قبل الحوار الوطني.. لماذا نخسر معركة تجديد الخطاب الديني؟

السبت، 21 مايو 2022 11:00 م
قبل الحوار الوطني.. لماذا نخسر معركة تجديد الخطاب الديني؟
السعيد حامد

لتعمل الدولة على صياغة قانون جديد يتيح للباحثين وللمجتمع الغوص والتنقيب في التراث والتاريخ الديني ونقد ما يستحق أن ينقد

تبدو إشكالية تجديد الخطاب الديني في الوقت الراهن، معركة خاسرة بكل المقاييس، إذ أنها ترتبط ارتباطا وثيقا بآراء وأفكار وتصورات المؤسسات الدينية ورجالها، عن الدين نفسه، فتلك المؤسسات لا تعاني من الجمود والتحجر والروتين وضيق الأفق وحسب، بل تنظر بغضب وذعر وتهديد لكل من يتجرأ على نقد أو مهاجمة أو قدح أي من الرجال الذين وضعوا وصاغوا هذه المفاهيم والتصورات، أو حتى مجرد الادعاء والقول، إن تلك الأفكار والآراء تعبر فقط عن فهم من وضعها وصاغها، للدين وأحكامه، وليس بالضرورة أن تعبر عن الدين.

ومع هذا، فإن رغبة الدولة الصادقة، وإصرار قادتها على فتح هذا الملف الشائك، لتنقية هذا التراث وتعرية وفضح المتلاعبين بالدين وفي الدين، تبقي الأمل قائما وحاضرا لكسب هذه المعركة- ولو بعد حين- وانتشال وإنقاذ المجتمع ووعيه الجمعي من هذا المستنقع، وأيضا تحريره من عبودية فكرية وسلوكية تحاصره وتعرقل تقدمه منذ سنوات طوال.

عبودية، حولته إلى مجتمع عدائي ومنافق، يبحث عن المظاهر، الفضيلة والخطيئة لا يهمانه، ما يهمه هو المظاهر، أو كما قال إحسان عبد القدوس: فالسيدة الحشمة التي ترتدي ثوبا مقفول الصدر طول الأكمام، سيدة فاضلة في نظر المجتمع حتى لو كان تحت ثوبها جسد مزقته الخطيئة، وروح شريرة يرتع فيها الحقد والكراهية وإيذاء الناس.

وتأتي دعوة الحوار الوطني، لتفتح الباب على مصراعيه من جديد، لإعادة طرح فكرة تجديد الخطاب الديني، لكن، لتكن هذه المرة بشكل مغاير وبآليات واقعية وعميقة، خلافا لما جرى عليه الأمر في السنوات الماضية، إذ من المهم أن نعرف جيدا، ماذا نقصد بكلمة تجديد الخطاب الديني، هل هو الصمت على قضايا خلافية شائكة، تجعل الدين الإسلامي، متهما أمام الجميع بممارسة العنف والقتل والتخريب؟ أم بتغيير بعض مصطلحات وكلمات وصيغ الخطب والفتاوى التي تحرض على أصحاب الديانات والمذاهب الأخرى، دون الاقتراب من فحوى ومحتوى تلك الفتاوى والخطب؟ أم باستبدال الأشخاص الذين يتحدثون للناس كل يوم في الدين وبسم الدين، بأشخاص جدد؟

وحقيقة الأمر، فإن دراويش وأتباع ومحبي فقه القدام ورفقاء المقابر، نجحوا بامتياز في وصم كلمة تجديد الخطاب الديني بالعار، وجعلوا منها كلمة سيئة السمعة، تهدف أو بالأحرى تعني هدم الدين وثوابته وأحكامه، بالرغم من أن مفاهيمهم وتصوراتهم وأفكارهم، هم، عن الدين، هي وحدها من تسئ للدين ولمقاصده السامية، على مرأى ومسمع من الجميع، وهي وحدها المسئولة عن إراقة الدماء والعنف والتخريب والفوضى.

إذن، لتعمل الدولة على صياغة قانون جديد يتيح للباحثين والدارسين وللمجتمع كله، بالغوص والتنقيب في التراث والتاريخ الديني، ونقد ما يستحق أن ينقد، ورفض ما يجب أن يرفض، دون خوف أو قلق أو رعب من الملاحقات، سواء الفكرية أو القانونية، وأيضا إلغاء أو تقييد صلاحيات ما يعرف بقانون ازدراء الأديان، الذي وضع المفكرين والباحثين والأدباء تحت مقصلته، وبات سيفا يهدد ويرعب كل من يحاول الإتيان بآراء وأفكار يراها كثيرون مستنيرة، لكنها لسوء حظها أو حظنا، تخالف وتخاصم ما يسمى بالإجماع.

ليس هذا وحسب، بل يجب- في رأيي- غل يد المؤسسات الدينية التي يخصص لها مليارات الجنيهات من الموازنة كل عام، وإعادة تقييم ما يعرف بالتعليم الديني، ودراسة جدواه وماذا قدم للمجتمع، بكل شفافية وحيادية وتجرد، دون التغاضي عن حقيقة أنه كان مفرخة لكثير من الإرهابيين الذين استحلوا الدماء داخل مصر وخارجها مثل: «عمر عبد الرحمن، ومحمد سالم رحال، وأبو بكر شيكاو، وأبو أسامة المصري، وأبو ربيعة المصري، وعبد الله عزام، وعبد رب رسول سياف، وبرهان الدين رباني، ومولوي قاسم حليمي»، وغيرهم الكثير. كذلك، تحطيم أسطورة رجل الدين المقدس، الذي يمتلك تفويضا من الله ورسوله (ص) لشرح آياته الكريمة وأحكامه للبشر، وأنه وحده يعلم من يدخل الجنة ومن يدخل النار.

الكلمة لا تهزمها سوى الكلمة، والأفكار لا تموت، هذه حقيقة لا مفر منها، ولن يهزم الآراء الشاذة المتطرفة الرجعية، سوى فتح المجال العام أمام آراء أخرى جديدة، يكون مقاصد الدين الإسلامي السامية هي مدخلها وبوصلتها ومرجعها الرئيسي، وفي المقابل أيضا، مساءلة كل أصحاب الأفكار الشمولية الأحادية كالسلفيين وشيوخ فقه القدام، وغلق منابرهم الإعلامية التي تحرض بشكل فج وصريح على كل أصحاب الآراء المخالفة، مستعينة في الوقت نفسه بأحاديث منسوبة للنبي (ص)، وتفاسير مشوهة ومغلوطة لآيات الذكر الحكيم، لإثبات صحة وجهة نظرها ومنطقها.

إن فتح المجال أمام الأيدولوجيات الفكرية، التي تتحدث بسم الله وتعتقد أن ما تدعيه وتزعمه هو الحق، وكل الحق، بحرية مطلقة، يزيد من تعقيدات مواجهة التنظيمات الإرهابية المسلحة وغير المسلحة، ويضعف من كل وسائل وطرق محاربتها، بل ويسمح لها بتجديد دماؤها وتعويض خسائرها، بخلق عناصر جديدة، ربما لا تحمل السلاح في يدها حتى الآن، لكنها بالتأكيد تحمل ما هو أخطر من السلاح، من أفكار سامة شاذة متطرفة تدعو للقتل والتخريب تستند على أرضية صلبة من كتب التراث.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر تعليقا