قلوب كالحجارة أو أشد قسوة!

الأحد، 22 أغسطس 2021 05:37 م
قلوب كالحجارة أو أشد قسوة!
شيرين سيف الدين

 
 
قرأت منذ أيام مقالا للكاتب الإنسان الأستاذ "إسلام حامد" بعنوان "القلوب القاسية"، يتحدث فيه عن قضية هامة أثارت الرأي العام مؤخرا، أساسها قصة أسرة محرومة من الإنجاب قررت احتضان طفلة من دار أيتام، ومع الأسف والألم عند بلوغ الطفلة لعمر 3 سنوات عاشتها في بيت تلك الأسرة قررت الأسرة إعادتها للدار، لأن الأم البديلة أصبحت تحمل طفلا من صلبها!.
 
لم أتمالك دموعي عند قراءتي لتفاصيل تلك المأساة وتذكرت حينها لقاءً تلفزيونيا يجمع عدداً من الأمهات المحتضنان مع أحد المشايخ للحديث حول أمر الكفالة، ولفت نظري حينها رد الشيخ المنطقي والموجع عليهن بعد أن قصت كل منهن قصة احتضانها للطفل، فمنهن من قالت إنها شعرت بالوحدة حيث إنها غير متزوجة وتعدت سن الإنجاب فقررت ملء حياتها بطفل ترعاه، وأخرى تحدثت حول عدم إنجابها لسنوات عديدة وكان خيارها البديل هي وزوجها احتضان طفل ينير حياتهما، والعديد من القصص المشابهة، فإذا بالشيخ يخبرهن بأن الثواب يأتي مع النية، وأن الأعمال بالنيات ولكل أمرئ ما نوى، فإذا كانت نية الكافل إسعاد نفسه وتعويضها عن عدم الإنجاب فقد نال ما نواه، أما إن كانت نيته الأساسية هي إنقاذ طفل يتيم من حياة الدار والرغبة في إسعاد روح بريئة ومساعدتها على العيش في حياة كريمة فهنا يأتي الثواب الكبير ويتحقق وعد النبي صلى الله عليه وسلم بقوله "أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة "، لذا فالنية هنا هي الأهم في هذه الخطوة .
 
وبتحليل قضية الاحتضان وسبب إعادة البعض للدور بعد ان اعتادوا حياة المنزل والأسرة دون رحمة سنجد أن رأي الشيخ الجليل هو رأي صائب 100%، لأن النية من البداية لو كانت خالصة لله تعالى دون غرض شخصي سوى الثواب ما فرط المحتضن أبدا في الطفل، ولو أن الهدف الأصلي إرضاء الله بإسعاد ورعاية روح إنسان برئ وكانت النية من قلب رحيم ما قوي ذلك القلب أبدا على إغضاب الله بإيذاء تلك الروح دون ذنب جنته غير أن قدرها ساقها للمرة الثانية للحرمان، ولو تعلم تلك الأم البديلة أنها لو تركت ذلك المسكين في الدار لكان أفضل وأرحم له من أن يذوق طعم الحياة الطبيعية الرغدة، ويعتاد على نمط حياة سعيدة مريحة ثم يفاجأ بأن من يعتبرهم أسرته يتخلون عنه بدم بارد، دون أدنى شعور بالمسؤولية ولا تأنيب الضمير، ليعيش حياة صعبة لم يعتد عليها، ولو يعلم هؤلاء حساب الله لظلمهم ذلك الصغير ما فعلوها أبدا .
 
لذا أتمنى أن يسأل المحتضن نفسه قبل الإقدام على تلك الخطوة عن سبب رغبته في الاحتضان، وأن يراجع نواياه جيدا لأن تلك النوايا هي ما ستحركه مستقبلا وهي ما ستجعله يتحمل مصاعب تربية ذلك الطفل وسلوكه، وتلك النوايا هي من ستملأ قلبه رحمة وتحيي ضميره وتجعله يتحمل ويكمل المسيرة إذا ما شعر يوما بصعوبة الاحتضان.
 
أيضا أتمنى أن يراجع المحتضن أفراد أسرته ومدى تقبلهم للفكرة، وأن يتأكد من لين قلوبهم واقتناعهم بثواب الكفالة ليضمن أنهم سيكملون مسيرة رعاية ذلك الطفل حال فقدانه للأسرة البديلة لا قدر الله، فقد قرأت أيضا منذ فترة أن أسرة طفل محتضن فقدت حياتها إثر حادث سيارة، وأهل الضحايا رفضوا بقاء الطفل في منزل أحدهم وأعادوه للدار، وبعد أن كان في مدرسة "انترناشونال" وبلغ من العمر ١٢ عاما ويحيا في منزل راقي وجد نفسه سجينا في دار للأيام.
 
العديد من القصص المأساوية تتخلل تلك الخطوة النبيلة بسبب عدم دراسة المقدم عليها لعواقب تلك الخطوة الإنسانية العظيمة، ويجب أن يعلم الجميع أن كونها خطوة إنسانية فلابد فيها من مراعاة جميع الأبعاد التي قد تؤثر على كل "إنسان" طرف فيها، وإن لم يكن المحتضن لديه قدرة تأمين حياة ومستقبل الطفل فالأفضل له أن يكفله ويرعاه وهو في الدار كي لا يعرضه يوما لأوجاع قد لا يتحملها.
 
أما الحكومة فعليها أن تضع حدا لتلك المهزلة الإنسانية التي يقوم بها البعض، وأن تُشرِع عقوبة وغرامة مالية كبيرة على من يقرر إعادة طفل للدار مرة أخرى، كما أن على الدولة وضع منظومة قوية للتأكد التام من أن الأسرة الحاضنة تراعي الطفل نفسيا وجسديا وماديا، وإلا تعرضت للمساءلة القانونية والسجن كي تذوق العذاب النفسي الذي تسببت فيه لمن ألقاه القدر في أحضانهم الجافة.
 
ما حدث ويحدث ينطبق عليه قول الله تعالى "ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة".
 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر تعليقا