هروب اضطراري

الخميس، 16 سبتمبر 2021 01:37 م
هروب اضطراري
شيرين سيف الدين

 
قرأت منشورا في صفحة التواصل الاجتماعي الخاصة بفنان شاب مشهور صباح اليوم مفاده أنه يشتاق  إلى منطقه سكنه القديمة "الدقي" بعد أن انتقل لمدينة الشيخ زايد.
 
وبدأت التعليقات تنهال عليه من الأصدقاء والمتابعين وأغلبها كان يشير أن قرار الانتقال من المدينة القديمة والمناطق العزيزة على القلوب أصبح أمرا اضطراريا لا إراديا، طلبا في الهدوء والراحة وياحبذا لو ابتعد المواطن خلف أسوار "الكومباوندز" ضمانا للبعد عن المشاكل المستقبلية .
 
اعتبر بعض المعلقين البقاء في المناطق التي كانت سكنية هادئة وراقية شبه مستحيل، وعدَّدَ بعضهم أسباب صعوبة الاستمرار فيها بأنها مزعجة فالصخب والضوضاء في كل مكان، والمحلات والمطاعم والكافيهات احتلت أغلب العقارات، بالإضافة إلى شوارعها المهملة سواء من رصف أو قمامة.. وغيرها الكثير.
 
الكثيرون بدا على تعليقاتهم الحزن وعدم السعادة والرضا بترك المناطق التي كانت يوما ما رمزا للرقي والنظافة وكانت تحظى باهتمام كبير.
 
على ما يبدو أن هناك هجرة داخلية اضطرارية بسبب سوء إدارة المحليات والإصرار على تشويه كل ما هو جميل، واعتبار المناطق الأصلية في القاهرة مناطق عفى عليها الزمان !
 
لا أعلم سبب تحول أرقى المناطق إلى حال لا يرضي أحد؟
 
بالتدقيق والتركيز اكتشفت أن الأمر ليس بجديد بل هو متوارث على اختلاف الأجيال، فعندما تنظر لحال حي مهم وتاريخي مثل حي عابدين مثلا الذي كان مقرا لقصر الملك وكان يقطنه الأثرياء وأصحاب الوجاهة، تستعجب وتقف للحظات محاولا استيعاب كيفية تحوله من حي ملكي راقي لحي شبه شعبي مزدحم ومهمل !
 
لا أعلم السبب فيما حدث ويحدث، ما لا أفهمه هل معنى تشييد مدن جديدة أن نقضي على المناطق القديمة؟ بالطبع لا، فالهدف الأسمى من تشييد مدن جديدة هو توسعة الرقعة السكنية وتوفير مساحة أكبر لاستيعاب السكان والأجيال الجديدة التي تحتاج لسكن، لذا من الضروري إيجاد حل لهذه المأساة والعمل بشكل متوازي، فمع بناء مدن على الطرازات الحديثة، يجب الحفاظ على هوية المناطق الأقدم وعلى جمالها وصيانتها بكل السبل فنزيد للجمال جمال وللعراقة حداثة، لا أن نردم على القديم مادام ظهر الحديث!.
 
ما نشهده من عبث وعشوائية تمتد من مكان لآخر يحتاج لمراجعة، فبزيارة خاطفة لمناطق مثل الزمالك والمعادي والدقي والمهندسين ومصر الجديدة، يمكن اكتشاف ما يعانيه السكان من تحول رهيب، حدث بشكل تدريجي، نعلم جيدا أنه إرث بدأ منذ سنوات طوال، لكن آن الأوان أن يتوقف عن الاستمرار والامتداد.
 
هل يعقل أن يصحو سكان عقارات راقية كلفهم السكن بها ملايين الجنيهات لينعموا بهدوء ونظافة على مقهى أو كافيه احتل أسفل بنايتهم، أو شقة تحولت بقدرة قادر بعد التصالح مع الحي لمطعم يزعج السكان برواده وروائح الأطعمة والدخان والضوضاء، أضف إلى ذلك افتقاره للأمان بسبب استخدام الغاز والنار!.. أو أن يعاني قاطني أحد الشوارع الهادئة من زحف الباعة الجائلين واحتلالهم للأرصفة وتحويل المكان لسوق.. وأن تتحول ميادين خضراء لأكشاك؟.. أو أن يفاجئوا بموقف ميكروباص أسفل منازلهم؟
 
أصبح العديد في حيرة من أمرهم إلى أين يهربون؟ ويتساءلون لمَ الهرب من منازلهم ومناطقهم التي ينتمون إليها وكانوا يوما ما ينعمون فيها بالراحة، "يرضي مين"، ولمن يلجؤون؟
 
يحاول البعض في مرحلة ما قبل الهرب أن يكون مواطن إيجابي بالتواصل مع الحي والإبلاغ عن المخالفات وكل أمله أن يجيره أحد في مصيبته، ومع الأسف يصدم بالواقع فأقصى ما يحدث هو أن يحضر موظفي الحي لإغلاق المحل المخالف وجمع المقاعد والطاولات والتقاط بعض الصور التوثيقية، وفي خلال ساعات يعود الحال لما كان عليه، وهكذا دواليك حتى يفقد الأمل ويجد أنه لا مفر من الرحيل لمنطقة حديثة ستصبح يوما ما قديمة بعد تشييد الأحدث، مثلما يحدث الآن في منطقة مثل التجمع التي بدأ بعض سكانها يفكرون في هجرتها أيضا للعاصمة الإدارية الجديدة أملا في سكن هادئ يمنحهم الخلاص والملاذ الأبدي.
 
وكحال أغلب مقالاتي اناشد المسؤولين أن يواكبوا حركة الرئيس السريعة، وطموحه الكبير في وطن أفضل في كل شيء، ورغبته في توفير حياة كريمة للمواطن، فلا يعقل أن يتبنى هو ويسعى بكل جهد لتطوير القرى ورفع مستوى معيشة مواطنيها والقضاء على العشوائيات، ويتجول ليل نهار في الشوارع وفي كل مكان لمعرفة أحوال الوطن بنفسه، وفي المقابل نجد مسؤولي الأحياء في مكاتبهم يصعب عليهم القيام بجولة يومية في المناطق التي تقع تحت نطاق مسئولياتهم، والآخذة في التحول لعشوائيات ستحتاج فيما بعد لجهود مضنية لإصلاحها ونظل نحيا في نفس الدائرة المغلقة.
 
يا سيادة رؤساء "الأحياء السكنية" هل تعلمون أن كلمة سكنية مشتقة من السكن والسكينة بمعنى الراحة والهدوء؟
 
كلكم راع وكل راع مسؤول عن رعيته، والمناصب ليست باقية ما سيبقى هو ما قدمتموه للأحياء التي رأستموها يوما ما ولسكانها، والجهود التي قدمتموها للارتقاء بها والتي لن تخفى نتائجها عن أحد، فكل حي حاله واضح وضوح الشمس وشاهد على رئيسه سواء بالإيجاب أو بالسلب .
 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر تعليقا