قابيل فأبى عليه، وقال: هي أختي ولدت معي، وهي أحسن من أختك، وأنا أحق أن أتزوج بها. فأمره أبوه أن يزوجها هابيل فأبى، وأنهما قربا قربانا إلى الله عز وجل أيهما أحق بالجارية، وكان آدم عليه السلام قد غاب عنهما، أتى مكة ينظر إليها، قال الله عز وجل: هل تعلم أن لي بيتا في الأرض؟.. قال: اللهم لا. قال: إن لي بيتا في مكة فأته. فقال آدم للسماء: احفظي ولدي بالأمانة، فأبت. وقال للأرض، فأبت. وقال للجبال، فأبت. فقال لقابيل فقال: نعم، تذهب وترجع وتجد أهلك كما يسرك. فلما انطلق آدم قربا قربانا، وكان قابيل يفخر عليه، فقال: أنا أحق بها منك، هي أختي، وأنا أكبر منك، وأنا وصي والدي. فلما قربا، قرب هابيل جذعة سمنة، وقرب قابيل حزمة سنبل، فوجد فيها سنبلة عظيمة، ففركها فأكلها. فنزلت النار فأكلت قربان هابيل وتركت قربان قابيل فغضب وقال: لأقتلنك حتى لا تنكح أختي. فقال هابيل: إنما يتقبل الله من المتقين. رواه ابن جرير".
 
ويجيب فضيلة الشيخ الراحل محمد متولى الشعراوي على سؤال مهم وهو " لماذا قالوا تقرب قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر؟"، في احدى دروسة المتلفزة بقوله: "أن أخت قابيل التى كانت معه فى بطن واحدة جميلة وأخت هابيل لم تكن جميلة، وطبقا لقواعد التباعد فى الزوجية كان على هابيل أن يأخذ أخت هابيل والعكس، فحسد قابيل أخاه وقال أنا أولى بأختى الجميلة فقال آدم "قربا قربانا وانظرا"، والقربان هنا لكى يعرف كل منهما من يتزوج الجميلة، وتقبل قربان هابيل الذى قدم خيار ماشيته ولم يتقبل قربان قابيل الذى قدم شرار زرعه، وهنا قال تعالى "فتقبل من أحدهما"، ولم يقل هابيل أو قابيل لأن الله لا يتقبل إلا المتقين، وهو يعلم أن قابيل غير متق فلم يتقبل منه لأنه رفض الزواج من البطن المخالف.
 
وتحتل قصة "كبش سيدنا إسماعيل" عليه السلام أيضا مكانة خاصة فى الإسلام، فيقول الله سبحانه وتعالى في الآية 107 من سورة الصافات "وفديناة بذبح عظيم"، حيث أن مفهوم الذبائح هو الأقرب لـ"الأضحية" التى من شروطها ذكر اسم الله عليها وبها يتقرب العبد إلى ربه، كما شرع الله الأضحية بقوله تعالى: "فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَر"- الآية 2 من سورة الكوثر-، وهي سُنّة مؤكدة ويُكره تركها مع القدرة عليها، لحديث أنس رضي الله عنه الّذي رواه البخاري ومسلم أن "النّبي صلّى الله عليه وسلّم ضحى بكبشين أملحين أقرنين، ذبحهما بيده وسمّى وكبر".
 
وجاء في قصص الأنبياء لابن كثير: طَلَبَ إبراهيم مِن رَبِّهِ أن يَرْزُقَهُ أَوْلادًا صَالحِين، قال فِيمَا أَخْبَرَ اللهُ بِهِ في القرءان "رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ الآيات 100 و101 من سورة الصافات فرَزَقَهُ الله تعالى إسماعيلَ وإسحاقَ.
 
وَلَما كَبِرَ إسماعِيلُ وَصَارَ يُرافِقُ أبَاهُ ويَمشي معه، رأَى ذَاتَ لَيلةٍ سَيِّدَنا إبراهيمَ عليه السلامُ في المنامِ أنه يَذبَحُ وَلَدَه إِسماعيلَ، قال تعالى إِخبارًا عن إبراهيم ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ (102)﴾ الآيةَ من سورة الصافات.
 
ورُؤْيا الأنبياءِ وَحْيٌ، فَأَخْبَرَ بِذَلِك وَلَدَه كمَا جاء في القرءان "فَانظُرْ مَاذَا تَرَى" لم يَقْصِدْ إِبراهيمُ أنْ يُشَاوِرَ وَلَدَه في تَنْفِيذِ أَمْرِ اللهِ ولا كانَ مُتَرَدِّدًا إنما أَرادَ أَنْ يَعْرِفَ ما في نَفْسِ وَلَدِه، فجَاءَ جَوابُ إِسماعِيلَ ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ" الآية 102 من سورة الصافات]، وأما قوله "إِنْ شَاء اللَّهُ" لأنَّه لا حَرَكةَ ولا سُكُونَ إلا بمشيئةِ اللهِ تَكُونُ.
 
فأَخَذَ إبراهيمُ ابْنَهُ إسماعِيلَ وابْتَعَد به حتى لا تَشْعُرَ الأُمُّ، وأَضْجَعَهُ علَى جَبِيْنِه، قال تعالى "فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ" فقَال إِسماعيلُ: يا أَبَتِ اشْدُدْ رِبَاطِي حتَى لا أَضْطَرِبَ واكْفُفْ عَنِّي ثَوْبَكَ حتَى لا يَتَلَطَّخَ مِن دَمِي فَتَراهُ أُمِّي فَتَحْزَنَ، وَأَسْرِعْ مَرَّ السِّكِّينِ علَى حَلْقِي لِيَكُونَ أَهْوَنَ لِلْمَوْتِ عَلَيَّ، فإِذا أَتَيْتَ أُمِّي فأَقْرِئ عَلَيْها السَّلامَ مِنِّي.
 
فأَقْبَلَ عليه إبراهيمُ يُقَبِّلُهُ وَيَبْكِي وَيَقُولُ: نِعْمَ العَوْنَ أَنْتَ يا بُنَيَّ علَى أَمْرِ اللهِ، فَأَمَرَّ السِكِّينَ عَلَى حَلْقِه فَلَم تَقْطَعْ، وقيل انْقَلَبَتْ. فقَال له إسماعيلُ: ما لك؟ قال: انْقَلَبَتْ.
 
فقال له: اطْعَنْ بِها طَعْنًا، فَلَمَّا طَعَن لم تَقْطَعْ شَيئًا، وذَلِك؛ لأنَّ الله هو خالِقُ كلِّ شىءٍ وهو الذِي يَخْلُقُ القَطْعَ بالسِّكِّين.
 
وَنُودِيَ: يا إبراهيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُؤْيا، هذا فِدَاءُ ابْنِكَ، فَنَظَر إبراهيمُ فإذا جِبريلُ مَعَهُ كَبِشٌ مِن الجَنَّةِ، قال تعالى "وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ" أي أنَّ اللهَ تَعالى خَلَّصَ إِسماعيلَ مِن الذَبْحِ بِأَنْ جَعَلَ فِداءً له كَبِشًا أَقْرَنَ عَظِيْمَ الحَجْمِ والبَرَكَةِ.
 
وجاء في السيرة النبوية لإبن هشام وتاريخ الطبري ومنصف ابن أبى شيبه عن بن عباس رضى الله عنه أنه قال: "كان عبد المطلب بن هاشم نذر إن توافى له عشرة رهط"، أي أعطاه الله عشرة أولاد"، أن ينحر أحدهم، فلما توافى له عشرة، أقرع بينهم أيهم ينحر "يذبح"، فطارت القرعة على عبد الله بن عبد المطلب والد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أحب الناس إلى عبد المطلب، فقال عبد المطلب: اللهم هو أو مائة من الإبل، ثم أقرع بينه وبين الإبل، فطارت القرعة على المائة من الإبل".
 
أما في المسيحية ووفق الإيمان المسيحى فيعد المسيح - هو الخلاص النهائى وفقا لقول المسيح فى سفر أنجيل يوحنا: "أنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ، مَنْ آمَنَ بِى وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا"، فكان ذلك بمثابة الدليل على شمولية عمله وأيضا على اكتماله، حيث كان "المسيح" قد افتدى خطايا جميع البشر عقب صلبه فى "الجمعة العظيمة"، وبذلك فقد خلص البشرية من خطية الأولى لآدم وحواء.
 
يقول "بولس الرسول" فى رسالته إلى أفسس "اَللهُ الَّذِى هُوَ غَنِى فِى الرَّحْمَةِ، مِنْ أَجْلِ مَحَبَّتِهِ الْكَثِيرَةِ الَّتِى أَحَبَّنَا بِهَا، وَنَحْنُ أَمْوَاتٌ بِالْخَطَايَا أَحْيَانَا مَعَ الْمَسِيحِ بِالنِّعْمَةِ أَنْتُمْ مُخَلَّصُون وَأَقَامَنَا مَعَهُ، وَأَجْلَسَنَا مَعَهُ فِى السَّمَاوِيَّاتِ فِى الْمَسِيحِ يَسُوعَ"(أفسس2: 4-6).
 
اللافت أن بعض القرى فى اليونان لازالت حتى الآن تقدم الأضاحي المذبوحة مثل الماعز والديوك إلى رجال الدين الأرثوذكس، وهو ما بـ"كوربانيا"، كما إنه وفق المعتقد المسيحى فإن "يوسف ومريم قدّما حمامتين أضحية عند ولادة المسيح".
 
أما في الديانة اليهودية فإن موسى عليه السلام شرع أن يقوم اليهود سنويا بذبح قربان حيواني وعادة هو "كبش" تقربا لله، احياء لذكرى نجاة بني إسرائيل، كما يحرق اليهود بقرة ويأخذون رمادها ويضيفون إليه الماء ليتطهر الشخص، حيث يعتقدوا أن أكل لحم البقر جائز، ما دام مذبوحا وفقاً للطريقة الدينية "شيشيتا"، فيما يذبح آخرون الدجاج والماعز على أبواب المعابد، طالبين الغفران من الخطيئة وفق العهد القديم.
أما طقوس ما تسمى بـ"الكاباروت" والتى يرجعها البعض إلى بلاد الرافدين وفارس وتعنى بالعربية "الكفّارة"، فتمارس عشية يوم الغفران، فيعتقد اليهود إنها  تنقل الخطايا بشكل رمزى إلى طائر وقد خصصوا  الديك للرجل والدجاجة للمرأة وخلال هذا الطقس يجرى تدوير الطائر الحى حول رأس المتدين اليهودي ثلاث مرات، مع تلاوة بعض المزامير وفقرات من سفر أيوب، ثم يُدار حول رأسه، ويُفضَّل أن يكون الطائر أبيض اللون، مع تلاوة الدعاء التالى: "هذا هو بديلي، قرباني، الذى ينوب عنى فى التكفير عني"، ثم يمنح هذا الطائر بعد ذلك لأحد  المساكين أو الفقراء، أما أمعاؤه فتُقدّم للطيور، والهدف من ذلك هو تذكير الشخص بأن ارتكاب الذنوب والخطايا سيتبعه عقاب شديد. وعليه يجب أن يدفع الشخص نحو التوبة عشية يوم الغفران وفق معتقدهم.
 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق